الأحد 11 جمادى الآخرة / 24 يناير 2021
 / 
02:34 م بتوقيت الدوحة

د. عبدالله الكبيسي: نظام «القسائم التعليمية» ورطة تسببت في «ثنائية التعليم»

علي العفيفي

الأحد 27 ديسمبر 2020
د. عبدالله جمعة خلال حديثه مع «العرب»

«العرب» تفتح خزائن الذكريات وحال التعليم مع أول قطري يترأس جامعة قطر

الجامعات ليست مسؤولة عن فشل المؤسسات في تطوير وتدريب الخريجين

تركيز الأسر على تعليم أبنائهم «الإنجليزية» يؤثر على هويتنا العربية

لدينا تعليم تتحكم فيه الوزارة.. وتعليم آخر يتماهى مع ثقافة الغرب

انتقد الدكتور عبدالله جمعة الكبيسي، مدير جامعة قطر الأسبق، استمرار نظام القسائم التعليمية في وزارة التعليم والتعليم العالي، واصفاً إياه بـ «الورطة» التي زرعتها مؤسسة «راند»، مما خلق «ثنائية التعليم» في الدولة. وقال الكبيسي، في الحلقة الثانية من حواره مع «العرب»، إن نظام «القسائم التعليمية» خلق تنازع سيادة على ثقافة التعليم العام بين تعليم تتحكم فيه وزارة التعليم وتعليم آخر  يتماهى مع الثقافة الغربية تديره المدارس الخاصة. 
واعتبر أول قطري يتولى إدارة جامعة قطر أن نظام «القسائم التعليمية» يحتاج إلى مراجعة من خلال دارسة علمية محايدة، وبحث آثاره على الأبناء واللغة العربية، أو استمراره مع ضوابط جديدة. وأكد الكبيسي أن اللغة العربية هي الوعاء الفكري الذي يحفظ ويحافظ على الهوية العربية للمجتمع القطري، رافضاً تركيز الأسر على تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية دون لغتهم الأم.
ورفض إرجاع بعض المؤسسات ضعف خبرة موظفيها بالادعاء على الجامعة بأن مخرجاتها «ضعيفة»، مؤكداً أن الجامعة ليست مسؤولة عن تخريج «موظفين» بل مواطنين يخدمون وطنهم. وإلى نص الحوار:

 هل الجامعات في قطر مسؤولة وحدها عن تخريج كفاءات لسوق العمل؟
التعليم الجامعي يعد الطلبة في مختلف التخصصات التي تقدمها الكليات في الجامعة، وهو إعداد يهدف إلى تكوين مواطنين قادرين على خدمة وطنهم في مختلف المجالات وإذا التحقوا بالمهن المختلفة حسب تخصصهم فهم محتاجون أولا إلى خطط وبرامج تدريب تقدمها لهم الوزارات والمؤسسات التي يلتحقون بالعمل فيها قبل تسكينهم في الوظائف التنفيذية، وبهذا يكتسبون خبرة جديدة تؤهلهم لأداء مهام عملهم بنجاح، لأن المهن متطورة ومتغيرة بحسب التطور التكنولوجي المتسارع في العالم، فإذا قصرت الوزارات والمؤسسات في القيام بواجبها في هذا المجال فإنها تعرض خريج الجامعة الجديد للفشل، وتجني على الجامعة وخريجها بمقولة «ضعف المخرجات»، وهذه المقولة تزداد في كل آن وحين وكأن الجامعة مهمتها فقط تخريج موظفين، وهذا فهم خاطئ لأن الجامعة دورها أوسع وأبعد من ذلك كما ذكرت في بداية حديثي.

التعليم عن بُعد
 هل التعلم عن بُعد قادر على تعويض مكانة التعليم في الفصول في ظل كورونا؟
إن التعليم عن بُعد يعد ضرورة حياتية فرضتها جائحة كورونا التي يعاني منها العالم، أما الدراسة في المدارس في الظروف الطبيعية فلا جدال فيها، فهي البيئة الحيوية لنمو الطلبة في المجالات المعرفية والنفسية والاجتماعية والجسمية والثقافية، فأرجو من الله عز وجل أن يرزقنا لقاحاً نافعاً لتعود الحياة العامة من جديد إلى حالتها الطبيعية كما كانت من قبل.

 ما مقترحاتك لدعم جهود الدولة في الارتقاء بمكانة اللغة العربية في المجتمع والمدارس؟
اللغة العربية هي الوعاء الفكري الذي يحفظ ويحافظ على الهوية العربية، فإذا نظرنا إلى مجتمعاتنا في الخليج العربي نجد أن هناك عوامل وأسباباً كثيرة تؤثر على العناية باللغة العربية، منها ما يتعلق باتجاه كثير من الأسر بتشجيع أطفالهم على الاهتمام بتعلم اللغة الإنجليزية والاهتمام بها على حساب اللغة العربية، وهو اتجاه خاطئ لأنه يغرس في أذهان الأطفال منذ نعومة أظفارهم عزوفاً عن القراءة والكتابة باللغة العربية، كذلك ما تشهده من تعامل الأطفال في معظم الأسواق والمجمعات التجارية بلغة غير لغتهم العربية، مما يخلق لدى معظمهم مفاهيم مشوهة عن مكانة لغتهم الأم.
وقد حدثت في مجتمعنا بعض المحاولات المقدرة التي تنمّ عن إحساس المسؤولين بمشكلة التفريط في العناية باللغة العربية وأثرها على الهوية الثقافية، وذلك من خلال عقد سلسلة من الندوات والمؤتمرات المخصصة للبحث عن حلول لهذه المشكلة، تمخضت عنها بعض القرارات الرسمية، منها قراران أحدهما يخص جامعة قطر والذي أكد على ضرورة التدريس باللغة العربية لمعظم المقررات الدراسية في الكليات النظرية، أما القرار الآخر فيشمل ثنائية اللغة في تدريس المواد العلمية في المدارس الحكومية، وهذان القراران قد أعادا الاعتبار لأهمية اللغة العربية على مستوى التعليم الجامعي والتعليم العام، ولكن المشكلة لم تنتهِ بعد، وأقصد بها الاستمرار في العمل بنظام القسائم التعليمية الذي وضعت أساسه مؤسسة «راند» في عام 2004، وعندما قررت الدولة الاستغناء عن مؤسسة «راند» ومستشاريها بإعادة مسؤولية التعليم العام لوزارة التعليم، كان قراراً صائباً وشجاعاً ويستحق التقدير.

المدارس الأجنبية و«العربية»
 ما رأيك في نظام القسائم التعليمية وأثر المدارس الأجنبية على اللغة العربية؟
التوجه نحو الاستمرار في تعظيم دور نظام القسائم التعليمية الذي زاد عدد الطلبة فيه وتنويع مدارسه الأجنبية والعربية ستكون له آثار سلبية على المدى الطويل، منها على سبيل المثال:
أولاً: فقدان الثقة في جودة نظام التعليم العام بالرغم من كل الجهود التي تبذلها الوزارة في هذا المضمار.
ثانياً: ظاهرة ثنائية التعليم العام التي أصبحت واقعاً في مجتمعنا اليوم، فهذا تعليم ترعاه وزارة التعليم والتعليم العالي وتتحكم في بناء فلسفته وأهدافه ومناهجه وتوجهاته التي تهدف إلى إنشاء جيل معتز بلغته العربية وثقافته الإسلامية وتاريخ وطنه وأمته العربية، وتعليم آخر تشرف عليه الوزارة من الناحية الرسمية لكن تتحكم في إدارته وفلسفته وأهدافه ومناهجه ولغته وطرق التدريس والتوجه فيه جهات أخرى، ومن أبرز خصائصه أنه يُعد الطلبة للتماهي في آخر المطاف مع روح ومفاهيم الثقافة الغربية وتقاليدها على حساب ثقافتهم العربية والإسلامية.
ثالثا: تنازع السيادة على ثقافة التعليم العام: إن واقع التعليم العام الحالي يحمل في أحشائه بزور مشكلة تنازع السيادة على إعداد النشء وتوجهاته التي تتناقض مع ما درجت عليه الدول في العالم التي تتحكم في كل مفاصل نظامها التعليمي العام بشكل مباشر دون السماح لأي جهة منازعتها أو مشاركتها في هذا الحق العام لأنه من حقوق سيادة الدول التي تنص عليها دساتيرها وقوانينها، لأن الأمر يتعلق بالأمن القومي الذي يكون التعليم أهم مقوماته.

 برأيك، ما الحل للآثار التي تراها سلبية جراء نظام القسائم؟
يجب تدارك الأمر قبل استفحال تلك المشلكة، وللخروج من هذه الورطة التي زرعتها مؤسسة «راند» أقترح التالي:
أولاً: أقترح على مجلس الوزراء إعادة النظر في نظام ثنائية التعليم العام من خلال دارسة علمية محايدة للتعرف على آثاره الثقافية على تربية النشء ومستقبله.
ثانياً: في حالة الرغبة الرسمية في الاستمرار بالعمل بنظام القسائم التعليمية، فليكن مقتصراً على المدارس الخاصة العربية التي تلتزم بشكل كامل بتدريس المناهج والمقرارات الدراسية المعمول بها في وزارة التعليم والتعليم العالي، وأن يكون التدريس فيها باللغة العربية مع الأخذ في الاعتبار العناية بتدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وأن يكون اختيار مثل هذه المدارس مبنياً على معايير الكفاءة من حيث سعة البناء المدرسي وحداثة التجهيزات التعليمية والمستوى النوعي للمدرسين والإدارة المدرسية. وبهذا، تصبح المدارس الخاصة منسجمة مع فلسفة التعليم العام وأهدافه، ورديفاً اقتصادياً يتحمل بعض تكاليف التعليم مع الوزارة.

مكانة بارزة للقضية الفلسطينية في المناهج

عن رؤيته لدور التعليم في دعم القضية الفلسطينية خاصة في الأجواء الحالية التي يعيشها عالمنا العربي، قال الدكتور الكبيسي إن للمعلم دوراً مهماً في إثارة الوعي بقضايا الوطن العربي من خلال تفاعله اليومي مع الطلبة وبخاصة معلمي مواد مقررات التاريخ والجغرافيا والعلوم الإسلامية واللغة العربية والتربية الوطنية، منوهاً بأن القضية الفلسطينية تحتل موقفاً بارزاً في معظم هذه المقررات، فإذا كانت مساحة الحرية السياسية التي يتمتع بها المعلم في المدرسة على درجة عالية، فإن نصيب التركيز على القضية الفلسطينية سيكون كبيراً ومؤثراً، أما إذا كان نطاق الحرية محدوداً فإن دور المعلم في هذه القضايا سيكون هامشياً.
وأضاف: عندما كنا في مقاعد الدراسة في الخمسينيات والستينيات، كانت المناهج في دولة قطر ضمن مناهج الوحدة الثقافية العربية التي أقرتها الجامعة العربية في سنة 1958، تلك المناهج كان لها تأثير في وعي الطلبة بالقضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم وحشية على أيدي دولة الكيان الصهيوني. ونحن اليوم نعيش محنة إقامة علاقات مع الكيان الصهيوني التي غزت بعض الدول والتي لم نكن نتصور حدوثها في يوم من الأيام حتى في أسوأ أحلام نومنا.
ويرى د. الكبيسي أن «الأمل إن شاء الله معقود على وعي شعب دول الخليج العربي في الصمود برفض كل أشكال ومبررات التعاون مع هذا الكيان الصهيوني الذي تجرّم كل اعتداءاته وجرائمه جميع الشرائع والقوانين الدولية والإنسانية، وعلى رأسها مبادئ الدين الإسلامي الحنيف».

_
_
  • العصر

    2:51 م
...