خودوركوفسكي.. من إمبراطور النفط لأشهر سجين بالعالم

alarab
اقتصاد 28 ديسمبر 2013 , 12:00ص
القاهرة - عبدالغني عبدالرازق
ميخائيل خودوركوفسكي اسم يعرفه معظم المواطنين في جميع دول العالم؛ حيث كان في عام 2004 أغنى رجل في روسيا وأدرج اسمه قائمة أثرياء العالم التي تصدرها مجلة فوربس الأميركية وكان يحتل المرتبة رقم 16، والمفارقة أنه كان متهماً في ذلك الوقت بالنصب والاحتيال وفي مايو 2005 حكم عليه بالسجن 9 سنوات، ومنذ عدة أيام أصدر الرئيس الروسي بوتن قراراً بالعفو عن خودوركوفسكي ليبدأ حياته من جديد. خودوركوفسكي كان قد أثار الكثير من الجدل في روسيا فالبعض كان يرى أنه مجرد ضحية عندما أعلن عن ترشحه للرئاسة والبعض الآخر كان يرى أنه مجرم سرق أموال الدولة ولذلك كان يجب محاكمته بل وإعدامه، ولكن في كل الأحوال فإن خودوركوفسكي سيظل واحدا من أبرز رجال الأعمال الذين يستحقون تسليط الضوء عليهم. أسرة ثرية ولد ميخائيل خودوركوفسكي في 26 يونيو عام 1963 في موسكو لأسرة ثرية جدا حيث كانت والدته تعمل مهندسة في مصنع (كاليبر) وكان والده تقنيا في نفس المؤسسة. عاشق الكيمياء تعلق خودوركوفسكي منذ طفولته بالكيمياء التحق عام 1981 بمعهد موسكو الكيمياء والتكنولوجيا، وتزوج عام 1985 وهو طالب في المعهد، وبعد عام واحد من زواجه تخرج في الهندسة الكيميائية في عام 1986 بتقدير امتياز. حياته المهنية اهتم خودوركوفسكي بعد إنهاء المعهد بالتسهيلات التي تمنحها (البيريسترويكا) في الاتحاد السوفيتي لرجال الأعمال النشطاء والبيريسترويكا هي برنامج للإصلاحات الاقتصادية أطلقه رئيس للاتحاد السوفيتي، ميخائيل جورباتشوف وتشير إلى إعادة بناء اقتصاد الاتحاد السوفيتي. وقد خطر ببال خودوركوفسكي سحب بعض المشاريع الابتكارية العلمية والتقنية من الأرشيف والتي لم تستفد منها الدولة لخمولها، وقرر تطبيق بعض التصاميم العلمية التقنية الجديدة. وفي نهاية عام 1986 افتتح مقهى عموميا، تحول فيما بعد إلى شركة تجارية تعمل استيراد وإعادة بيع أجهزة الكمبيوتر. إنشاء بنك خاص سعى خودوركوفسكي للحصول على رخصة مصرفية لإنشاء بنك (ميناتيب) والذي تم تسجيله كبنك معتمد عام 1990، وقد تطور هذا البنك بعد ذلك حيث استطاع خودوركوفسكي إقناع المستثمرين والمودعين بالتعامل مع ميناتيب، كما منحت الحكومة بنك ميناتيب الحق في إدارة الأموال المخصصة لضحايا حادث تشيرنوبيل النووي. وبهذا الشكل حصد مناتيب ثروات طائلة من جراء تسيير حسابات جل الشركات الاستثمارية الكبيرة في روسيا، والتي تسير في أغلبها من طرف الدولة. كما نجح في استعمال أموال نفس الشركات من أجل إعادة شراء حصصها وبأرخص الأثمان أثناء خصخصتها عام 1992، ولذلك فقد أثار هذا البنك الجدل بعد ذلك حيث أعلنت صحيفة (أزفيستيا) أن هذا البنك استولى عملياً على أموال مودعيه من دون حساب أو عقاب، وكان سبيلاً إلى المزيد من الثراء من خلال تمويله لتجارة العقارات والأراضي والمصانع. صفقات ضخمة يعد عام 1992 حدث تحول خطير في مسار بنك ميناتيب حين اتخذ مجلس المديرين في المصرف قرارا بالانتقال من البزنس المصرفي البحت إلى استحداث مجموعة صناعية والمساهمة في الأنشطة الاقتصادية. وشارك المصرف في العطاءات الاستثمارية حيث اقتنى رزم الأسهم لمؤسسات صناعية كبرى مثل شركة (أباتيت) وشركة الأسمدة الكيميائية وشركة (أورال إلكتروميد) وشركتي النحاس في منطقة الأورال ومدينة كيروفوجراد ومصنع الأخشاب في مدينة أوستيليم وشركة (أفيسما). ثراء فاحش في مارس 1993 تولى خودوركوفسكي منصب نائب وزير الوقود والطاقة. وفي هذه الأثناء استطاع هو ورفاقه تحقيق عمليه ثراء فظيعة حيث استصدروا من نائب وزير المالية تصريحاً يقول فيه «إن روسيا لا تجد ما تسدد به قيمة الأوراق المالية الخاصة بالدين الخارجي»، ما كان سبباً في تعجل أصحاب هذه السندات إلى سرعة التخلص منها، الأمر الذي استغله بنك (ميناتيب) الذي عاد وطرح السندات للبيع محققاً أكبر قدر من المكاسب المالية. وقام البنك أيضاً من خلال ما توافر لديه من أرصدة مالية بشراء الكثير من المؤسسات الصناعية تحت ستار المشاركة في برامج تحديثها. صانع القرار بعد ذلك اتسع نفوذ خودوركوفسكي بشكل مخيف لدرجه أنه أصبح يقدم قروضاً للحكومة مقابل حصوله على أسهم أهم شركات النفط والغاز والمعادن ضماناً لما يقدمه من قروض مالية إلى الحكومة. صفقة العمر قررت الحكومة الروسية عام 1995 طرح رزمة كبيرة لشركة النفط الحكومية (يوكوس) في المزاد، وتم تبرير هذا القرار بأزمة كانت صناعة النفط تعاني منها آنذاك وافتقار موازنة الدولة إلى الأموال، وعرضت الدولة على كل الشركات المالية الكبرى المشاركة في المزاد، لكن لم يهتم أحد بشركة (يوكوس) سوى مصرف ميناتيب الذي حصل على نسبة %78 من أسهم الشركة مقابل تقديم رهن قدره 350 مليون دولار. إمبراطور النفط عمل خودوركوفسكي منذ ذلك الحين على تطوير شركة (يوكوس) والتي تحولت من شركة خاسرة إلى إحدى الشركات الرائدة في قطاع الطاقة العالمي برأسمال قدره 40 مليار دولار. اعتزال البزنس والترشح للرئاسة تغير مجرى الأحداث بعد ذلك حين أعلن خودوركوفسكي عام 2003 أنه سينسحب من عالم الأعمال والصفقات ويترشح للرئاسة، وقتها أعلنت جريدة (شبيجل) الألمانية، أن زعيم البترول صار أقوى حتى من رئيس الجمهورية، وأنه يخطط للإحلال محله، وأنه مستعد لبيع نصف قيمة شركة (يوكوس) إلى شركة (إيكسون موبيل) الأميركية، وأنه ينوي بناء شبكة خطوط أنابيب نفط تضمن له المزيد من الاستقلالية. الاعتقال دخل خودوركوفسكي في صراع مع الحكومة عقب إعلان نيته الترشح للرئاسة حيث أدركت الحكومة تزايد نفوذه إلى درجة لم يكن يتوقعها أحد، وهو الأمر الذي دفع الحكومة الروسية إلى فتح ملفه ومصدر ثروته فتم اعتقال نائبه بلاتون ليبيديف. وفي أكتوبر 2003 تم اعتقال خودوركوفسكي حيث اقتحمت قوات الشرطة طائرته الخاصة في مطار في سيبيريا، ووجهت له جهات التحقيق الروسية تهم النصب والتزوير والتهرب من دفع الضرائب إضافة إلى استغلال منصبه في تحقيق أرباح شخصية ما أضر بالمال العام. إفلاس شركه يوكوس أدى خبر اعتقال خودوركوفسكي إلى تأثير كبير على سعر سهم شركة يوكوس، ونتيجة لذلك تم إغلاق سوق الأسهم موسكو للمرة الأولى على الإطلاق لمدة ساعة من أجل ضمان استقرار تداول الأسعار ولكن لم يحدث أي استقرار، كما شكك بعض المستثمرين الأجانب في استقرار السوق الروسية، ونتيجة لذلك بدأت يوكوس في الانهيار، فانتقل سيمون كوكس وهو أحد خبراء النفط ليحل محل خودوركوفسكي في محاوله لإنقاذ الشركة، وبعد أسبوع من الاعتقال جمد المدعي العام أسهم خودوركوفسكي في يوكوس لمنع خودوركوفسكي من بيع أسهمه. وبعد وقت قصير جمدت الحكومة أسهم يوكوس بالكامل، كما اتخذت الدولة إجراءات أخرى ضد الشركة مما أدى إلى انهيار سعر سهم الشركة وتبخر جزء كبير من ثروة خودوركوفسكي. وهو ما أسفر في النهاية عن انتقال أصول شركة يوكوس إلى ملكية شركة (روس نفط) الحكومية، أما يوكوس ذاتها فتم إفلاسها. السجن ذكرت هيئة التحقيق أن خودوركوفسكي أعطى تعليمات لرئيس مجلس المديرين في (ميناتيب) بلاتون ليبيديف على أن يختلس %20 من أسهم شركة (أباتيت) مما تسبب في تكبد الدولة لخسائر قدرها 283 مليون دولار، وأكد التحقيق أيضاً أن خودوركوفسكي وليبيديف تعاونا في استحداث آلية لتجنب دفع الضرائب في شركة «يوكوس». أصدرت محكمة منطقة (ميشانسكي) يوم 31 مايو 2005 حكماً بالسجن 9 سنوات بحق كل من ميخائيل خودوركوفسكي وبلاتون ليبيديف. وتمت إدانتهما بموجب 6 مواد من قانون العقوبات الجنائية لروسيا الاتحادية بما فيها الاحتيال واختلاس أموال الدولة واختلاس المواد الخام الثمينة كالألومونيوم ورفض تنفيذ قرارات هيئات التحكيم الاقتصادي وتجنب دفع ضرائب الشخصيات الفيزيقية والمعنوية. وقامت محكمة الاستئناف في مدينة موسكو يوم 22 سبتمبر 2005 بإصدار حكم يقضي بتخفيض مدة الحبس حتى 8 أعوام. العفو والبدء من جديد منذ عدة أيام أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتن عفواً عن خودوركوفسكي ليبدأ حياته من جديد حيث ذهب للعيش مع زوجته وأبنائه في برلين بألمانيا.