«كنا هناك.. صراع مضى وإرث بقي» لإبراهيم المليفي

alarab
ثقافة وفنون 28 نوفمبر 2015 , 12:19ص
الدوحة - العرب
يحاول إبراهيم المليفي، في مؤلفه «كنا هناك.. صراع مضى وإرث بقي، من خلال ست رحلات تجتمع كلها بحثا عن هدف رئيس هو تلمس بقايا الوجود الإسلامي في المناطق الأوروبية روحا أو حرفا، مئذنة أو نخيلا، نشرت على مدى ست سنوات في مجلة العربي الثقافية بين عامي 2005م إلى 2011م، ووقع الاختيار جغرافيا على الجزر الهامة في البحر الأبيض المتوسط ودول استوطنها المسلمون لفترات زمنية متفاوتة ثم تركوها أو طردوا منها، ما عدا بلد وحيد ما زال يشكل المسلمون غالبية سكانه وهو البوسنة والهرسك.

يسرد المؤلف رحلته الطويلة وليس في ذهنه غير متعة المعرفة ولذة الاستكشاف وهاجس الرسم الدقيق لما يراه على الورق، ولكن جغرافيا المكان فرضت رؤاها واستنهضت في دواخله مئات الأسئلة والصور المتخيلة لما قد مضى من أحداث، فخرج برؤية جديدة، كان يود أن يقتصر اكتشافه على جزر البحر المتوسط، ولكن الخطة بدأت بالتمدد عندما تغيرت.

يقول المؤلِّف عن ذلك: « دعيت إلى بلاد البوسنة والهرسك لحضور الذكرى العاشرة للمذبحة التي ارتكبها الصرب ضد المسلمين من سكان بلدة «سربينتشا»، ثم واصلت استكمال رحلتي في جزر البحر المتوسط، زرت أولا قبرص، الجزيرة التي انقسمت أرضها وانشقت هويتها، ثم صقلية التي مثلت حلقة من التواصل الحضاري شبيهة بالأندلس، وأخيرا جزيرة مالطا .. ثم وسعت القوس الذي أدور فيه ليشمل شبه الجزيرة الأيبيرية.. مستحضرا أطول تجربة في الصراع والتقارب بين أوروبا والعرب والمسلمين، وانتهت بمجموعة من المفاتيح يمتلكها بقايا الأندلسيين الذين هاجروا إلى المغرب، وهم يزيلون عنها الصدأ كل عام ويحلمون بالعودة المستحيلة لحلم الأندلس القديم».

كانت أوروبا القريبة البعيدة هي مهد الحملات الصليبية وفرسان الهيكل، والغزوات الاستعمارية الحديثة، قربنا منها جعل الصراع مستمرا، واختلافنا معها في الدين والثقافة جعلنا معها في حالة احتكاك شبه دائم، ورغم هذا العداء فقد ترك المسلمون بصماتهم على تلك القارة العجوز والعكس صحيح.

في أوروبا دول كاملة في قلبها يشكل المسلمون غالبيتها مثل البوسنة وتركيا وألبانيا، كما توجد فيها أقليات متناثرة من سكانها الأصليين وهجرات لا تتوقف، لأن ترى أوروبا الإسلام كما لم تره من قبل، بعيدا عن خرافات القرون الوسطى، واتهامات الهرطقة والتكفير الصادرة عن محاكم التفتيش، ولكن هل توصلت إلى نظرة منصفة وحكم موضوعي لعالمنا الإسلامي؟ حتى الآن.. لا أعتقد!!

هذا الكتاب هو واحد من سلسلة أدب الرحلات (سفرنامة) التي أبدع فيها الرحالة العرب الذين يعتبرون من أهم من أسهم بتأسيس هذا النوع الأدبي من الكتابة، فقد فتحت رحلات الحج الطريق أمامهم لاكتشاف العالم، واستقى الرحالة معلوماتهم عن البلاد المختلفة من خلال المشاهد الحية والتفاعل مع سكانها، وولّد هذا شغفا كبيرا باكتشاف العالم، وقد ترك لنا هؤلاء الرحالة العظام تراثا في العديد من المخطوطات الثمينة. ويعرب الكاتب عن شرفه بأن يكون واحدا من أحفاد هؤلاء الرحالة في زمن المواصلات السريعة، يحمل في أعماقه نفس شغفهم، ويقضي ساعات طويلة في الجو لمجرد أن يرى مكانا جديدا لم يره من قبل، ولكنه لا يكتفي بتلك الرؤيا السطحية، فلكل مكان تاريخه الخاص وقضيته المشتعلة تحت رماد الزمن ولا يكتمل الفهم له إلا بدراسة تاريخه.

يشار أن الكتاب ليس فقط رحلة في المكان كما يبدو، ولكنه استجلاء لروح الزمن، لتفاعل التضاريس مع سعي الإنسان، وهذا السعي هو الذي يصنع التاريخ.