اختصاصيون يحذرون من «التنمر الإلكتروني» و«طغيان» النت على حياة الأطفال
تحقيقات
28 نوفمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - أيمن يوسف
كشفت إحصائية حديثة لجهاز الإحصاء أن نسبة الأطفال الذين يستخدمون الحاسب الآلي قد بلغت حوالي (%68.6)، وأن نسبة الأطفال الذين يستخدمون شبكة الإنترنت حوالي (%61.4) من مجموعهم. وأصدر الجهاز بيانا صحافيا بمناسبة اليوم العالمي للطفل والذي يمر في مرحلة تشهد فيها دولة قطر نقلة كبيرة في الاهتمام بالطفل من خلال الالتزام بجميع المواثيق والمعاهدات المتعلقة بالطفولة عبر إنجاز العديد من الأمور المتعلقة بحقوق الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما. وبلغ عدد الأطفال في قطر (أقل من 15 سنة) وفقا لآخر تعداد حوالي (232584) طفلا مقسمين إلى 3 فئات، وبلغت الفئة العمرية التي تشكل غالبية مستخدمي الإنترنت من الأطفال ما بين 10 إلى 14 سنة (64991) طفلا.
خطت دولة قطر خطوات كبيرة نحو العناية الكاملة بأطفالها، وصادقت عام 1995 على اتفاقية حقوق الطفل، وفي عام 2000 على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 المعنية بالقضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال، كما أنشأت المجلس الأعلى لشؤون الأسرة عام 1998، وفي عام 2003 أنشأت المؤسسة القطرية لحماية الطفل والمرأة، والمركز الثقافي للطفولة، والمؤسسة القطرية لرعاية الأيتام، بهدف تحقيق حياة أفضل للأطفال. وما زالت مؤسساتها المعنية تتابع أبرز التحديات المتعلقة بتمهيد الطريق لخلق بيئة نظيفة ومتكاملة للنشء القطري بما ينعكس على شخصيته في سني عمره اللاحق.
وتبرز وسائل الاتصال كأحد هذه المشارب لتكون الشخصية بعد الأهل، ويعد الإنترنت شبكة المعلومات الأكثر حيوية في تكوين معارفه عن نفسه وعن محيطه خصوصا في مراحل الطفولة المتأخرة «المراهقة».
التدريب على الاستخدام
د.بتول خليفة الأستاذ المشارك بقسم العلوم النفسية بجامعة قطر في اتصال «العرب» بها على الهاتف ترى أن للإنترنت الكثير من الإيجابيات على صعيد علمي بحثي وعلى صعيد التواصل الاجتماعي. وبالنسبة لكل الأعمار فلا يمكن اليوم تخيل حياة الأفراد بدون هذا الوسيط المعلوماتي. ولكن ما يحدد الإفادة الحقيقية منه هي طريقة الاستخدام، ففي كثير من محاضرات علم النفس الاجتماعي تناولت شخصيا الكيفية التي يتناول بها فئة المراهقين للإنترنت، حيث لا توافق على فكرة حرمان هذه الفئة من حق استخدام الشبكة العنكبوتية، أو عمل ما يسمى بـ «السيطرة» على الطفل خلال استخدامها. ففي هذا العالم المتحول باستمرار والمنفتح على كل شيء لا تستطيع أن تحدد لا وقتا ولا موضوعا بعينه يتمكن المراهق من الإفادة عبره من الإنترنت، بل يتم ذلك بالتدريب على الاستخدام السليم، فهناك نظرية في علم النفس تتحدث عن الضبط والسيطرة، فكلما شعر الفرد بأن السيطرة يجب أن تكون من شخص آخر على سلوكه يبدأ بتوجيه نفسه نحو أمر لم يعتد عليه هو نفسه وبالاتجاه المضاد لطبيعته الشخصية لذلك فالتدريب يبدأ من المدرسة بكيفية الوصول إلى الموضوعات التي تتوافق مع اهتمامات كل طفل في المدرسة، وبتحديد مسبق منه فقط.
«الإنترنت» واقع افتراضي بحاجة إلى موازنة
وتعرض د.بتول لأحد أشكال الإفادة الإيجابية من الإنترنت بالقول: «هناك برامج التعلم الافتراضي عبر الإنترنت بما يحويه من دروس كاملة لمحاضرات وغيرها. ورغم ذلك لا يفوتنا التي تبني القدرات البدنية والذهنية على حد سواء، كما تطور التواصل الاجتماعي». وتحذر د.بتول من الاندماج بصورة كاملة في عالم الإنترنت بما يعزل الطفل ويجعله تحت سيطرة آخرين مما يعرضه للاستغلال نتيجة ضعف التجربة، عبر مختصين في هذا الأمر. كما تلفت إلى دور المدرسة عبر دمج الطفل في الأنشطة الرياضية والإذاعية والمسرحية ومسابقة حفظ القرآن الكريم وكافة الأنشطة.
ولا يختلف مدى التأثر بالتعرض لمواد الإنترنت بين الذكور والإناث من الفئة العمرية المتأخرة للأطفال برأيها، فسمات الشخصية سواء ذكر أو أنثى هي الفيصل في ذلك، فهناك من تسمح سماته بجعل نفسه عرضة لسيطرة الآخرين وإساءاتهم، وهناك من لا تسمح له شخصيته بذلك. فالإنترنت مليء بالغث والسمين ويعتبر جهد شركة الإنترنت الرئيسية في قطر «كيوتل» رئيسيا في تجنيب المستخدمين ما سمته د.بتول بالشوائب.
الحماية من «التنمر الإلكتروني»
د.بتول أشارت إلى الجهد المستمر للمؤسسات في مكافحة مضار الإنترنت على الفئات العمرية الصغيرة باعتبارها عضوا في «لجنة الأسرة للسلامة على الإنترنت» التي ترأسها السيدة منى الكواري. وتقول إن الجهود منصبة من مثل هذه المؤسسات على كيفية استثمار الإنترنت لصالح تنمية القدرات العقلية للأطفال.
لكن هناك حقيقية -والكلام للدكتورة بتول- «تثير القلق من استخدام المراهقين للإنترنت كمنفذ اجتماعي نفسي أكثر منه كوسيط اجتمعي معلوماتي، وهو ظاهرة التنمر أو التعدي الإلكتروني. وتبدأ هذه الظاهرة مع الفئات الأصغر من المرهقين بين 12 و15 عاما، ففي إحدى الحالات التي وقفت على متابعتها شخصيا جاء طفل يشتكي إلى والدته من طفل آخر في صفه الدراسي يهدده من خلال «الفيس بوك» وأن المضايقات انتقلت إلى المدرسة وباستخدام السب والشتم بحق الطفل وأهله عبر الإنترنت، فنصحت الوالدة بطباعة هذه الصفحات المتضمنة لتهديدات لابنها في حال ألغى الطفل الآخر حسابه على «الفيس بوك»، وفي مواجهة مديرة المدرسة لم تقم بأي تصرف منكرة ما حصل باعتبار الأطفال صغار (أول إعدادي)، وعند رؤيتها للورق أحضرت الطفل الذي أقر بأنه شتم وتعدى على الطفل الآخر الذي كان للحادثة أثر نفسي ضار عليه مع اضطراره لرؤية سيل الشتائم الموجه إليه والى أسرته عبر الموقع».
ومنذ تلك اللحظة تعتبر د.بتول نفسها مهتما وباحثا في «التنمر الإلكتروني»، فهو كظاهرة يبدأ مع التنشئة الاجتماعية برأيها، فسلوك الأبناء يتم عبر التدريب، فإما أن يكون الطفل اجتماعيا له قدرة على التفاعل مع الآخرين، أو أن يكون عنيفا وذا ردة فعل عصبية قد لا تظهر بشكل مباشر وجسدي بل عبر الإنترنت. فيبعث عددا من الإيميلات التي تحوي تهديدا ووعيدا لما يعتبره كطفل سلامة شخصية له بعيدا عن المواجهة.
طباع الأطفال يفسدها الإنترنت
وفي سياق الحديث عن المعالجة الاجتماعية للسلوكيات السلبية التي تنجم عن استخدام الأطفال للإنترنت، تقول د.بتول خليفة إن دمج الأطفال من أعمار متقاربة في أنشطة اجتماعية تجعلهم أكثر عقلانية في إقامة الصلات الاجتماعية، فبدلا من استعداء الطفل أو المراهق للآخر تجعلهم يرون بأم أعينهم نقاط الالتقاء بينهم وبين أقرانهم في النشاط الاجتماعي المشترك، ربما عبر غرس شجرة أو رسم لوحة حائط وهو بعلم التربية تقنين وتوجيه للسلوك الجسدي نحو نشاط مشترك ومفيد، كما تربأ د.بتول بكل المشرفين في المدارس أو الأهل بالمنزل توجيه الأطفال إلى تحديد فترة من التواصل الافتراضي على الإنترنت لمدة لا تزيد عن ساعتين في اليوم الواحد تجنبا لتعرض الطفل لعزلة، حيث نرى الكثير من المراهقين قد أحاطوا أنفسهم بوسائل اتصال اجتماعي مزيف، فيحمل لاب توب ومحمول «بلاك بيري» إضافة إلى «آي باد».
تشكيل شخصية بعيدة عن المنابت الصحيحة
وترى النقيب بنا الخليفي التي التقت بها «العرب» في ختام ندوة عن العنف الأسري أقيمت في اليوم العالمي لمناهضة العنف برعاية المؤسسة القطرية لحماية الطفل والمرأة أن إدمان الإنترنت هو أحد مفرزات المشكلة الأساسية للتفكك الأسري وغياب الأهل عن أبنائهم، بحيث تنشأ السلوكيات الخاصة بالأطفال وتتكون ثقافتهم بعيدا عن منابت التربية الصحيحة، وتحل وسائل الاتصال المختلفة كبديل للمصادر الاعتيادية للسلوك، فيكتسب الطفل سلوكه من الآخرين سواء كانوا الخدم في المنزل أو الألعاب الإلكترونية أو الإنترنت أو الأقران في الخارج، فعملية إثبات الذات في أسرة متفككة ومتناحرة تجعله ينمو نفسيا قاسيا بصورة غير سوية، ويتجه بالعنف نحو أقرانه، ليس لكره يحمله تجاههم، ولكن يحب أن يمارس عمليا ما يراه في الأسرة، أو ما يراه عبر برامج التلفزيون التي تحوي كما مبالغا فيه من العنف، أو عبر الإنترنت الذي بات أحد الوسائل المفضلة لدى الأطفال في مراحلهم المتأخرة لتحقيق الشخصية ومعرفة الذات والمحيط، فتراه يمارس العنف تجاه من حوله في البيئة التي يقضي بها ثاني أطول وقت في اليوم بعد البيت وهو الصف المدرسي، ولا يشعر بأي تردد حيال ذلك؛ لأنه لا يملك الوازع النفسي أو الرادع الأخلاقي الذي يمنعه والمفروض أن يملكه عبر الرقابة والتوجيه من الأهل أولا وعبر توجيه المشرف النفسي في المدرسة ثانيا. والمشكلة تتشعب لناحية تأثر الأطفال من سن متأخر بما تعرضه وسائط الاتصال المختلفة سواء إنترنت أو تلفزيون، وتسجل النقيب الخليفي أن مرحلة المراهقة والبلوغ يكون الذكور هم الأكثر عنفا تجاه الأقران من الإناث اللواتي يكسبهن العنف منحى نفسيا أكثر منه فيزيولوجي. كما أن الإنترنت قد يكتسب لديهن مكانة خاصة في حالة من الانعزال الاجتماعي.
بذور العنف تنشأ في السنين الأولى
تؤكد بنا الخليفي أن الأساس في علاج أي مشكلة يعانيها الآباء مع أطفالهم يكمن في زرع الثوابت والقيم في شخصية الطفل منذ نعومة الأظفار، عبر تفتيح معارفه على محيطه، وتعليمه استخدام العبارات المهذبة واللطيفة في شكر الأشخاص أو في طلب أي شيء منهم. وتلفت الخليفي إلى كلمة أحد المشاركين في الندوة التي قال فيها إن خمس السنوات الأولى هي المنبت الأهم لشخصية الطفل، فتشكيل شخصية الطفل تتم خلال خمس السنوات الأولى من حياته، وبالإمكان معالجة ما هو غير سوي كالعنف والانطواء وغيرها من المشاكل التي تظهر على الأطفال بعد هذه المرحلة، لكن بعض أولياء الأمور يهملون ذلك دون أن يقوموا بالتصرف المناسب باستشارة إخصائيين، ويعتبرون هذه التصرفات حركات طبيعية و «شقاوة زائدة»، موضحة أن سلوكيات بعينها مثل العنف تنشأ في السنين الأولى، كما تشير بعض الدراسات إلى أن العنف كسلوك يورث، ودراسات تشير إلى الدور الأساسي للاكتساب، وتدخل العوامل الجديدة من إنترنت وأفلام مليئة بمشاهد العنف وليس الطفل من ضحاياها المباشرين، فقد يحمل أحد قاطني المنزل هذه البذور إلى الطفل مثل الخادمة التي تعنفه على سبيل المثال.
أبرز أشكال استغلال الأطفال عبر الإنترنت
ومن أحد المحاور المهمة التي أشارت إليها إحدى المتحدثات في الندوة هو ظاهرة استغلال الأطفال عبر الإنترنت، مشيرة إلى النسب العالية للاستخدام من قبل الأطفال لهذه الوسيلة المتشعبة المهام، فهي وسيلة تواصل وتعريف واكتساب. وفي الجانب الآخر هي شبكة معلوماتية تقدم ما هو حيوي وهام حتى ما هو مستخدم لأداء فروض الطلاب المدرسية، ولكن في جانب قاتم منها هي وسيلة استغلال للأطفال.
النقيب بنا الخليفي أكدت على أهمية هذا المحور وإعطائه حقه من التثبت والإحاطة بما يفيد بإقرار تشريعات خاصة بتجريم هذا النوع من الاستغلال، وتميز النقيب الخليفي بين ثلاثة أنواع من الاستغلال وهي الاستغلال الجنسي، والمادي، والفكري «العقائدي»، حيث تتاح أجهزة الكمبيوتر أمام الأطفال وفي أي مكان، وإن أحد أبرز أشكال الاستغلال تجاه الأطفال من عمر 8 إلى 15 عام هي الاستغلال المادي. ومثاله لعبة يشتركون فيها على فيس بوك هي لعبة «المطبخ» يقوم فيه الطفل المشترك بدفع مبالغ على مراحل متكررة للفوز باللعبة، إضافة إلى هذا النوع من الاستغلال هناك استغلال جنسي لا يمكن لأحد إنكاره ويتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الألعاب الإلكترونية ومخاطر تقمص الشخوص
وتنحي النقيب الخليفي باللائمة على بعض شركات إنتاج ألعاب الفيديو والكمبيوتر التي تستغل انفتاح كل أفراد الأسرة على أجهزة وبرامج الكمبيوتر، فتقوم بإدراج ألعاب كتلك التي تتضمن عنفا مدنيا في الشوارع ضد الأشخاص الآخرين، إضافة إلى مقاومة الشرطة ومحاولة التهرب من التوقف بالسيارة في محاولة لإثبات الشخصية والهروب من المسؤولية. كما تبدي الخليفي استغرابها من استمرار تداول هذه الألعاب والأخرى التي على شاكلتها، التي تسهم فيما يبدو بعكس المنظومة الاجتماعية السليمة المقررة لضرورة تغلب الشرطة على المجرمين الذين يشكلون خطرا على حياة الآمنين، وليس ما تصوره هذه الألعاب من ضرورة التغلب على الشرطة والتهرب منها وصولا إلى النقطة التي تقول لك برمجة اللعبة فيها بأنك حققت الفوز.
إرشاد الأهل أجدى من الرقابة
ويبرز دور الأهل في تحقيق التوازن في شخصية الفرد منذ الطفولة -برأي الخليفي- بفهم شخصيته ومستوى الاتصال الذي هو بحاجة إليه، فتوجيه الأسرة لا يتم عبر المنع والحجب والقصر خصوصا للأطفال في سن المراهقة بين 13 و17، بل بالقدرة على فهم مسببات السلوك «غير الطيب» في هذا السن والقدرة على التخفيف منه عبر المبدأ التشاركي بين البيت والمدرسة. كما تلفت النقيب بنا الخليفي إلى جهود المؤسسات المجتمعية بهذا الإطار، فاستخدام الإنترنت لغايات التسلية والترفيه ربما يكون حالة تدرس في تكوين الاتجاهات لدى شخصية الطفل. كما أن استخدامه الخاطئ بما يعرضه للاستغلال الجنسي على سبيل المثال يصبح حالة أجدى للدراسة.
الأهل لا يتابعون
وتقر الخليفي بالصعوبات التي يواجهها بعض الأهل بالتعرف على نشاطات أطفالهم على الإنترنت لناحية التطور المعرفي الذي ينعم به الجيل الحالي مقارنة بجيل الآباء والأمهات، فهناك بعض المواقع الإلكترونية التي يخصصها مجموعة من المراهقين لأنفسهم دون السماح لأحد بالاطلاع عليها أو اختراقها. وتأمل النقيب بنا الخليفي أن تكون لنتائج «مؤتمر حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت» الذي سيعقد في بداية العام القادم الدور الأبرز في تجريم انتهاكات مستخدمي الإنترنت من الراشدين بحق مستخدميه من الأطفال.