الإثنين 19 ربيع الأول / 25 أكتوبر 2021
 / 
09:00 م بتوقيت الدوحة

د. يحيى الأغا لـ «العرب»: القطري وطني بالفطرة.. نشأ على حب القدس والقضايا الإنسانية

حامد سليمان

الثلاثاء 28 سبتمبر 2021

قال الدكتور يحيى زكريا الأغا، سفير الشؤون الثقافية والتعليمية في السفارة الفلسطينية، ونائب رئيس مجلس إدارة المدارس الفلسطينية، إن اسم «الكوفية» له نصيب من المدينة التي تُنسب إليها، وهي مدينة «الكوفة» العراقية، وأوضح أن الكوفية العراقية تختلف عن الفلسطينية من حيث ألوانها «حيث يطغى اللون الأسود على الكوفية العراقية، بينما يطغى اللون الأبيض على الكوفية الفلسطينية. ويُمكن القول إن الكوفية وصلت إلى فلسطين زمن الانتداب البريطاني، حيث كانت البلاد مفتوحة على بعضها دون حواجز أو حدود».
وأضاف الأغا، في تصريحات لـ «العرب»، على هامش مشاركته في فعاليات الأسبوع الثقافي الفلسطيني الذي نظمته مكتبة قطر الوطنية في المدينة التعليمية مؤخراً: أن سبب ارتداء الكوفية الفلسطينية من المواطنين والمقيمين في قطر، أو بعض ما يشابه الكوفية مثل اللفحة، أو الكمامة، يرجع إلى كون الكوفية عنوان الانتماء أو الولاء، أو كلاهما معاً، فكثير من أبناء الجالية الفلسطينية يضعون الكوفية الفلسطينية على رؤوسهم، أو يتلفحون بها في الأيام العادية، وهذا ليس بغريب أن ترى شخصاً ما يسير في الشارع وهو متعمم بها، وهي رسالة ناعمة لنفسه عندما يضعها على رأسه أو كتفيه، بأنني مهما امتد بي الفراق عن الأرض والوطن، سأبقى فلسطينياً، ومنتمياً لهذه الأرض العزيزة.
وأشار إلى أن في المناسبات المختلفة حديثاً نجد كثير من مصانع الموضة، بدأت تصنّع من الكوفية كمامة توضع على الوجه، وقد وجدت استحساناً بين فئات الصبايا بشكل ملف للنظر، عاكساً هذا بطريقة أو أخرى أنهم فلسطينيون.

وطني أينما حلّ
وعن قيام بعض القطريين بتزيين حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي بإطار الكوفية خاصة في وقت الأزمات التي تمر بها القضية الفلسطينية، تابع: القطري وطني بالفطرة، وطني بحب بلاده أينما حلّ، ومتضامن مع القضايا العادلة أيضا بالفطرة، فلا تجد قطرياً من الممكن أن ينال من فلسطيني، أو حتى جنسية أخرى، وبالتالي نشأ القطري منذ بداياته المدرسية على حب فلسطين، وحب القدس، والتضامن مع القضايا الإنسانية، سواء الدولية أو حتى الفردية، فما بالكم بالقضية الفلسطينية التي تمثل له مركز الكرامة الإنسانية لشخصه في مواجهة الظالم، وبالتالي لا نستغرب أبداً أن تجد وفي المناسبات المختلفة قطرياً يتلفح بالكوفية، أو يزين حساباته برمزية خيوط الكوفية، أو يجعل إطاراً من الكوفية للصحف المحلية.
وتابع السفير الأغا: «يُمكن تعريف الكوفية الفلسطينية على أنها وشاح أبيض وأسود يوضع عادة حول الرقبة، أو مع العقال على الرأس. أو حسب الموقف، والمناسبة، وتتخذ شكلاً مربعًا (120سم x 120سم) ويزين محيطها شراشيب، وتُصنع من الحرير أو القطن أو الصوف، ويوجد المصنع الوحيد لإنتاج الكوفية الفلسطينية في مدينة خليل الرحمن في فلسطين، وهو مصنع الحرباوي للغزل والنسيج».
أمـا من حيث الرموز المطرزة على الكوفية، يقول الدكتور الأغا أن: «هناك من يقول أن تطريز الكوفية بشكلها يرمز إلى شبكة الصيد التي ترمز إلى التلاحم بين الأفراد، في حين ترمز الخطوط الأخرى الموجودة على جانبيها إلى ورقة الزيتون، التي تعد رمز الأصالة الفلسطينية، فشجرة الزيتون بالنسبة للفلسطينيين هي الحياة أو الموت، فهي ثروة الفلسطينيين، ورُبما يكون هذا التفسير صحيحًا».
«اعتَمِر كوفيتك واتبعني»
وقد أخذت الكوفية الفلسطينية الشكل النضالي والثوري في فلسطين، فأصبحت جزءاً من مكوّن الحياة فيها، وتحديداً منذ الثورة العربية الكبرى في فلسطين عام 1936. وفي هذا الصدد يقول الدكتور الأغا: «ارتبطت الكوفية الفلسطينية بالتاريخ النضالي الفلسطيني، لأسباب لها علاقة بالثورة، لتخفيف الضغط على الفدائيين من الاعتقال، ولحماية الثورة، بعد أن قام أحد الفدائيين بعملية عسكرية، قَتل وجرح عدداً من الجنود البريطانيين، وهرب أحدهم إلى قاعدته، وأخبر قائد القاعدة بأن مَن قام بالعملية هو رجل ملثم، فبدأ البحث عنه في كل مكان، فما كان من قيادة الفدائيين إلا أن أصدرت بياناً للجميع بالتخلي عن الطربوش الذي كان يُلبس على الرأس حمايةً من أشعة الشمس، واعتمار الكوفية حتى لا يتعرف الجنود على منفذ العملية».
كما يُشير الدكتور الأغا، إلى أن أهميّة الكوفية تضاعفت عام 1974 عندما اعتمرها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ووقف أمام العالم في الأمم المتحدة، وخاطب الجميع باعتزاز، فأصبحت منذ ذلك التاريخ أكثر انتشاراً بين فئات المناضلين في كل مكان، بل وأصبحت جزءاً من الذاكرة البصرية المرتبطة بنضال الشعب الفلسطيني، وكرمز للكفاح الفلسطيني».
ويوضح: «لقد أصبحت الكوفية بعد ذلك رمزًا وطنيًا فلسطينيًا هامًا في التصدي للمحتل، ولاحقاً للتعبير عن التحدي، ورفضًا للظلم والقهر والاضطهاد، وأخذت طريقها في الانتشار في جميع المناطق الفلسطينية، ويعتمرها الفلسطينيون في كل المناسبات، الاجتماعية والسياسية وفي الحقول الزراعية والأرياف. كما اكتسبت شعبية بين الناشطين المتضامنين مع الفلسطينيين بين الأفراد والساسة وخاصة في المحافل الدولية، وبذلك تحوّلت الكوفية من كونها غطاء للرأس إلى رمز للنضال والكفاح، بل وأصبحت جزءًا من التراث الفلسطيني يتساوى مع الإبرة الفلسطينية في خياطة الثوب الفلسطيني».
بين الوطنية و»الموضة»
نظرًا للقيمة الوطنية التي تحملها الكوفية الفلسطينية، كانت هناك الكثير من أشكال الاستغلال الثقافي ومحاولات طمس الرمزية الوطنية المرتبطة بها، وعلّق الدكتور الأغا على ذلك قائلاً: «نظراً لِما تمثله الكوفية من أهمية كبيرة وما ترمزه من معانٍ ودلالات، وتأثيرها المباشر على المحتل، ظهرت محاولات عدة، لسلب مضمون هذه الرمزية، وتحويلها إلى مجرد لباس يوضع في أي مكان، فعمل المحتل بكل الطرائق على سرقتها بأسلوب أحسبه ماكراً، كما سرق ويسرق الأرض، والتراث وذلك من خلال طمسٍ لمعالمها، بتغيير ألوانها لتدخل عالم الموضة العالمية، فأدخل ألواناً مختلفة عليها، وتحولت من اللون الأبيض والأسود إلى مزيج من الألوان، ولكن كل هذا لم ينل منها، ولا من شكلها الأصلي». كما تطرّق الدكتور الأغا إلى شرح الآليات المختلفة لاعتمار الكوفية مشيرًا إلى أن «المكان الرئيسي للكوفية» الرأس أو الصدر، ولا مكان سواه، فلا توضع غطاء لمنصات أو على الطاولات لإلقاء الكلمات أو الخطب، ولا توضع أيضاً أسفل الخصر لأداء الرقصات الشعبية المعروفة بـ»الدبكة الفلسطينية»، كما تجاوز وضعها على الرأس والكتف، إلى لفّ الشهيد الفلسطيني بها من ناحية الرأس إلى مثواه الأخير، وهذه رمزية أخرى تضاف إلى رمزيتها الثورية». ويقول الدكتور الأغا: «لقد أخذ ارتداء الكوفية صورة جلية في المجتمع الفلسطيني وللجنسين على السواء، ويتم وضعها بأشكال مختلفة، فمنهم من يضعها على الرأس، ومنهم من يضعها على الكتف والصدر، ومنهم من يلفها على الرقبة، وفي كل الأشكال، تعكس رمزية وطنية للمتلحفين بها».

الكوفية.. أحد رموز السيادة والهوية

تنتشر الكوفية - بحسب ما يوضح الدكتور مصطفى الأغا- بشكل واسع في القرى والتجمعات العربية البدوية وخصوصاً في منطقة النقب في فلسطين، وكذلك في قرى الضفة الغربية وقطاع غزة وخصوصًا بين الفلاحين، وكما يقول أحد كبار السن، كانت ومازالت الكوفية والعقال رمزًا لكبرياء الرجل، وأقصى درجات الإهانة والتحقير أن تأخذ عقال أحدهم عن رأسه وتلقيه أرضًا، هي لحظات أهون منها الضرب بحد السيف، وكانت كفّارة عملٍ كهذا دفع تعويض كبير ومراسم صلح، أو العداء والصدامات ومحاولات الأخذ بالثأر».
ونظراً لمكانة الكوفية، وما تمثله من رمزية نضالية، فقد حددت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية يوماً وطنياً للكوفية يتزامن مع ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال، حيث يرتدي الفلسطينيون الكوفية، باعتبارها رمزًا موحدًا لجميع الفلسطينيين في الداخل وحول العالم، وربطاً للأزمنة النضالية بدءاً من الثورة، وصولاً إلى الانتفاضتين، وغيرها من المناسبات المركزية للفلسطينيين، وليكون يوماً يستشعر به الفلسطينيون الحرية، ويُسهم في تعزيز الوعي الوطني الجمعي لدى الجيل الجديد.
وتبقى الكوفية - كما يؤكد الأغا- رمزاً من رموز السيادة والهوية والوجود والثورة، يعتمرونها على الرأس، أو الصدر، أو ملثماً بها، حيّاً أو ميتاً، فهي الموحد للشعب الفلسطيني، وهي اللغة المشتركة بينهم في الداخل والخارج، وحيث ما هي، فهي عنوان الثورة، والنضال».

_
_
  • العشاء

    6:28 م
...