الله ليس على بابه بواب ومستغن عن الوسائط والسماسرة الذين أفسدوا الأديان واحتكروا الوساطة بين الله وعباده

alarab
الصفحات المتخصصة 28 سبتمبر 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. سورة الفلق {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)} أولى المعوذتين: هذه أولى المعوذتين، اللتين بدأتا بهذه الصيغة {قُلْ أَعُوذُ} والعوذ هي: اللياذ والاحتماء باللجوء والتحصين، إلى ما يليق بهذه المعاني. وللمسلم أن يلوذ بالأسباب المادية والمعنوية التي شرعها الله له، في قضاء حاجاته، وتحقيق غاياته الدينية والدنيوية. ولكن فيما يعجز عنه البشر، أو يؤودهم ويتغلبهم، يلوذون بأقوى منهم، وهو الله جل جلاله، فهو أولى من يُؤمِّن من لاذ بجنابه، ووقف على بابه، واحتمى بحماه، واستعان بقوته، وقد علَّمنا في سورة الفاتحة: أن نعبده ونستعين به، بل نفرده بالعبادة والاستعانة. وهذا الإفراد هو حقيقة التوحيد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]. وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عبد الله بن عباس، وهو غلام هذا المبدأ، حين قال له ضمن حديث: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» . ولكن مما يؤسف له: أن من الناس من يدع باب الله المفتوح لكل مخلوق، ويلوذ بأبواب البشر العاجزين مثله، ليسألهم، ويستعين بهم، ويستغيث بهم، ويلوذ بجوارهم، معتقدا أنهم يغنونه عن الله، أو أنهم واسطة إلى الله، أو شفعاء عند الله، والله تبارك وتعالى ليس على بابه حاجب ولا بواب، ومستغن عن الوسائط والسماسرة، الذين أفسدوا الأديان قبل الإسلام، واحتكروا الوساطة بين الله وعباده، فلجأ الناس إلى هؤلاء الكهنة، وأمثالهم من العرافين والمنجمين، والسحرة، الذين منحوا لمن يحبون – أو يشترون- صكوك الغفران، وعاقبوا آخرين بقرارات الحرمان. ومن هنا علَّم القرآن أمته: أن يستعيذوا بالله وحده من شرور الدنيا، أو من شرور الخلق على تنوعها وكثرتها، فهو القادر على أن يعيذهم منها، فهو الذي بيده مقاليد كل شيء، وله الخلق والأمر. العياذ برب الفلق، ومعنى الفلق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ } بدأت السورة بقوله تعالى لرسوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ} وقد قلنا غير مرة: إن كلمة (قل) – وهي فعل أمر من القول- والتي تكررت في القرآن (332 مرة) تدل على أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم ملقَّن معلَّم، يُلقَّى هذا القرآن من سلطة أعلى عنه، تأمره وتنهاه، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]، {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى} [النجم:3-5]. والآية خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وللأمة كلها من بعده. ومعنى {أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ}: الوذ وأحتمي بهذا الرب الذي وصف نفسه في كتابه، بقوله: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ} [الأنعام:95-96]. ومعنى {فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى}: أي واهب الحياة للكائنات الحية، ومعنى {فَالِقُ الإِصْبَاحِ}: أنه واهب النور لهذا العالم، الذي أصله الظلمة. ولولا الحياة والنور ما قام هذا الكون بمن فيه وما فيه، ماديا ولا معنويا، ونحن نقرأ قول الله سبحانه: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122]. وقد نقل بعض المفسرين: إن (الفلق) هو كل ما يفلقه الله تعالى كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن الأمطار، والحب والنوى عما يخرج منهما . ولا تنافي بين هذا القول وما قبله، بل يثري معنى الفلق ومضمونه. وقد أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره عن عدد من مفسري السلف: إن معنى (الفلق): الصبح، كقوله تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} قال: وهذا هو الصحيح . وهو اختيار البخاري في صحيحه . وإنما خص الاستعاذة بـ(رب الفلق) مع أنه تعالى رب كل شيء، لأن المستعاذ منه شرور تقوم على الظلمات والهلاك، فهو يستعيذ برب النور من شر الظلمات، وبرب الحياة من أعداء الحياة. يقول المفسرون: وفي تعليق العياذ (الاستعاذة) باسم الرب المضاف إلى الفلق، المنبئ عن النور عقب الظلمة، والسعة بعد الضيق، والفتق بعد الرتق: عِدةٌ كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه، وإنجائه منه، وتقوية لرجائه بتذكر بعض نظائره، ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بقرع باب الالتجاء إليه تعالى . الاستعاذة من شرور الخلق: {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ } هذا أول ما يستعاذ بالله أو برب الفلق منه، وكلمة شر تطلق ويراد بها أحد أمرين: إما بمعنى (أشرّ) تقول: شر ما خلق الله إبليس. أي أشرهم وأسوأهم، ونقول: شر الإنسان يعود عليه، كما في قوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:8]. والمقصود هنا: المعنى الثاني، وهو شرور الخلائق، بدليل المعطوفات عليها، { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}. والشر هو الضرر والأذى والألم والفساد، ونحوه، من كل ما يشكو منه الناس من الآفات والأمراض والجوع وإلخوف، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وغيرها، ومنها: الموت الذي ينزع الإنسان من أهله وذويه وأحبابه. وهو يشمل الشرور المعنوية من الكفر والفسوق والعصيان، والرذائل والانحرافات الأخلاقية والفكرية التي تصيب الأفراد والمجتمعات والأمم ويكون لها آثارها العميقة في حاضرها ومستقبلها. والخير مقابل هذا الشر وعكسه، وهو يشمل كل النعم المادية والمعنوية، التي يسبغها الله على خلقه، ظاهرة وباطنة. وشر ما خلق، أو الشرور المستعاذ منها في الخلق كثيرة، بكثرة الخلائق في هذا الكون، بما فيه من أجناس وأنواع وفصائل من المخلوقات، بما فيها الإنسان، وما فيها الحيوان من دواب ووحوش، وطيور وحشرات وزواحف، ومن مخلوقات صغيرة كالجراثيم والفيروسات، ومن أحياء مائية تسكن البحار والأنهار والبحيرات، ومن نباتات من فصائل بالألوف، ومن جمادات في الأرض كالجبال والصخور والصحاري والمحيطات والغلاف الجوي، والفضاء الواسع، الذي يسمى في الكتب السماوية: السماوات، وما فوقها وما بينها وما تحتها، وما ينشأ عن الأكوان من أحداث هائلة من أعاصير وفيضانات وزلازل وبراكين، يسميها الناس أحيانا: (غضب الطبيعة)، والطبيعة لا ترضى ولا تغضب، ولكن رب الطبيعة ورب الكون كله، يجريه على سنن محكمة ثابتة، بعضها نعلمه وبعضها لا نعلمه. وبعض هذه الشرور يبتلى بها الإنسان من حيث لا يحتسب، ولا إرادة له فيها، ولا دخل له بها، لحكمة يعلمها الله، ويجهلها الإنسان، ولكن المؤمنين من أولي الألباب يقفون أمامها قائلين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]. وبعض هذه الشرور كثيرا ما يكون مما قدمته يد الإنسان، مباشرة أو غير مباشرة، مثل ما نرى من اختلال التوازن البيئي، أو التوازن الكوني، مثل ثقب الأوزون، وتغيير المناخ، وغيرها. وفي هذا يقول القرآن: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30]، ويقول: { ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]. سؤال مهم: هل يخلق الله الشر؟ ولماذا؟ هنا يعن لبعض الناس سؤال مهم، عن الشرور في هذا العالم: هل يخلق الله الشر؟ وهل يليق بالرحمن الرحيم، البر الكريم، أن يخلق الشر؟ ولماذا لم يكفنا الشر ويرحمنا منه، وهو الغني الذي بيده كل شيء؟ ولا نفر من الجواب المطلوب هنا، وهو أن الله تعالى لا يخلق (الشر) أعني الشر المطلق المقصود لذاته، بل هو مصدر الخير والنعم كلها، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم:34، والنحل:18]. وقد قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في مناجاة ربه: «إلخير بيديك، والشر ليس اليك» . وكل ما نراه من شر في هذا الكون إنما هو شر جزئي، نسبي خاص، في مقابل الخير الكلي المطلق العام، وهو من لوازم هذا الخير. انظر إلى خلق الإنسان، فلا ريب أن خلق الإنسان في ذاته خير، وإعطاءه العقل والإرادة والقدرات التي تؤهله للخلافة في الأرض خير، وتمييزه بالتكليف وحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها: خير، وهدايته النجدين، وإلهام نفسه الفجور والتقوى خير، وإرسال الرسل له، وإنزال الكتب، وقطع المعاذير بالنسبة له خير، وتحميله المسؤولية عن أعماله الظاهرة والباطنة خير، فإذا ترتب على هذا الخير أنه قد يكفر بربه، أو يكذب رسله، أو يسيء في عمله، ليستحق عقوبة ربه الذي لا يخاف أحد عنده ظلما ولا هضما، وإنما يجزي كل نفس بما كسبت، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8]، فهذا شر جاء للإنسان، نتيجة لسوء عمله، وعدم استفادته من الخير الذي هيأه الله له، وأنعم به عليه. ونجد أن الله تعالى أنزل لعباده الأمطار، وأجرى لهم الأنهار، وقد يسبب نزول الأمطار، وفيضان الأنهار، مصائب جزئية لبعض الناس، عندما يزيد الفيضان في بعض السنوات، ولكن في مقابل هذه الفئة المتضررة، يستمتع الملايين بهذه الحياة، ويعتبرونها نعمة عظيمة من الله، وفي هذا يقول الناس: مصائب قوم عند قوم فوائد. وقد يفعل الناس هذا بأنفسهم عامدين، موازنين بين مصالح وأخرى، كما أقامت مصر السد العالي لتخزين المياه خلف السد، حتى لا يضيع هدرا في البحر الذي هو المصب، وقد غرقت قرى كاملة وراء السد وخسرها أهلها وعوضتهم الدولة، بالهجرة إلى أماكن أخرى بديلة عن قراهم. وقد كنتُ مرة في زيارة لمدينة عمَّان في الأردن، لإلقاء محاضرة في الجامعة، وحاصرني الثلج الذي نزل بقوة، وعطَّل الوف السيارات في الطرق، ووقعنا في أزمة وقد دخل علينا الليل، ونخشى أن يفرغ (البنزين) من السيارة، فتتعطل التدفئة فنهلك من البرد، وبعد نحو ثماني ساعات أو أكثر، جاء الفرج، وتدخلت قوات الجيش والدفاع المدني والشرطة وغيرها، لإزاحة الثلج، وفتح الطرق للسيارات، وقلنا: الحمد لله على النجاة. ولكني في الصباح وجدت الناس يهنئ بعضهم بعضا على هذا الثلج، الذي يطهر الأرض وينقيها من الحشرات الضارة بالزروع، ويزيد مخزون المياه في الأرض، و... و... ورأيت الأولاد يلعبون بالثلج ويكونون منه أشكالا يتقاذفون بها في بهجة وسرور، فما كنا نحسبه نقمة عند حبسنا، أصبح نعمة عند عامة المجتمع من حولنا. المؤمن راض عن نفسه وربه: وقد ذكرتُ من قديم في كتابي (الإيمان والحياة) فقرة تتصل بهذا الموضوع تحت عنوان: (المؤمن راض عن نفسه وربه)، قلتُ فيها: المؤمن راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه في الكون، لأنه يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملا، ولا شيئًا تافهًا، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة في أرض الله. وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط سبحانه بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمة، لم يخلق شيئا لهوًا، ولم يترك شيئًا سدًى، له الملك، وله الحمد، نعمه عليه لا تعد، وفضله عليه لا يحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يردد دائمًا هذا الثناء الذي ردده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:78-82]. المؤمن موقن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار بره تعالى ورحمته، فيناجي ربه: { بِيَدِكَ الخيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26] فإلخير بيديه، والشر ليس إليه ، وما يظنه الناس شرًّا في الوجود، ليس هو شرًّا في الحقيقة. وإذا كان لابد من تسميته شرًّا ، فإنما هو شر جزئي خاص مغمور في جانب الخير الكلي العام، وهذا الشر الجزئي، أو الشر الموهوم اقتضاه التكافل بين أجزاء الوجود. هذا التكافل الذي يقول فيه الأستاذ العقاد: (إن المعتقدين به -أي بهذا التكافل- يرون أن الشر لا يناقض الخير في جوهره، ولكنه جزء متمم له، أو شرط لازم لتحقيقه، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة تقابلها وترجح عليها، وقد يطرد هذا القول في لذاتنا المحسوسة كما يطرد في فضائلنا النفسية، ومطالبنا العقلية، إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير الم الجوع، ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا المنظر القبيح) . المؤمن راض عن الكون والحياة (والمؤمن - نتيجة لهذا- راض عن الحياة والكون من حوله، لأنه يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله الذي أتقن كل شيء: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50]، وكل ذرة في الأرض أو السماء تدل على حكمة حكيم، وتقدير عزيز عليم، وتدبير ملك عظيم، ورعاية رب كريم رحيم. قال الإمام الغزالي في كتابه الإحياء: (المؤمن يصدق تصديقًا يقينيًّا لا ضعف فيه ولا ريب، أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم، وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علمًا وحكمة وعقلا، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور، وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات، حتى اطلعوا به على الخير والشر، والنفع والضر، ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت، بما أعطوا من العلوم والحكم، لما اقتضى تدبير جميعهم من التعاون والتظاهر عليه، أن يزاد فيما دبر الله سبحانه، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر، عمن بلي به، ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع، عمن أنعم الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السماوات والأرض- إن رجعوا فيها البصر، وطولوا فيها النظر- ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور. وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل، وسرور وحزن، وعجز وقدرة، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، فكله عدل محض لا جور فيه، وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلا أحسن منه، ولا أتم، ولا أكمل، ولو كان ادخره -مع القدرة- ولم يتفضل به لكان بخلا يناقض الجود، وظلمًا يناقض العدل، ولو لم يكن قادرًا لكان عجزًا يناقض الإلهية) . فما عرفه المؤمن من حكمة الله في خلقه، وأسراره في كونه، فبها ونعمت. وما خفي عليه وكله إلى عالمه، وقال في تواضع أولي الألباب: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]. لهذا نرى المؤمن راضيًا عما قدر الله له. وما قضى الله فيه، ينشد دائمًا: إذا ما رأيت الله في الكل فاعلا رأيت جمع الكائنات ملاحا {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} في هذه الآية تخصيص لبعض الشرور بالذكر، مع اندراجه فيما قبله، لزيادة مسيس الحاجة إلى الاستعاذة منه، لكثرة وقوعه، ولأن تعيين المستعاذ منه، أدلّ على الاعتناء بالاستعاذة، وأدعى إلى الإعاذة. ومعنى الآية: أي ومن شر ليل معتكر ظلامه، من قوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء:78]، وأصل الغسق: الامتلاء، يقال: غسقت العين، إذا امتلأت دمعا، وغسق الليل: انصباب ظلامه. وإضافة الشر إلى الليل، لملابسته له بحدوثه فيه، وتنكيره لقوله: (غاسق)، ولم يقل: الغاسق لعدم شمول الشر لجميع أفراده، ولا لكل أجزائه. وتقييده بقوله (إذا وقب) أي: دخل ظلامه في كل شيء؛ لأن حدوث الشر فيه أكثر، والتحرز منه أصبر وأعسر، ولذلك قيل: الليل أخفى للويل . هكذا بعد أن علمنا القرآن: أن نستعيذ بالله من شر ما خلق عموما، بدأ يعلمنا – حينما علَّم رسوله- الاستعاذة برب الفلق من شرور خاصة لها تأثيرها على الناس. وأولها: شر الغاسق إذا وقب. لقد فسَّر أكثر المفسرين وأهل اللغة: الغاسق بـ(الليل) كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء:78]، فإن الظلمة –التي هي من خصائص الليل- مظنة كثير من الشرور، كما فسروا (وقب) بمعنى دخل. وقد روى الإمام أحمد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأراني القمر حين طلع، فقال: «تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب» . وفي رواية أخرى: «استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا الغاسق إذا وقب» . وهذا لا ينافي ما قاله المفسرون وعلماء اللغة من أن الغاسق هو الليل، لأن القمر لا يطلع إلا في الليل، حتى إن القرآن سمى القمر آية الليل، في نحو قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12] قال ابن كثير: هذا لأننا في قولنا (أن الغاسق هو الليل) لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه. والقمر وإن كان ينير في الليل، لا يمنع الأشرار من اللصوص وقطاع الطريق، وغيرهم من التحرك فيه، وخصوصا في غير الليالي البيض. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالقمر أحق ما يكون بالليل بالاستعاذة، والليل مظلم تنتشر فيه شياطين الإنس والجن، ما لا تنتشر بالنهار، ويجري فيه أنواع الشر ما لا يجري بالنهار، من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، والسحر والسرقة وإلخيانة، والفواحش وغير ذلك. فالشر دائما مقرون بالظلمة، ولهذا إنما جعله الله مكانا لسكون الآدميين وراحتهم، لكن شياطين الإنس والجن، تفعل فيه من الشر، ما لا يمكنها فعله بالنهار، ويتوسلون بالقمر ويدعونه، والقمر وعبادته..فذكر سبحانه الاستعاذة من شر الخلق عموما {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} ثم خصّ الأمر بالاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب، وهو الزمان الذي يعم شره، ثم يخص بالذكر السحر والحسد. * يتبع الجمعة القادمة إن شاء الله