ملكية المال الحقيقية لله.. والإنسان مستخلَف فيه

alarab
الصفحات المتخصصة 28 أغسطس 2015 , 07:22ص
يوسف القرضاوي
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}:
بعد أن ذكر الله أول صفة لهؤلاء المتحرِّرين من ضعف الإنسان الهلوع، الذي يجزع عندما يمسه الشر، ويمنع عندما يمسه الخير، وهو الوصف المتعلق بالصلاة والدوام عليها، ذكر هذا الوصف الذي كثيرًا ما يقرنه القرآن بإقامة الصلاة، وهو ما يتعلق بالجانب المالي، وما فيه من حقِّ الله تعالى وللفقراء والمجتمع، وفقد قرن القرآن الزكاة بالصلاة في ثمانية وعشرين موضعًا في كتاب الله.
ومن هنا جاء الوصف الثاني لهؤلاء الناجين، بأنَّهم (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ).
ملكية المال الحقيقية لله تعالى:
وكثير من الناس يحسبون أنَّ الأموال التي حازوها وامتلكوها بعمل أو شراء أو ميراث أو هبة، أو غير ذلك. إنَّما هي أموالهم وحدهم، وليس لأحد فيها حق، مهما يكن له من حاجة، أو ضرورة، وإن كانت ماسة وحقيقية ؛ لأنَّهم ظنوا أنَّ المال مالهم حقيقة، مِلكًا ومُلْكًا، وهذا ما جعل قارون يقول عن ماله الكثير الوافر، الذي تنوء مفاتيح خزائنه بالعصبة أولى القوة: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78]. وجعلت مدين قوم شعيب يقولون له: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87].
هذا مع أنَّ القرآن الكريم يقرر ويؤكد: أنَّ ملكية المال الحقيقية لله، وأن الإنسان إنما هو مستخلَف فيه، كما قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]. {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد:7]. {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران:180].
فقوله: {فِي أَمْوَالِهِمْ} وإنما هي في الحقيقة أموال الله تعالى عندهم، كما سُئل أعرابي مسلم عن الشاة التي يرعاها: لمن هي؟ فقال: هي لله عندي. وما أصدق ما قال! المال الذي يحوزه الإنسان ويمتلكه بالشراء أو بالميراث، أو بأيِّ عقد شرعي تنتقل ملكيته به من شخص إلى آخر، هو– وإن كان مال الله في الحقيقة– للإنسان في الظاهر، ولذلك له فيه حقوق، وعليه فيه واجبات، ولا ينبغي لصاحب هذا المال أن ينظر أو يفكر أو يستبعد ما يُطالب به من ماله؛ فإنَّ من أعظم ما جاء به الإسلام في هذا الباب: أنَّه قرَّر أنّ للناس حقوقًا في مال كلِّ غني، أو كلِّ ذي مال، حقوقًا يطالب بها أصحابها، ويرعاها الإسلام لمن يستحقها، ويطالِب بها، ويدافع عنها، ويقاتِل دونها.

معنى {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ }:
ذكر ابن الجوزي في «زاد المسير» في تفسير قوله تعالى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات:19] قول ابن عباس: إنه ما يَصِلون به رَحِمًا، أو يَقْرون به ضيفًا، أو يحملون به كَلًّا، أو يُعينون به محرومًا، وليس بالزَّكاة. وذكر قولًا آخر أنها الزكاة المفروضة. وعزاه إلى قتادة وابن سيرين( ).
واكتفى في تفسير الآية التي معنا في سورة المعارج {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ } بما ذكره في تفسير آية الذاريات.
أقول: يقول القرآن: إنه حق. ومعنى أنه حق: أنَّ وراءه مُطالِبًا، وأنَّه ما دام حقًّا فهو من الله، فليس لأحد أن يُسقطه، أو يُفرط فيه. ومعنى أنه حق: أنَّه ثابت بيقين لا يملك أحد أن يزيله أو يغيره.
وهو (حَقٌّ مَعْلُومٌ) أي: معروف وجوبه لهم، ومعروف مقداره كم هو؟ وزمنه الذي يدفع فيه كم هو؟ ولذا قال بعضهم: إنَّها الزكاة المفروضة، فهي المعلوم لهم بما فرضه الله ورسوله عليهم من مقدار معيَّن في مال معيَّن، إلى آخر ما هو معلوم.
ولكنَّ رد عليهم الآخرون بأنَّ آية الذاريات: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}، وآية المعارج:{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} مكيَّتان، نزلتا قبل أن تفرض الزكاة المعلومة المقدَّرة، التي تُطلب من الناس، فهي ليست من هذه الزكاة، وإنَّما هي من الزكاة المطلوبة في مكة في أوائل سورة النمل ولقمان {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3، لقمان:4]. وغيرهما، وهي زكاة مطلقة، غير محدَّدة المقادير.
فالأَوْلى أن يفسَّر هذا (الحق المعلوم) بأنَّه معلوم عند صاحبه وحده، خصَّصه هو لأهل الحاجة من حوله، حسب ما يرى من حاجتهم وضرورتهم البشرية والفردية والعائلية، وحسب ما عنده من قدرة مالية، فهو يقدِّر في نفسه في كلِّ عام، أو في كلِّ موسم ما يجب عليه، ويبذله لهم، وإلَّا كان مذمومًا.

معنى السائل والمحروم:
{لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}
السائل هو: الطالب الذي لا يستنكف أن يسأل الناس ما يحتاج إليه.
والمحروم، ذكر فيه ابن الجوزي في تفسير سورة الذاريات ثمانية أقوال، ثم قال: وأظهر هذه الأقوال: ما قاله قتادة والزهري، أنَّه المتعفِّف الذي لا يسأل شيئًا. وعلل ذلك بقوله: (لأنه قرنه بالسائل، والمتعفِّف لا يَسأل- ولا يكاد الناس يعطون مَن لا يسأل- ثم يتحفَّظ بالتعفُّف من ظُهور أثر الفاقة عليه، فيكون محرومًا من قِبَل نفسه حين لم يَسأل، ومن قِبَل الناس حين لا يُعطونه، وإنما يفطِن له متيقِّظٌ).
وقد ذكر ابن الجوزي أنَّ المفسرين قالوا: إنَّ هذه الآية منسوخة بآية الزكاة. قال: ولا يصح( ). وهو ما نؤكده معه.
ومعنى هذا: أنَّ للسائل الذي يطلب، والمحروم الذي لا يطلب: نصيبًا مقرَّرًا لذوي الحاجات، علمه صاحب المال بما اعتاده كلَّ عام، وبما قدره في نفسه، وعلمه الفقير من عادات الناس.

التصديق بيوم الدين:
{وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ}:
أي: يُصدِّقون الإيمان بالعمل: حين يلتزمون في أنفسهم بالطاعات الدينية والمالية، طمعًا في المثوبة الأخرويَّة، بحيث يستدل بذلك على تصديقهم بيوم الجزاء.
والمقصود بيوم الدين: يوم الجزاء الذي تُوفَّى فيه كلُّ نفس ما كسبت، وتُجازى على ما عملت، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7-8].
وقد تحدثنا عن يوم الدين في سورة الفاتحة في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4]. وفي سورة الانفطار في قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:17-19]. وفي كثير من سور جزء عم، وهذا الجزء.
الخوف من عذاب الله:
{وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}: أي: خائفون وجِلون على أنفسهم، مع ما لهم من أعمال صالحة، استصغارًا لها، واستعظامًا لمقامه عزَّ وجل، كما قال تعالى في مدح السابقين في الخيرات والساعين إليها: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60] أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا، يا بنت أبي بكر- أو: يا بنت الصِّدِّيق- ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، وهو يخاف أن لا يتقبل منه»( ).

لا يأمن أحد عذاب الله:
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ}: هذه الجملة اعتراضية مُؤْذِنة بأنَّه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذابه تعالى، وإن بالغ في الطاعة، بل ينبغي على كل أحد أن يخافه ويشفق منه، ومع هذا التهويل الملموس، كان في الآية بصيص من الأمل يرجوه الآملون في رحمة الله، حين وصف العذاب بقوله تعالى: {عَذَابَ رَبِّهِمْ} فنعم الرَّبُّ هو.

«يتبع الجمعة القادمة
إن شاء الله».