الفاتحة أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني لأنها تُثَنّى في الصلوات كل يوم

alarab
باب الريان 28 أغسطس 2011 , 12:00ص
نِعَمُ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} يَمْتَنُّ اللهُ تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، ويُعَدِّدُ عليه النِّعم التي آتاه الله إيَّاها، وهي نِعَمٌ كبرى، نِعَمٌ عُظْمى، لا تُدانيها النِّعم التي يُباهي بها الناس، ويظنُّونَها كلَّ شيء وهي ليست بشيءٍ، بمقابل ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. المراد بالسبع المثاني ما هي السبع المثاني هذه؟ المثاني جمع مُثنَّى، والمثاني تكرار كلمة اثنين اثنين، مثنى وثلاث ورباع: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى فُرَادَى} [سبأ:46]، المثاني هي الأشياء التي تثنىَّ وتكرَّر، ولذلك قالوا: السبع المثاني هذه هي الفاتحة، ولأنها سبعُ آيات بالبسملة كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنه: «والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصَّكم الله بها». وقد ثبت في الصَّحيح أنَّها السبع المثاني: فعن أبي سعيد بن المُعلَّى قال: كنت أُصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أُجبْه، فقلت يا رسول الله: إنِّي كنتُ أصلي، فقال: ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]، ثم قال لي: «لَأُعَلِمَنَّكَ سورةً هي أعظم السُّور في القرآن، قبل أن تَخْرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لَأُعلِمَنَّك أعظمَ سورةٍ في القرآن؟ قال: نعم. {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه». وجاء في صحاح الأحاديث عن عدد من الصحابة، أنَّ الفاتحة وهي سورة الحمد، وهي أم القرآن وأمُّ الكتاب والسبع المثاني، لأنها تُثَنَّي في الصلوات كل يوم، تكرَّر هذه الفاتحة، ولأنَّ فيها قِسْمٌ ثناء وَقِسْمٌ دعاء، فالقسم الأول ثناء: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، والقسم الثَّاني دعاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. وكما جاء في صحيح مسلم، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: قال الله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حَمَدَنِي عبدي. فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مَجَّدَنِي عبدي. وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سَأل. فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». الفاتحة خلاصة القرآن على كلِّ حالٍ جاءت الأحاديث تقول: إنَّ الفاتحة هي السبع المثاني، وكما ذكر الإمام ابن القيم في كتابه: (مدارج السالكين، شرح منازل السائرين إلى مقامات إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين)، ذكر: حتى قيل أنزل الله مئة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في إياك نعبد وإياك نستعين. كما قال شيخنا سماحة الشيخ محمد عبدالله دِرَاز رَحِمَهُ الله: القرآن هو دُسْتُور الإسلام، والفاتحة هي دُسْتُور القرآن فهي دستور الدُّستور، ولذلك امتنَّ الله بها {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي}. أقوال أخرى في معني السبع المثاني هناك أقوال أخرى منها: أنَّ السَّبع المثاني هي: السَّبع الطُّوال أو الطُّوَل، وهي: البقرة وآل عمران والنِّساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتَّوبة، وعَدُّوا الأنفال والتوبة سورةً واحدةً، ومن المعلوم أنَّ هذه السور –أي: السَّبع الطوال- سور عظيمة، ولكن هذه السُّور كلُّها مدنيَّة، وسورةُ الحِجْر التي معنا الآن سورة مكيَّة، لم يَكُنْ قرأَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبلها، وَلَمْ ينزل بهنَّ جبريل عليه السلام على قلبه، ولذلك القول الأرجح أن السَّبْع المثاني هي: الفاتحة. عطف العام على الخاص «وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ} هذا يُسَمِّيه العلماء عطف العام على الخاص، والكل على الجزء، تقول: جاء فلان وفلان، أو الأمير ووليُّ عهده، وجاء القوم، والقومُ فيهم الأمير، إنَّمَا ذُكِرَ تخصيص الأوَّل ثم التَّعميم، يعني تهتمّ بالخاصِّ ثم تذكر العام، فالسبع المثاني هي جزءٌ من القرآن، ولكن ذَكَرَهَا لخصوصها، لأهميَّتها، لِيُلْفِتَ النَّظر إليها. القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز ثم قال: {وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، آتيناك القرآن العظيم، هذا الكتاب الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصِّلت: 42]، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1]، كتاب الهداية، كتاب التشريع، كتاب الأحكام، كتاب الأخلاق، كتاب العبادات، كتاب المعاملات، كما قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89]، الكتابُ المُعْجِز، الذي أعجز البشر أن يأتوا بكتابٍ مثله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطُّور:34]، {بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود:13]، {بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23]، فلم يستطيعوا، وحقَّ عليهم قول الله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، القرآن، هذا الكتاب العظيم. مدى نعمة الله على الأمة بالقرآن العظيم {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، فلا بدَّ أن تعرف مدى نعمة الله عليك، ومدى إحسانه إليك، حينما آتاك هذا القرآن، ادَّخَره لك ولأمَّتِك، لم يُنْزله على أيّة أمَّة، ادَّخر الله هذا الكتاب القرآن لأمَّةِ الخلود، آخر أمَّة، آخرُ دين هو الإسلام، آخرُ رسول هو محمد صلَّى الله عليه وسلم، آخرُ كتاب هو القرآن، ادَّخره لأفضل رسولٍ مبعوث إلى أفضل أمَّة، بأفضل شريعة. من أسماء القرآن الكريم وأوصافه وصف الله القرآن ببعضِ الأسماء والأوصافَ التي وصف بها نَفْسَهُ، يعني إذا تأمَّلنا في القرآن، نجد أنَّ الله وصف القرآن بعددٍ من أسمائه الحسنى: العظيم، {وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}، والعظيم من أسماء الله الحُسْنَى. الحكيم: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} [يس:2،1]، والحكيم من أسماء الله الحُسْنَى. الكريم: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة:77]، والكريم أيضًا من أسماء الله الحُسْنَى. العليّ: {وَإِنَّهُ فِي أم الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف:4]، والعليُّ أيضًا من أسماء الله الحسنى. العزيز: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت:41]، أيضًا العزيز من أسماء الله الحسنى. المجيد: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} [البروج:21]. والمَجِيدُ من أسماء الله. النُّور مِنْ أسماء الله، الهادي مِنْ أسماء الله، كلُّ هذه الأسماء من أسماء الله سمَّى الله بها هذا الكتاب، القرآن العظيم. وقد جاء عن بعض السلف: (أنَّ من آتاه الله القرآن، ثم رأى أنَّ أحدًا قد أُوتي أفضل ممَّا أوتي، فقد صغَّر ما عظَّم الله عزَّ وجل) مَنْ آتاه الله القرآن، علَّمَه القرآن حفَّظَه القرآن، فهَّمَه القرآن، واسْتَصْغَرَ هذه النِّعْمَة، ورأى الذي عنده أموال أهمَّ من القرآن، يكون قد صَغَّر نعمةَ الله العظيمة صَغَّرَ ما عَظَّمَ الله عزَّ وجل. التحذير من زهرة الدنيا وزينتها {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} إذَا كان الله قد آتاك القرآنّ العظيم، أَفَيَسُوغُ لك أن تَمُدَّ عينيك وتنظر نظر تَشَهٍ إلى الذين يَتَمتَّعون بالدنيا، إلى أصحاب الفضَّة والذَّهب، إلى أصحاب القصور والمَتَاع، هذه كلُّها أشياء تافهةٌ بِجِوَارِ ما آتاك الله من السَّبْع المثاني والقرآن العظيم. وقال في سورة أخرى، في سورة طه: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:131]، فتنة لهؤلاء، {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:56،55]. المال فتنة وابتلاء من يقول: إِنَّ المَال نعمة؟ {زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} هو فتنة، قد يكون نعمة، وقد يكون فتنة، هو ابتلاء، في حال السَّعَة والقلّة: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 15-16] أي: ليس الأمر كما تتوهَّمون، فليست كثرته دليلاً على الإكرام، وليست قلته دليلاً على الإهانة، بل هو في الحالين محنة وابتلاء. قيمة الدنيا عند الله عز وجل الحياة الدنيا، أيَّامٌ معدودةٌ وأنفاسٌ محدودة، ثمّ يَرَحل النَّاس إلى الحياة الباقية، الدُّنيا كمَا يُسمُّونَها دار مَمَرٍ، لادار مَقَرٍ، الدُّنيا قَنْطَرَةٌ، فاعْبُرُوها ولاتُعَمِّرُوهَا، الدُّنْيا لا تزن عنَّد الله جناح بعوضة، و «لو كانت تَزِنُ عند الله جَنَاحَ بعوضةٍ ما سقى منها كافرًا شربة ماء»، لهذا قال الله تعالى: {وَلَوْلَا} كراهة ذلك {أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: أمَّة واحدة تجتمع على الكفر، {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا} ذهبًا فضةً {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف:33-35]، فإذا كانت الدُّنيا لاتَزِنُ عنْدَ الله جَنَاح بعوضة، فماذا يكون نصيب الإنسان من جناح البعوضة؟! {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} الكفار المعاندون لا يستحقُّون الحزن عليهم إذا كانوا لم يؤمنوا بك لا تحزن عليهم، ولا تغتمَّ وتتألم، فهم لا يَسْتَحِقُّون الحُزْنَ، لا تَذْهَبْ نفسُك عليهم حَسَرات، ذلك لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان حريصًا عليهم، حريصًا على أنْ يَدْخُلُوا في هذا الدِّين، حريصًا على أنْ يَسْتَنِيرُوا بنور القرآن، حريصًا على أنْ يَهْتَدُوا بهدي الله، ولذلك كان أحيانًا يَحْزَنُ وَيْشْقَى، ولذلك قال الله تعالى: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه:2،1]، {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل:127]، {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر:8] لا تَحْزَن عليهم، لا تَشْغَل نفسك بالحزن عليهم، لقد أدَّيت ما عليك، أبلغتهم الرسالة، وبشَّرتهم وأنذرتهم، وأقمت عليهم الحُجَّة، وجئتهم بالبيِّنات، وأصبحوا هم الذين يتحمَّلون المسؤوليَّة. العناية بالمؤمنين المتَّبعين لدعوة الحقِّ الربَّانية {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} لا تهتمّ بالمشركين، ولكن اهتم بمن آمنوا بك، بالذين اتَّبعوك، بالذين قَبِلُوا دعوتك، بالذين استعدُّوا أنْ يبذلوا كلَّ شيءٍ من أجل الدَّعوة التي آمنوا بها، كن دائمًا مع هؤلاء، ودعك من هؤلاء، فالمؤمنون هم العُصْبة الذين يقيم الله بهم الحجَّة، وينصر الله بهم الدين، ويعزُّ بهم الإسلام، يعلي بهم كلمته، ويرفع بهم رايته: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:64] التواضع ولين الجانب مع المؤمنين {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، كلمة (اخفض جناحك)، كناية عن التعامل باللين والرفق والتواضع، وهي مأخوذةٌ من الطائر إذا أراد أن يحتضن فراخه، يخفض جناحه لهم، ويجعلهم تحت جناحه. {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، وفي سورة الشعراء: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215]، وهنا {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، والله تعالى وصفه بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128]، ولذلك أُمر بخفض الجناح. دلالة كلمة (قل) في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}، أَبْلِغْهُم بهذه الرِّسالة، وليس عليك إلاَّ أنْ تنذرهم. وكلمة: (قل) -كما أشرنا غير مرة- تدُّل على أنَّ هذا الرسول يَتلقَّى، وَيُؤْمَرُ: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}، بعض النَّاس خُيِّلَ له في وقتٍ من الأوقاتِ، أن نحذف (قل) من القرآن، في (قل هو الله أحد) والمعوذتين، نقول: هو الله أحد، أعوذ بربِّ الفلق، أعوذ بربِّ الناس، ونسي أنَّ هذه تدُّل على أنَّ الرَّسول مأمورٌ ومنهيٌّ، وَمُخَاطَبٌ مِنْ سُلْطَةٍ عليا. البشير النذير صلى الله عليه وسلم وسبب تخصيصه بالإنذار في هذه السُّورة هو صلى الله عليه وسلم نذيرٌ وبشيرٌ، لأنَّ الله أرسل رسله: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب:45]، وقال تعالى: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:188] فلماذا قال هنا: {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}؟ التَّبْشِيرُ: هو الإِخْبَارُ بما يَسُرّ، والإنذار: هو الإخبار بما يَسُوءُ، وهو يُبَشِّرُ أهل الإيمان والطَّاعة بالجنَّة في الآخرة والسعادة في الدُّنيا، وَيُبَشِّرُ أهل الكفر والمعصية والفسوق بالنَّار، يُنْذِرُهُم بالنَّار في الآخرة وبالشَّقاء في الدُّنيا، لماذا لم يذكر هنا البشارة؟ لأنَّ المقام هنا مقام النِّذارة، أحيانًا يقتصرُ القرآن على الإنذار دون التَّبْشِير، وهذا تكرَّر في كثير من الآيات: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود:12]، {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ص:65]، {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد:7]، وهكذا، فهو منذرٌ ونذيرٌ، أي: إنَّ مهمَّته عنْدَمَا يُكَذِّبُ المُكَذِّبون، وَيَكْفُرُ الكافرون، ويَتَمرَّد العُصَاةُ على ربِّ العالمين، في هذه الحالة ليس أمامه إلاَّ الإنذار، لا يستحقُّون البشارة، هو نذيرٌ في هذه الحالة، ولذلك يقول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]، فيمكن أن نقول عن الرُّسل في بَعْضِ الأحيان: إنهم نُذُرٌ مِنَ اللهِ تَبَارك وتعالى، لِيُخَوِّفِوا المكذِّبين بعواقبهم في الآخرة، ومَصَايِرَهم في الدُّنيا. موقف المشركين من القرآن {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ} كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، هل المقتسمون، من القَسَمَ بمعنى اليمين، أم مِنَ القسمة؟ احتمالاتٌ عنْد المفسرين. فالمقتسمون هم الذين تقاسموا وحلفوا فيما بينهم، كما تقاسم جماعةُ ثمود على سيدنا صالح، كما قال تعالى عنهم: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل:49] يدبرون قتله بياتا بالليل. وهنا تقاسموا فيما بينهم أن يجعلوا القرآن عضين، جزَّؤوا القرآن كأعضاء لحم الجزور أو الشاة. فقسمٌ آمنوا به، وقسم كفروا به، فما يعجبهم آمنوا به، وما لا يعجبهم كفروا به، {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]. من هم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين؟ الرأي الأول: بعضهم قالوا: إنَّهم اقْتَسَمُوا مداخل مكَّة، وزَّعوا أنفسهم، خصوصًا في مواسم الحج ومواسم العمرة، حينما تأتي قبائل العرب إلى مكَّة، فيسألون عن محمد وعن الدين الجديد، وعن الدعوة الجديدة، قالوا: كان هناك ستة عشر رجلاً، وبعضهم قال: أربعون رجلاً، وزَّعوا أنفسهم على طُرقات مكة ومداخلها، فَمَنْ سأل عن محمد وعن دين محمد، فمنهم من يقول لهم: هو مجنون، ومنهم من يقول: هو ساحر، ومنهم من يقول: هو كاهن، ومنهم من يقول: هو شاعر، ومنهم من يقول عن القرآن: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5]، ومنهم من يقول: إنَّه قول شاعر أو قول كاهن وهكذا، وزَّعوا أنفسهم، وهذا أحدُ الآراء، إنَّهم من أهل مكة ومن المشركين الذين جَعَلوا القرآنَ عضين، وقسَّموه هذا يقول: سحر، وهذا يقول: كهانة، وهذا يقول: كذا، وهذا يقول: كذا. الرأي الثاني: وهناك رأي يقول: إنَّهم مِنْ أهل الكتاب، من اليهود ومن النَّصارى، الذين آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه، فما وافق فيه كتابهم قالوا: آمنَّا به، وما خالف فيه كتابهم لم يؤمنوا به كما قال الله في خطابهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85]، فهؤلاء جَعَلوا القرآن عِضِين. ومعنى عضين: أعضاء، وهو تفسير للتقسيم قبله، أي: جعلوه أجزاءً، جزَّؤوا القرآن، جَعَلوه قِطَعًا، آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض، حذفوا وأخفوا ما لم يوافق أهواءهم. القرآن كلٌّ لا يتجزَّأ، لا يجوزُ الإيمان ببعضه والكفر ببعضه، كما قال الله تعالى: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، لا بدَّ أنْ يُؤْخَذَ القرآن كلَّه، وأنْ يُؤْمَنَ بالقُرآن كلِّه، فهؤلاء جعلوا القرآن عِضِين. سؤال المقتسمين عن أعمالهم {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: مجتمعين لا يتخلَّف منهم أحد. وضمير الجماعة يعود على المقتسمين: {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. هؤلاء سيقفون بين يدي الله عز وجل يومًا ويسألهم عن أعمالهم أجمعين. {فَوَرَبِّكَ} -يا محمد- {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، لن يَفْلِتَ أحدهم من المُسَاءَلة، من أجل ماله، أو من أجل سلطانه، أو من أجل أتباعه وجنوده، لا، كلهم سَيُسْأَلُون أجمعين عمَّا كانوا يعملون. لن يفلت منهم أحد، لا كبير، ولا صغير، ولا غنيٌّ ولا فقير، ولا أمير ولا مأمور، كلهم مسؤولون. جاء عن بعض السلف: أنَّ الناس سيسألون يوم القيامة عن أمرين: عن توحيد الله: {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} [الشعراء:92]، وعن النبوة: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]. {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]. وجاءت الأحاديث أن الإنسان يُسْأَلُ يوم القيامة: «عن عُمُره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه؟». {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، يُسْأَلون عن أعمالهم خيرًا كانت أم شرًا، صلاحًا كانت أم فسادًا، يُسْأَلُ الإنسان عن عمله، فعليه أن يُحَضِّرَ للسؤال جوابًا، كما قال بعض السلف: اسألوا أنفسكم قبل أن يصير السؤال إلى غيركم، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، فوربك، خطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، فهذه الآيات كلها خطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم وشدٌّ لأزْره.