الإيجاز والإطناب في القرآن
باب الريان
28 يوليو 2013 , 12:00ص
? الشيخ رضا أحمد تمام السمان
يعد الإيجاز والإطناب من أعظم أنواع البلاغة، حتى قيل إن اللغة هي الإيجاز والإطناب. والإيجاز هو التعبير عن المراد بلفظ غير زائد، ويقابله الإطناب وهو التعبير عن المراد بلفظ أزيد من الأول. ومن بديع الإيجاز قوله تعالى في وصف خمر الجنة (لا يصدعون عنها ولا ينزفون) [الواقعة: 19]، فقد جمع عيوب خمر الدنيا من الصداع وعدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب (لا يصدعون)، أي لا يلحق رؤوسهم الصداع الذي يلحق من خمر الدنيا (ولا ينزفون) أي لا تذهب عقولهم بسكرها. ومن بديع الإطناب قوله تعالى في سورة يوسف (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي) [يوسف: 53]، ففي قوله تعالى (وما أبرئ نفسي) تحيير للمخاطب وتردد في أنه كيف لا يبرئ نفسه من السوء وهي بريئة، فقد ثبتت عصمتها، ثم جاء الجواب بقوله تعالى (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، والمراد بالنفس النفس البشرية عامة، فهي كثيرة الميل إلى الشهوات إلا نفسا رحمها الله تعالى بالعصمة، وهذا محمول على أن القائل يوسف عليه السلام، فإن كان من قول امرأة العزيز وأنه اعتذار منها عما وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشهوات، فالمعنى وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته ثم أودعته السجن، تريد بذلك الاعتذار مما كان منها، ثم استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت. ومن الآيات التي جمعت بين الإيجاز والإطناب في أسلوب بديع قول الله تعالى في سورة النمل: (حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)، أما الإطناب ففي قول النملة (يا أيها) وقولها (وهم لا يشعرون)، فكرر النداء بـ (يا أيها) لأن فيه أوجها من التأكيد وأسبابا من المبالغة، منها ما في (يا) من التأكيد والتنبيه، وما في (ها) من التنبيه، وما في التدرج من الإبهام في (أي) إلى التوضيح، والمقام يناسبه المبالغة والتأكيد. وأما (وهم لا يشعرون) فهو تكميل لما قبله جيء به لرفع توهم غيره ويسمى ذلك (احتراسا)، وذلك من نسبة الظلم إلى سليمان عليه السلام، وكأنها علمت أن الأنبياء معصومون فلا يقع منهم خطأ إلا على سبيل السهو. أما الإيجاز ففيما جمعت هذه النملة في قولها من أجناس الكلام، فقد جمعت أحد عشر جنسا: النداء والكناية والتنبيه والتسمية والأمر والقصص والتحذير والتخصيص والتعميم والإشارة والعذر. فالنداء (يا) والكناية (أي) والتنبيه (ها) والتسمية (النمل) والأمر (ادخلوا) والقصص (مساكنكم) والتحذير (لا يحطمنكم) والتخصيص (سليمان) والتعميم (جنوده) والإشارة (هم) والعذر (لا يشعرون)، فأدت هذه النملة بذلك 5 حقوق: حق الله، فإنها استرعيت على النمل وعملت بحق الرعاية ،وأما حقها فهو إسقاطها حق الله تعالى عن الجنود في نصحهم، وأما حق الرعية فهو نصح لهم ليدخلوا مساكنهم، وأما حق الجنود فهو إعلامها إياهم. وفي تنكير (نملة) دلالة على أن كل نملة مسؤولة عن جماعة النمل، وأما قولها (ادخلوا مساكنكم) ففيه إيجاز بالحذف لأن أصله ادخلوا في مساكنكم فحذف منه (في) تنبيها على السرعة في الدخول.