الأساليب التربوية في القرآن الكريم والسنة النبوية

alarab
باب الريان 28 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: مصطفى أمين محمد علي
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي بعض أساليب التربية وطرقها في القرآن الكريم: إن الأساليب التربوية في القرآن الكريم كثيرة متعددة، فمنها أسلوب الحوار، والقصة والعبرة، والقدوة وضرب الأمثال، والتربية بالثواب والعقاب، والتدرج، وإقامة الحجة، وغير ذلك من الأساليب التربوية التي تفوق أحدث النظم التربوية في عالمنا المعاصر، ومن أمثلة ذلك ما يلي: • التربية بالحوار وهو من الأساليب الرائعة التي أرسى القرآن أصولها. وأثر هذا الأسلوب في النفس عظيم، ولنا في قصة موسى والخضر أعظم الأمثلة على ذلك، لأنها جمعت بين أسلوبي القصة والعبرة، وأسلوب الحوار، فهي قصة تروح عن النفس، وتغرس قيمًا تربوية شتى، كالرحمة بالضعيف، وفطنة المعلم وكياسته، وهي عبرة لطالب العلم، فهي تدعوه إلى الصبر على طلب العلم، وهي أسلوب حوار راقٍ لا نظير لها، قال تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً* قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً). • التربية بإقامة الحجة أنزل الله القرآن الكريم على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحدى به أرباب البلاغة وأقحاح العرب، فقهرت بلاغة القرآن بلاغتهم وأعجزت فصاحته فصاحتهم، كما تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، وفي ذلك ما فيه من إقامة الحجة عليهم، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ), (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)، وما زال التحدي قائمًا، فلم يكن التحدي قاصرًا على أهل مكة فحسب، بل هو لكل مكذب مفتر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. • التربية بضرب الأمثال وأسلوب ضرب الأمثال من أوقع الأساليب التربوية في النفس، لما يعقبه من تبصر واتعاظ وتدبر، كما في قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)، فهذا مثل متصل بذكر المشركين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على مشركي قريش وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف». فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، ووجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ففرق فيهم، وضرب مكة مثلا لغيرها من البلاد؛ أي أنها مع ما لها من جوار بيت الله وعمارة مسجده الحرام، لما كفر أهلها أصابهم القحط فكيف بغيرها من القرى، والحق أن أساليب التربية في القرآن الكريم كثيرة يندر أن يسع المقام لذكرها. ثانياً: السنة النبوية المطهرة السنة في اللغة هي: الطريقة والسنة حميدة كانت أو ذميمة, والسنة النبوية في الاصطلاح الشرعي هي ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير، وقد أمر الله تعالى بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، كما حذر من مخالفته وعصيان أمره، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). والسنة النبوية المطهرة هي ثاني أصول الفكر التربوي في الأمة الإسلامية، فقد أرسل الله نبيه محمدًا معلمًا وقائدًا، نذيرًا وبشيرًا، وآتاه الكتاب ومثله معه، قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقد كان صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). وقد أرسى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم دعائم التربية القويمة بهدْيِهِ الربَّاني، فسنَّ لكل مُربًّ أساليب تربوية لا نظير لها، ووضع لبنات المناهج التربوية في الإسلام، قبل أن يصبح علم التربية علمًا قائمًا بذاته، وفيما يلي عرض لبعض الأساليب التربوية النبوية العظيمة. نماذج من الأساليب التربوية النبوية لقد حوت السنة النبوية المطهرة أساليب تربوية رائعة، كالترغيب والترهيب، والقدوة، والدعابة، والألغاز، والثواب والعقاب، والقصص النبوي، وضرب الأمثال، والحوار، وإقامة الحجة، والتذكير بالعاقبة، وغيرها من الوسائل التي ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عليها، وأعرض إن شاء الله تعالى لبعض أساليب التربية في السنة النبوية المطهرة فيما يلي: • التربية بالترغيب والترهيب وهو من أهم وسائل التربية النبوية لما له من وقع في النفوس، وأثر على السلوك، فالنفس فطرت على حب الخير والنعيم، كما جبلت على بغض الشر والعذاب المقيم، وكثيرًا ما تعاهد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالترغيب والترهيب، والشواهد من السنة على ذلك قلَّ أن تحصر، وانظر قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا. فمن علم ذلك لزم الصدق، وترك الكذب. • التربية بأسلوب الألغاز وهو من الأساليب النبوية التربوية المجدية التي كانت تأخذ بألباب الصحابة، وذلك لأنه يربي النفوس ويروح عنها في الوقت ذاته، وقد حدث أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه مرة قائلا: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي. فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبدالله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة». فظاهر من الحديث اهتمام الصحابة وجدهم في معرفة تلك الشجرة، فهو أسلوب تربوي نبوي بالغ الأثر في نفس المتعلم، وأمثلة ذلك في السنة كثيرة. • التربية بأسلوب الحوار وإقامة الحجة وهي من أعظم الأساليب التربوية نتيجة لما فيها من أخذ ورد، ومحاورة للعقل والقلب معا، وما فيها من إقامة الحجة على السامع، وإقناعه بما فيه صلاح حاله، وكما جاء في الحديث «إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه فقال: ادنه فدنا منه قريبا قال: فجلس قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال: أفتحبه لابنتك قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم قال: أفتحبه لأختك قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال: أفتحبه لعمتك قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم قال: أفتحبه لخالتك قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بَعْدُ ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. ثالثاً: سيرة الصحابة وهي الأصل الثالث من أصول الفكر التربوي في الأمة الإسلامية، وذلك لأن الصحابة يمثلون التطبيق العملي للفهم القويم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن ثم فإن تتبع سيرة الصحابة يمثل مصدرًا تربويًا خصبًا لنماذج عملية هي نتاج خير تربية لخير مُعلم عرفه التاريخ، فحياتهم ملأى بالدروس التربوية في شتى المجالات، ولا غرو، فقد أنزل الله فيهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، يبين أن الله راضٍ عنهم، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً), ويأمر باتباعهم في المعتقد, ويحث على لزوم إجماعهم، وقوله: (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، ويتوعد من يخالف سبيلهم، كما في قوله: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً). كما حثت السنة على لزوم سنة الخلفاء الراشدين والتمسك بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين, عضوا عليها بالنواجذ)، وكيف لا وقد حملوا مشاعل الهدي النبوي التربوي، ونشروا العلم الذي بعث الله به رسوله. وكذلك كان الأفاضل من الصحب الكرام الذين أقاموا المؤسسات التربوية في شتى بقاع الأرض، فهذا عبدالله بن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن ومدرسته في مكة، وذاك ابن مسعود ذو الصوت الندي ومدرسته بالكوفة، وذلكم أُبَيُّ بن كعب ومدرسته في المدينة، وغيرهم من السابقين الأولين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.