باب الريان
28 يوليو 2013 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن مما يُتأكَّد اجتنابُه في كل زمان ومكان الحسد؛ إذ هو من الذنوب المهلكات، ومعنى الحسد: أن يجد الإنسان في صدره وقلبه ضيقاً وحرجاً وكراهية لنعمة أنعم الله بها على عبد من عباده في دينه أو دنياه، حتى إنه ليحب زوالها عنه، وربما تمنى ذلك أو سعى في إزالتها، وحسبك بذمه وقبحه أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من شر الحاسد، كما أمر بالاستعاذة من شر الشيطان فقال: «وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ».
والحرص والحسد من مداخل الشيطان إلى القلب، فمهما كان العبد حريصاً على كل شيء أعماه حرصه وأصمه، قال صلى الله عليه وسلم: «حبك للشيء يعمي ويصم». ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطاه الحسد والحرص لم يبصر، فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهواته وإن كان منكَراً وفاحشاً، فبالحسد لُعِن إبليس وجُعِل شيطاناً رجيماً، وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصاب حاجته إبليس من آدم بالحرص، فأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها.
ومن أجل أن الحسد بهذه الدرجة ورد فيه تشديد عظيم، حتى قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد» سنن النسائي / الجهاد.
والذي يجب أن يفهم من هذا الحديث أن الإيمان الصادق الكامل الذي يغضب من فعل الله وقسمته. ويقول صلى الله عليه وسلم في الحسد «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا». والمعنى والله أعلم أنهم إذا تحاسدوا ارتفع الخير منهم،
وكيف لا يرتفع منهم الخير وكل منهم يتمنى أن يزول الخير الذي عند أخيه، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الحسد فقال: «ولا تحاسدوا» والحسد نتيجة من نتائج الحقد وثمرة من ثمراته المترتبة عليه، فإن من يحقد على إنسان يتمنى زوال نعمته، ويغتابه وينم عليه ويعتدي على عرضه، ويشمت فيه لما يصيبه من البلاء، وغير ذلك من الصفات المذمومة التي لا تليق بالإنسان، وكثيراً ما ترى الحاسد ينقِّب عن مساوي المحسود، فيبرزها على صفة الذم والتثريب، فينتبه المحسود لها ويتجنبها،
فيكون السبب في إزالتها عدوه الحاسد كما قال:
عداتي لهم فضل علي ومنة
فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
وفي الغالب أن الحسد يكون بين النظراء والزملاء وأرباب الصناعات والمناصب. وللحسد مراتب:
1 - أن يتمنى زوال النعمة عن الغير، ويعمل ويسعى في الوسائل المحرمة الظالمة، ويسعى في إساءته بكل ما يستطيع، وهذا غاية في الخبث والخساسة والنذالة، وهذه الحالة هي الغالبة في الحساد، خصوصاً المتزاحمين في صفة واحدة، فإن من يربح منهم ربحاً كبيراً أو يظفر بلذة يرقبها غيره فإن ذلك الغير يحسده على ما حصل له من ذلك، ويسعى في حرمانه في ذلك الربح ليظفر هو به، ويكثر ذلك في طلاب المناصب والجاه.
2 - أن يتمنى زوال النعمة ويحب ذلك، وإن كانت لا تنتقل إليه، وهذا أيضاً في غاية الخبث، ولكنها دون الأولى.
3 - أن يجد من نفسه الرغبة في زوال النعمة عن المحسود سواء انتقلت إليه أو إلى غيره، ولكنه في جهاد مع نفسه وكفها عما يؤذي، خوفاً من الله تعالى، وكراهية في ظلم عباد الله، ومن يفعل هذا يكون قد كفي شر غائلة الحسد، ودفع عن نفسه العقوبة الأخروية، ولكن ينبغي له أن يعالج نفسه من هذا الوباء حتى يبرأ منه.
4 - أن يتمنى زوال النعمة عن الغير بغضاً لذلك الشخص لسبب شرعي، كأن يكون ظالماً يستعين على مظالمه بهذه النعمة، فيتمنى زوالها ليريح الناس من شره، ومثل أن يكون فاسقاً يستعين بهذه النعمة على فسقه وفجوره فيتمنى زوال هذه النعمة عنه ليريح العباد والبلاد من شره القاصر والمتعدي، فهذا لا يسمى حسدا مذموما، وإن كان تعريف الحسد يشمله، ولكنه في هذه الحالة يكون ممدوحا لا سيما إذا كان يترتب عليه عمل يدفع هذا الظلم والعدوان ويردع هذا الظالم.
5 - أن يحب ويتمنى لنفسه مثلها، فإن لم يحصل له مثلها فلا يحب زوالها عن صاحبها، فهذا لا بأس به إن كان من النعم الدنيوية كالمال المباح والجاه المباح، وإن كان من النعم الدينية كالعلم الشرعي والعبادة الشرعية كان محمودا،. وفي الحديث: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسُلِّط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» البخاري.
والله تعالى أعلم