واحة النفس

alarab
منوعات 28 يوليو 2012 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
واحة النفس.. صفحة لجميع القراء تعمل على توفير التواصل السريع المستمر ، ومساعدة أصحاب المشكلات على تجاوز هذه الصعوبات . كما أنها تهدف إلى زيادة الوعي النفسي والاجتماعي والتربوي من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والحديثة والمتنوعة . وتتشرف صفحة واحة النفس بالاستفادة من ملاحظات وآراء القراء الكرام في دعم رسالتها ونجاحها . الصيام والصحة لقد أثبت الطب الحديث أهمية الصوم من الناحية الصحية، وأعلن أن كثيرا من الناس الشرهين في الطعام يحفرون قبورهم بأسنانهم وأضراسهم وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا فقال: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإذا كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي. ولقد اكتشفت التجارب الطبية الحديثة أن الصيام له من التأثيرات العجيبة على النفس البشرية، حيث إنه يعمل على زيادة تحمل الأعصاب للصدمات النفسية القاسية رافعا الهمم ومحدثا لدى الأفراد تأثيرات عالية في تقوية الجرأة وتلطيف الجملة العصبية وتنظيم الإفرازات الهرمونية وتهدئة المشاعر النفسية، ويؤدي أيضا إلى الشعور بالانشراح والهدوء والبهجة النفسية. والمدرسة الإسلامية العظيمة هي أول من اكتشفت هذه الحقيقة العلمية قبل الطب الحديث وقبل التجارب العلمية، حيث إن الأشخاص الذين وصفوا بالشراهة المزمنة في تناول طعمهم اليومي تكون أدمغتهم مخدرة عاطلة كسولة وقابليتهم الفكرية متدهورة وهذا ما أعلنه الطبيب العالمي للبشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الغذاء رسالة في الحياة لإدامة الحيوية الجسمية والفعالية وتقوية الجسم للعبادة، وليس لملأ البطن إلى درجة التخمة والتلذذ المفرط والإسراف ونتيجة لهذا الخمول يفقد (عضو الدماغ) قابليته الحيوية على التركيز الذهني والتفكير السليم مما يؤدي به إلى ضعف في حسن التدبير، وعمى في البصيرة فيتحجر الفكر ويقسو القلب ويبتعد عن طريق الجادة فتقل معني التدبير ومشاعر الإيمان عنده. والإسلام دعا إلى عدم الإسراف في تناول الطعام خاصة في هذا الشهر الكريم، لأنه شهر عبادة ومغفرة وتوبة وليس شهرا للموائد وملأ البطون بأنواع الأطعمة، قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف: 31). الصيام يربي في الفرد المسلم الخشونة ويربيه على الجود والكرم والقناعة والرضا بالقليل، رمضان شهر التآخي والألفة وندرة الانفعال والغضب.. وهذا الجو الروحاني الهادئ يترك أثره على فسيولوجية الإنسان مما يؤدي إلى نقصان في إفراز المواد المهيجة والتي قد تؤدي إلى ارتفاع في ضغط الدم. وهذا قليل من كثير من الفوائد الصحية العظيمة التي تعود على الصائم، وعلى ضوء هذا ندرك أن للصيام مكانة عظيمة في الإسلام شأنه في ذلك شأن العبادات والواجبات والأركان الأخرى. إن الإسراف في الأكل يؤدي إلى نتائج خطيرة في الجسم البشري أهمها فقدان عضو الدماغ نشاطه وفعاليته الحيوية وسلبه قابليته الفكرية ومواهبه وقدراته العقلية، ويجذبه إلى دنيا الكسل والجمود والنوم الكثير إلا أن مدرسة الصيام جاءت لتعلم الإنسان كيف يعطي الحق للجسم وللروح، وجاءت هذه الصرخة مدوية في ميادين الصحة وعالم الغذاء، قبل أربعة عشر قرنا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه). والطب الحديث اليوم يوصي باستعمال سلاح الصيام من أجل الزيادة في التركيز الذهني والتعمق الفكري الذي يستوجب حضور الصفاء العقلي والهدوء العصبي، فالصيام يبعث في النفس البشرية المشاعر والأحاسيس المنعشة التي تعطي الفكر طاقة ذهنية عالية، والقدرة على السيطرة والتحكم في ممارسة التركيز الذهني العميق وقوة الذاكرة وحصر الفكر واسع الأطراف في نقاط ومراكز جوهرية ثابتة. والصيام الحقيقي يؤدي إلى تهذيب الفكر والنفس ونيل رضا الله تعالى، ولا بد للمسلم أن يستفيد من الصيام فإنه رياضة روحية يصل إلى ذروة الكمال الجسماني والعقلي. الأخلاق والصوم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور.. ما دمنا في شهر رمضان المعظم، أريد أن أعرف كيف نستطيع أن نستفيد من الصوم من الناحية الأخلاقية، أو بالأحرى كيف يعمل الصوم على إعداد الفرد ويغير من سلوكياته ويربيه التربية الصحيحة، أرجو منكم الإفادة، وجزاكم الله خيرا. أخوكم/ طه. الإجابة/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كل عام وأنت بخير، وأشكرك على تواصلك معنا . اعلم أخي الفاضل أن الصوم مدرسة، يتم فيها إعداد الفرد والأمة معا، وهذه الأمة التي جعلها الله تعالى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وجعلها، أمة وسطا شاهدة على الناس، فمدرسة الصوم جاءت من أجل الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها، ولتتحمل مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك والذي تتناثر على جوانبه الرغبات والشهوات. فالصوم أخي يدرب الأمة على أخلاق المجاهدة الذاتية، فلا يمكن أن نقود الركب ونشهد النهضة الكبيرة والرقي الصحيح إذا كانت البنية النفسية للأمة هشة سهلة الانكسار، ضعيفة الأسس متضعضعة الأركان، ولكن الصيام ينشئ النفوس القوية ويدربها على تحليل وضعيتها وتقويم أحوالها، فإذا وجدت فيها ما هو سيء وغير صالح قطعته وتخلصت منه، وإذا وجدت ما هو حسن عززته وطورته ووسعت أبعاده. ولا يمكن أن نغفل عن الدور الذي يلعبه الصيام في تحصين شباب الأمة وحمايته وحفظه من أنواع المفاسد وجميع تأثيرات المناهج الجاهلية، حيث يعمل على قمع الشهوات وكبح جماح الغرائز، من أجل توجيه هذه الطاقات نحو مجالات الخير وميادين الصلاح. وإن نهضة أمتنا قائمة على أعمال شبابها ونشاطهم المستمر، وهذا لن يكون إلا بتوجيههم والأخذ بأيديهم وتربيتهم عقديا وخلقيا وتربويا واجتماعيا. والأمة التي تربي وتعد أبناءها على طاعة الله والسير الصحيح في درب الحضارة المنشودة، وتحافظ على طاقاتها لكي تنال الرقي والسؤدد في الدنيا، ورضا الله تبارك وتعالى والجنة في الآخرة، والصيام بدوره يعمل على إعداد هذه الأمة من جميع الجوانب، قال صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصوم فإنه لا مثل له) رواه ابن حبان. وبالله التوفيق. الصيام مدرسة تربوية قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183)، وقال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ» (البقرة: 185). إن الصيام مدرسة تربوية إسلامية فيها من القيم النبيلة والدروس النافعة المفيدة للفرد والمجتمع، ولو بحثت في جميع أنحاء الأرض لن تجد مدرسة تجمع بين الدنيا والدين، وبين التعليم والتربية، والتثقيف والإرشاد والتوجيه، وإن وجدتها ألفيت مناهجها التربوية قاصرة لا تفي بحاجات الإنسان الفطرية والنفسية والروحية. وإنك لو بحثت في جميع الدساتير الأرضية فستجدها قاصرة أيضا في التربية والتقويم والإصلاح، وهذا يرجع إلى اعتماد أصحابها على عقولهم القاصرة ومنطقهم المحدود. والله سبحانه وتعالى منحنا دستورا سماويا خالدا ومنهاجا ربانيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فيه كل ما نحتاجه في حياتنا الدنيا، ومصباحا منيرا نهتدي به إلى مرضاة الله تعالى، وفيه سعادتنا في الدنيا والآخرة. وبما أن هذا القرآن الكريم نزل في شهر رمضان شهر التوبة والغفران، فأردت أن ألقي الضوء على بعض من المعالم التربوية التي تزخر بها مدرسة الصيام. ويعتبر الصيام أحد ينابيع السعادة الروحية، وطريق تزكية النفس وتطهيرها والسمو بها إلى مدارج الكمال، وإبعادها عن الركون إلى الدنيا والتمسك بها. والإنسان كما نعلم مادة وروح، فالمطالب المادية لها اعتبارها وقيمتها تبعا لخصائص جسم الإنسان الذي خلقه الله تعالى، فأبدع صنعه وأودع فيه دوافع وقوى وطاقات وحاجات، ينبغي على المسلم أن يضعها في الحسبان ويعطيها في الحسبان ويعطيها أهميتها. وللمطالب النفسية والروحية شأن عظيم ومكانة عالية إذ هي التي تحدد خصائص شخصية الإنسان وصفاته السلوكية ومظاهر حركته الاجتماعية، وأنماط تفاعله مع الناس. والصيام باعتباره وسيلة تربوية إسلامية تؤدي دورا مهما في إعلاء شأن الروح، كي تكون في مقامها الصحيح، الذي هو مقام القيادة والإشراف والتوجيه. فالصوم مدرسة تربوية للأمة لتقرير منهج الله تعالى في الأرض ولتستعلي على ضرورات الجسد كلها، ولتحتمل مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك، والذي تتناثر على جوانبه الرغبات والشهوات. وهو أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فالصوم لا مثل له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له» رواه مسلم. والصوم كفارة للخطايا، قال صلى الله عليه وسلم: «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» رواه البخاري. ويكفي الصائم تشريف الله والملائكة بالصلاة عليه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يصون على المتسحرين». والصوم نجاة من النار، قال صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض»، وهناك باب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخلوا أغلق.