«أم هانئ» أُسري بالرسول من بيتها

alarab
باب الريان 28 يوليو 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
أكرم الإسلام النساء بأن حفظ عليهن حقوقهن ومكانتهن، ومن أكثر النماذج التي أظهرت ما يمكن أن يكون للمرأة من مكانة في الإسلام بل وعند النبي حامل هذه الرسالة الصحابية الجليلة أم هانئ. تأخر إسلام «أم هانئ» -واسمها فاختة- حتى يوم الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، إلا أنها لم تكن ممن صد أو حارب الدعوة إلى الإسلام، أو حتى ممن عارض رسول الله –صلى الله عليه وسلم– بل كانت تكن له كل احترام وتقدير. كانت زوجا لهبيرة بن عمرو الذي ظل على شركه وولدت له أربع صبيان، وهي بنت فاطمة بنت هاشم التي ولدت جميع ولد أبي طالب، أي أن أم هانئ أخت كل من علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب، كانت فصيحة اللسان وصاحبة شعر بليغ، واشتهرت منذ الجاهلية بأنها تجير الخائف وتفك العاني والأسير، وحين جاء الإسلام حفظ للمرأة جميع حقوقها وصان كرامتها فأجاز لها إعطاء الأمان للرجل والرجلين، فحين نزل الرسول إلى أعلى مكة أجارت أم هانئ –رضي الله عنها– رجلين من أحمائها حكم عليهما بالقتل، فقبل النبي –عليه الصلاة والسلام- إجارتها. وروت أم هانئ هذه الحادثة قائلة: لما نزل رسول الله بأعلى مكة فر رجلان من أحمائي –من بني مخزوم-، فدخل علي أخي علي بن أبي طالب فقال: والله لأقتلنهما فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فقال: «مرحبا وأهلا يا أم هانئ ما جاء بك؟»، فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي –أخي– فقال: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ، وأمنا من أمنت فلا يقتلهما». وهذه الواقعة دفعت بالصحابة لاحترام وإجلال أم هانئ وإدراك مكانتها في إجارة الملهوف. مكانة فريدة حظيت أم هانئ بمنقبة تفردت بها عن سائر الصحابيات، وهي صلاة رسول الله –صلى الله عليه وسلم– في بيتها يوم الفتح، هذه الصلاة التي سميت صلاة الفتح واتخذها الصحابة سنة من بعده، حيث كان أمراء الإسلام إذا فتحوا حصنا أو بلدا، صلوا عقيب الفتح هذه الصلاة اقتداء برسول الله –صلى الله عليه وسلم– فلما فتح خالد بن الوليد –رضي الله عنه– الحيرة صلى الفتح ثماني ركعات. فالروايات تشير جميعها إلى أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم– دخل يوم الفتح دار ابنة عمه أم هانئ فاغتسل، وصلى ثماني ركعات وكانت ضحى. ومن دلائل مكانتها في قلب رسول الله –صلى الله عليه وسلم– ما أخبرنا به هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس قال: خطب النبي إلى أبي طالب ابنته (أم هانئ) في الجاهلية وخطبها هبيرة بن أبي وهب، وبن عائذ بن عمران بن مخزوم فتزوجها هبيرة، فقال النبي: «يا عم، زوجت هبيرة وتركتني». فقال: يا بن أخي، إنا قد صاهرنا إليهم والكريم يكافئ الكريم. ثم أسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، فخطبها رسول الله إلى نفسها فقالت: والله إن كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام، ولكن أم هانئ رفضت لأنها أما لذكور وتكره أن يؤذوا النبي. فقال لها رسول الله: «خير نساء ركبن المطايا نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده». وحضرت أم هانئ يوم خيبر فأطعمها رسول الله أربعين وسقاً. كان الرسول كثيراً ما يزور أم هانئ في بيتها خاصة بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها. ولها موقف آخر مع رسول الله يدل على منزلتها لديه، إذ أكل من طعامها وامتدحه فقد ورد أنه –صلى الله عليه وسلم– قال لها: هل عندك من طعام نأكله؟ «قالت ليس عندي إلا كسر يابسة، وأنا أستحي أن أقدمها إليك، فقال: هلمي بهن» فكسرهن في ماء وجاء بملح فقال «هل من أدم؟» فقالت، ما عندي يا رسول الله إلا شيء من خل. فقال: هلميه، فصبه على الكسر وأكل منه ثم حمد الله، ثم قال: «نعم الإدام الخل، يا أم هانئ لا يفتقر بيت فيه خل». أما الحدث العظيم الذي سيظل التاريخ يذكر أم هانئ به، أن أكرمها الله سبحانه وتعالى حين أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من بيتها، وكان قد صلى فيه العشاء، وأسري به ثم عاد وصلى الفجر، ولما أراد أن يخرج ويخبر قريشاً بقصة إسرائه، قالت له: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، ولكنه خرج عليه السلام وحدث قومه عن ليلة الإسراء وما حدث له فيها. روت أم هانئ عن الرسول –صلى الله عليه وسلم (46) حديثا، وحدث عنها عدد كبير من كبار التابعين والزهاد والعلماء ومنهم: عبدالرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير وآخرون.