من مفاتيح تدبر القرآن الكريم النية الخالصة (1)
باب الريان
28 يوليو 2012 , 12:00ص
سعيد محمد عزيز الجناحي •
سبق وأن ذكرت لكم أحبتي القراء المفتاح الأول لتدبر القرآن الكريم، وهو محبته وتعظيمه، والشوق إليه، وأما المفتاح الثاني المعين على تدبر القرآن وتفهمه فهو النية والقصد، فإن لها تأثيرا عظيما فيما يحصله القارئ من قراءته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن تدبر القرآن طالبا الهدى منه تبين له طريق الحق»، وقال القرطبي: «فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يجب، وجعل في قلبه نورا».
ولو سألت بعض الناس لماذا تقرأ القرآن الكريم؟، لكان الجواب لا يخرج عن أمرين: إما طلبا للثواب، وإما تثبيتا لما حفظ من حروف الكتاب، ولنِعمَ النيةُ هذه النية، ولكن ثمة ما هو خير من ذلك، وهي نوايا خمسة، معينة بإذن الله على تدبره وفهمه، وهي: (العلم، والعمل، والمناجاة، والثواب، والشفاء).
فالقرآن فيه علم الأولين والآخرين كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، وكان السلف ينهلون مما فيه من العلم النافع، فعن مسروق الأجدع قال: «مَا نَسْأَلُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَّ علمنا يَقْصُرُ عَنْهُ»، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: «لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ولَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا أَمْرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ، وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ»، وقال أحمد أبي الحواري رحمه الله: «إني لأقرأ القرآن وأنظر في آية فيحير عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه، وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا»، والعلم الذي ينبغي أن يقصده القارئ هو العلم بالله واليوم والآخر، العلم المورث للخشية والانكسار، والذل والاستغفار، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا»، وإنما يتحقق هذا المقصد بمراجعة القرآن في مواقف الحياة، والبحث عن حكمها في القرآن، وتأمل كيف أن الصّديق رضوان الله عليه استحضر قوله تعالى: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم»، وكيف ذهل غيره عنها، يتبين لك أهمية الرجوع للقرآن في مواقف الحياة، ومما يحقق هذا المقصد العظيم الدعوةُ إلى الله تعالى بالقرآن، ووعظ الناس به، وإحياء القلوب بمواعظه، يقول مالك بن دينار: «ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ فإن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض»، ومما يحققه تغيير السلوك وتزكية النفوس وتهذيب الأخلاق به، كما قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ».
ونتم بقية المقاصد الشريفة في تلاوة كلام الله تعالى في مقالات أخر بمعونة الله وتوفيقه.