محمد رشاد الشريف.. صاحب الصوت الحزين والقلب الرقيق
الصفحات المتخصصة
28 يونيو 2016 , 12:03ص
احمد عبد الحليم
هو الشيخ محمد رشاد عبدالسلام عبدالرحمن الشريف، ابن مدينة خليل الله إبراهيم، أحد أشهر قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي، الذي عُرف بجمال صوته وتعدد مواهبه.
الشيخ محمد رشاد الشريف، من مواليد مدينة الخليل الفلسطينية عام 1925م، ويصل نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب بن فاطمة الزهراء رضي الله عنهم.
انتقل إلى الأردن عام 2002 حيث يعيش حاليا.
عائلته
لدى الشيخ الشريف من الأبناء خمسة: محمد رفعت، يوسف، الشيخ معروف، سيد قطب، إمام، الذي استشهد في عام 2001 وهو في الخامسة والعشرين من عمره، عندما اغتالته القوات الإسرائيلية بعد خروجه من صلاة الجمعة في مدينة الخليل. وللشيخ أبيات رقيقة في رثائه يقول فيها:
يا رب صـلِّ عليهم وارحم الشُّهدا..
وارحم «إماماً» لنا في دمه القاني
هـذي الـشهـادة تـكـريمٌ لنا ولهُ..
ربِّ ادخرها لنا في يومنا الـثـانـي
رحلته مع القرآن
بدأ الشيخ رحلة تعلم القرآن الكريم وتجويده في سن مبكرة، وأتقن تلاوة القرآن وهو ابن ثمانية عشر ربيعا، وتأثر في أدائه بقراءة إمام المقرئين في عصره الشيخ الراحل محمد رفعت.
وقد قرأ على الشيخ حسين أبو سنينة الخليلي، فأجازه بروايتي حفص عن عاصم وورش عن نافع من طريق الشاطبية.
وقد استمع إليه مفتي الخليل الشيخ عبدالله طهبوب في عام 1941م، فأعجب به وأرسله إلى الإذاعة الفلسطينية بمدينة القدس؛ ليستمع إليه «أهل السماح»، وكان من بينهم الشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان، فوافقوا على قراءته.
في عام 1966م، عُين الشيخ رشاد الشريف قارئاً للمسجد الأقصى، وكان يقرأ فيه جمعة بعد جمعة؛ لأنه كان أيضاً يقرأ في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
أسلوبه في التلاوة
على مستوى الأسلوب الفني للترتيل، يُلاحظ وجود تشابه كبير في الصوت والأداء بين الشيخ محمد الشريف و «شيخه الروحي» محمد رفعت، الذي استمع إليه في عام 1943 فشهد له بذلك، من خلال الرسالة التي بعث بها إليه ويقول فيها: «إني أستمع إلى محمد رفعت الثاني من فلسطين».
تسجيله للمصحف
عند انعقاد المؤتمر الإسلامي في جدة عام 1980، كُلف وزير الأوقاف الأردني الأسبق كامل الشريف، باستدعاء الشيخ محمد رشاد الشريف إلى عمَّان لتسجيل القرآن كاملاً بصوته، وانتهى منه عام 1984، ليوزع في سائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد قامت وزارة الأوقاف الأردنية بتوزيع نسخ من هذا المصحف على كثير من ضيوف الأردن من العلماء والمسؤولين.
وقد جرى حديثاً إصدار مصحف المسجد الأقصى المرتل بصوته، والذي سُجل بدار الإذاعة الأردنية، وسُمي «المصحف الهاشمي المرتل لبيت المقدس».
تعدد مواهبه
أكرم الله عز وجل الشيخ محمد الشريف بتعدد المواهب، فقد كان قارئاً وأديباً وشاعراً وخطاطاً، وله في كل منها ميزة خاصة؛ فبالنسبة لفن الخط، فهو يُتقن خطوط الرقعة والثلث والفارسي.
أما الشعر، فقد بدأ بنظمه في عام 1937م، وله عدد كبير من القصائد يقارب المائة، وله ديوان لم يُطبع بعد، نظراً لتركيزه على علوم القرآن المتعددة.
وللشيخ الشريف قصيدة بعنوان «المعلم»، يقول في مطلعها:
يا شمعةً في زوايا الصف تأتلق.. تُنير درب المعالي وهي تحترق
وقد فضَّل النقاد هذه القصيدة على القصائد التي نُظمت في هذا الباب، ويقال إنها فاقت قصيدة أحمد شوقي الشهيرة عن المعلم.
وللشيخ أبيات رائعة وجهها لعائلته الأشراف في إحدى المناسبات يقول فيها:
لـمـا الـتـقـيتُ بأحبابي وإخوانـي..
فاضت بوابل دمع العين أجـفـاني
فـإن بُـعـدهـــم عـنــي يـؤرقنـي..
عـلـى فِـراش تـبـاريـح وأشجانِ
لا لا أبـيـع بـمـلء الأرض من ذهـب..
أبناء عمي وأحـبـابـي وأقــرانـي
لــولا حـوادث أيــامٍ تــطـالـعـنـا..
لَمَا نسيتُ الذي بالغيب ينساني
وكـيف أنـسـى ريـاض الـحـب عابقة..
بـعـرف ود وإيـثـارٍ وإحـسـانِ
تقرُّ عـيـنــي ويرتـاح الـفـؤاد لـهـم..
فـلـيـس يُضمر سـوءاً والـدٌ ثــانِ
ولغزارة علمه وسعة اطلاعه، قام بتأليف كتاب اللغة العربية للصف الأول بتكليف من وزارة التربية والتعليم الأردنية، واستخدم في كتابه خط الرقعة.
تدريسه للقرآن وعلومه
تشرف الشيخ محمد الشريف بتعليم اللغة العربية والقرآن وعلومه في جامعة الخليل ودور القرآن لأكثر من ثلاثين عاما، وخرَّج الكثير من الحفاظ والمتقنين للتلاوة، منهم ابنه الشيخ «معروف» إمام مسجد الملك عبدالله الأول في عمَّان، ومؤذن الأذان الموحد، وهو حاصل على شهادة الماجستير في علوم القرآن.
وقد عُين الشيخ الشريف في وظيفة المرشد العام من قبل وزارة الأوقاف، للإشراف على دور القرآن الكريم بالخليل.
آخر الرؤوس التي تعتمر الطربوش
رغم اندثار اعتمار الطربوش، إلا أن الشيخ محمد رشاد الشريف الذي تجاوز التسعين عاماً، هو أبرز معتمري الطربوش على الإطلاق في فلسطين.
يقول الشيخ عن سبب تمسكه حتى الآن بارتداء الطربوش: «اعتمرت الطربوش منذ عام 1943، كان عمري آنذاك 18 سنة، ومنذ ذلك الحين وأنا أرتديه، ولم أفكر في استبداله.. لأنني أراه أجمل ما يوضع على الرأس، خصوصاً أنه يذكرني بالسلطان عبدالحميد الثاني».
قالوا عن الشيخ:
«إذ تستمع إلى شيخنا الخليلي مقرئ الأقصى محمد رشاد الشريف في عمَّان، وهو الذي قرأ القرآن في الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل عشرات السنين، تقول له -وقد قلتها في بيته أيضا-: إن كل الحزن في صوته، من حزن الأقصى.
ما سر هذا الحزن يا شيخنا، لولا أن صوتك يشرب من نبع الأقصى الحزين».
الصحافي ماهر أبو طير، جريدة الدستور
«فضيلة الشيخ محمد رشاد الشريف من أهل القرآن، ومن الذين أحيوا لنا صوت شيخ المقرئين محمد رفعت. الشيخ محمد رشاد الشريف يملك الصوت ويملك القلب مثل الشيخ محمد رفعت، فهو من العلماء الربانيين، من المؤمنين الصالحين، ولا نزكي على الله أحداً، من الذين يعيشون القرآن، خلقاً وسلوكاً وتربية وجهاداً وصبراً ومحاسبة».
أ.د إبراهيم زيد الكيلاني وزير الأوقاف الأردني السابق
«عندما دخلنا غرفة الشيخ حفظه الله، (وكان مريضاً بأحد مستشفيات عمَّان)، تقدمنا سماحة المفتي الشيخ عبدالكريم الخصاونة حفظه الله تعالى، وقد بادر إلى مصافحة الشيخ محمد رشاد وقبَّل يده، وكلنا اقتدينا به فقبّلنا يد الشيخ، وهكذا يُفعل بحمَلة كتاب الله الذين هم أهل الله وخاصته.