إذا أقسم الله بشيء فهو ينبهنا إلى أهميته في حياتنا

alarab
باب الريان 28 يونيو 2015 , 07:26ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
بداية تفسيرسورة القلم :
{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}:
{ن} بدأت السورة بحرف النون، وهو من الحروف المقطعة، التي يبدأ بها كثيرٌ من السور المكية والمدنية.
والقرآن الكريم أحيانًا يذكر حرفًا واحدًا فقط في أول السورة، مثل: {ق} و{ص} و{ن}، وأحيانا حرفين مثل: {طه}، و{يس}، و{طس} و{حم}. وأحيانًا يذكر القرآن ثلاثة حروف مثل: {الم}، و{الر}، و{طسم}. وأحيانا أربعة حروف مثل: {المص}، و{المر}. وأحيانا خمسة حروف مثل: {كهيعص}، و{حم * عسق}، هذه كلها حروف مقطعة بُدئتْ بها بعض سور القرآن الكريم.
وليست {طه} ولا {يس} من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما يظن بعض النَّاس، وإنما هما حرفان، مثل {طس} تمامًا، مجرَّد حرفين، (الياء والسين)، و(الطاء والهاء)، كلها حروف.

الراجح في الحروف المقطعة:
اختلفت أقوال العلماء في هذه الحروف المقطَّعة، وأرجح الأقوال أنَّها: إشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، فهذا القرآن الذي يتكوَّن من هذه الأحرف العربية التي تنطقون بها هو الذي أعجزكم، ولم تستطيعوا أن تأتوا بمثله، ولا بعَشْر سُور من مثله، ولا بسورة من مثله، مع أن هذا القرآن مُكوَّن من هذه الحروف، التي تستخدمونها في لغتكم وكلامكم وخطبكم وأشعاركم.
ولكن يبقى شيء يقول فيه العلماء: الله أعلم بمراده. مثلًا: لماذا اختار لسورة حرفًا، ولسورة أخرى حرفين، ولسورة ثالثة ثلاثة أحرف، ولسورة رابعة أربعة، ولسورة خامسة خمسَة، ولماذا كانت هذه {ق} ولم تكن {ص}؟ أو العكس؟ المهم سيظل هناك قدر نعجَز عنه ونقول فيه: الله أعلم بمراده.

القسم بالقلم والكتابة:
{وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}: القلم هو الأداة التي يكتب بها الناس، وهو الذي تنتقل به العلوم والآداب، والثقافات والمعارف، من جيل إلى آخر، ومن أمَّة إلى أخرى. والظاهر: أنه جنس القلم، أداة الكتابة المعروفة، عظَّمه الله تعالى حين أقسم به في هذه السورة من كتابه.
ولله تعالى وحده أن يقسم بما شاء من خلقه؛ ليدلهم على ما فيه من مزايا وفوائد، قد يغفل عنها الكثيرون، وقسمه بالقلم هنا تأكيد لما جاء به أول سورة أنزلت على محمد من القرآن. وهي قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5].
ففي هذه السورة (ن) قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على قيمة ما أنعم به عليهم من نعمة الكتابة، التي ينال بها العلم والمعرفة، ولولاه ما انتقلت معارف الأمم والأجيال بعضها إلى بعض.
{وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} أقسم الله بالقلم، وإذا أقسم الله بشيء فذلك لينبهنا إلى أهميته وخطورته في حياتنا في ديننا وفي دنيانا. قالوا: وأقسم الله بالقلم، لما فيه من البيان بالكتابة، كما أنعم باللسان لما فيه من البيان بالنطق، ولهذا قالوا: القلم أحد اللسانين. قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:3-4]. وقال أبو الفتح البُستي يفضل القلم على السيف:
إذا أقسمَ الأبطالُ يومًا بسيفهم وعدُّوه ممَّا يُكسِبُ المجدَ والكرمْ
كفى قلمَ الكتاب عزَّا ورفعةً مدى الدَّهرِ أنَّ اللهَ أقسمَ بالقلم
وللشعراء أبياتٌ كثيرة في تفضيل القلم على السيف، وإن كان أبو تمام يقول: السيف أصدق إنباء من الكتب!
وأهم علم يكتبه هذا القلم هو القرآن الكريم، أعظم وأفضل وأزكى ما يتعلم البشر وما يعلمونه للناس؛ لأنه يمثِّل علم الله تبارك وتعالى، ولذلك روى البخاري عن عثمان مرفوعًا: «خيركم مَن تعلَّمَ القرآن وعلَّمه»( ).
ولهذا رد القرآن على المشركين الذين زعموا أن القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هو {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} فرد القرآن آمِرًا إيَّاه أن: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:5-6].
و{وَمَا يَسْطُرُونَ} هنا تشير إلى تسطير الوحي وحفظه في السطور، كما حُفِظ في الصدور؛ لأن العلماء قالوا: غالبًا ما تقرن الحروف المقطعة في القرآن بذكر القرآن أو ما يدل عليه، فممَّا سطره القلم: الوحي، انتقل إلينا القرآن بواسطة القلم، وانتقلت إلينا علوم الأمم بواسطة القلم، عن طريق الكتابة، لذلك يقولون: العلم صيد والكتابة قيد، ورُوِي في بعض الأحاديث: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أسمع منك ثم أنسى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «استَعِنْ بِيَمِينك». وأوْمَأ بيده إِلى الخط( )، يعني: اكتب ما تسمع. كما قال بعض السلف:
العلمُ صيدٌ والكتابةُ قَيْدُه قَيِّد صيودَك بالحبال الواثقهْ
فمن الحماقة أن تصيدَ غزالةً وتفكها بين الخلائق طالقه
فاربط العلم وقيِّده بالكتاب وبالقلم. ومن الدلائل على أهمية القلم: أن أول آيات نزلت من القرآن العظيم ذكرت القلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5]، وهذا دليل على أهمية القلم.
الآن نرى القلم تطوَّر، القلم صار مطبعة، فالمطبعة الآن هي قلم العصر، والمطبعة تطورت وأصبحت شيئًا هائلًا، هذا كله قلم، ليس ضروريًّا أن القلم هو ما كنَّا نكتب به قديمًا في اللوح في (الكُتَّاب) قلم من (البُوص)، هذا كان قلم الزمن الماضي، لكنه تطور فصار قلمًا من الرصاص، ثم قلم من (الكوبيا)، ثم قلمَ حبرٍ، ثم صار مطبعة، ثم صار شبكة اتصالات معلوماتية هائلة، كل هذا قلم، وحينما يقسم الله بالقلم، يقسم بأدوات نقل المعرفة من الناس بعضهم إلى بعض، هذا كله داخل في هذا القسم، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}
وقوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ}: إشارة إلى أن الذين يكتبون بالقلم يكتبون في سطور، فهم يكتبونه كتابة منتظمة في سور وآيات.
والضمير (واو الجميع) في قوله: {يَسْطُرُونَ} مفهوم من ذكر القلم وما يوحى به من كاتبين مختصين بالكتابة به، وبدون ذلك لا فائدة للقلم.
و(ما) في قوله: {وَمَا يَسْطُرُونَ}: موصولة أو مصدرية. أي: ومسطوراتهم، أو: وسَطْرهم. ويراد به: كل من يسطر. وهم أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره.
وأحسب أن القلم المعروف للناس هو المراد في هذه الفترة الأولى من الوحي، حيث لم يَشِع القلمُ بالمعاني الأخرى، ولكن مفهومه يتضمنها.
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}:

اتهامات المشركين للنبي:
كان من الحملة الظالمة القاسية الجائرة التي حملها المشركون على محمد صلى الله عليه وسلم: أنهم اتَّهموه بعدَّة اتِّهامات، اتَّهموه بالجنون، وبالسحر، فقالوا عنه: إنه ساحر، وما جاء به سحر. كما حكى الله عن أحد المشركين: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر:24]. وأحيانًا يقولون عنه: إنه كاهن. وأحيانًا يقولون: شاعر. كما في قول الله في أواخر سورة الحاقة: {وَمَا هُوبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة:41-42]، وأحيانًا يخلطون بين الأقوال، وينتقلون من تهمة إلى تهمة، ولا يثبُتُون على شيء؛ لأنه لا دليل لديهم على ما يقولون، كما قال الله تعالى في سورة الأنبياء: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُو شَاعِرٌ} [الأنبياء:5].
فكان ممَّا اتَّهموه به: (الجنون)، وقد أورد القرآن بعض أقوالهم في هذا، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصَّافات:36]، {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَومَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الحجر:6-7].

يتبع غداً إن شاء الله