يوسف زيدان: الثورة المصرية «فلتة» لن تتكرر ثانية في التاريخ الحديث

alarab
ثقافة وفنون 28 يونيو 2011 , 12:00ص
القاهره - محمد طارق
هو متخصص في التراث العربي المخطوط وعلومه. له العديد من المؤلفات والأبحاث العلمية في الفكر الإسلامي والتصوف وتاريخ الطب العربي. وله إسهام أدبي يتمثل في أعمال روائية منشورة، كما أن له مقالات دورية وغير دورية في عدد من الصحف المصرية والعربية. إنه المفكر المصري الكبير يوسف زيدان الذي أخرج العديد من المؤلفات في مجالات متعددة يتصل جلها بالتراث العربي. وتتوزع أعماله على فروع التصوف الإسلامي والفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم العربية (بخاصة الطب) والنقد الأدبي وفهرسة المخطوطات العربية. تتركز أعمال زيدان في موضوع التصوف الفلسفي في مرحلة النضوج، وهو أحد أكثر مباحث التصوف الإسلامي تعقيدا، نظرًا لتواشجه بالعديد من الأفكار والمذاهب الفلسفية؛ لذا نجده يكتب عن الشيخ الأكبر ابن عربي كتابه «شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي»، ثم يتناول عبدالكريم الجيلي في «عبدالكريم الجيلي فيلسوف الصوفية» و «الفكر الصوفي عند عبدالكريم الجيلي» ثم يتناول عبدالقادر الجيلاني في «ديوان عبدالقادر الجيلاني» و «عبدالقادر الجيلاني باز الله الأشهب». وتمثل هذه المؤلفات التيار السائد في تأليف زيدان فيما يتعلق بالتصوف، فمؤلفاته أقرب إلى التصوف الفلسفي من فروع التصوف الأخرى. لكن زيدان أثار عاصفة من الجدل عندما صدرت روايته «عزازيل» التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) والتي أغضبت الكنيسة القبطية المصرية. وتدور أحداث (عزازيل) في القرن الخامس الميلادي بين صعيد مصر ومدينة الإسكندرية المصرية الساحلية وشمال سوريا من خلال الراهب هيبا الذي عاصر بعض الأحداث في تاريخ الكنيسة المصرية. ووصف البعض اختيار المؤلف تلك الفترة الزمنية بأنه مثير للجدل لكن زيدان يقول إن التاريخ ملك لكل باحث أو أديب «ولا تملك مؤسسة دينية أن تصادر حق إعادة النظر في أحداث قديمة لا تسيء بالضرورة إلى الحاضر». «العرب» التقت الدكتور يوسف زيدان الذي تحدث عن الربيع العربي خصوصا الثورة المصرية وغير ذلك من الموضوعات فكان هذا الحوار..  كيف ترى الثورة المصرية؟ - الثورة المصرية «فلتة» لن تتكرر ثانية في التاريخ الحديث، وعبقرية تلك الثورة تكمن في أنها بلا رأس أو قائد لأنها لو كانت كذلك لقام (الرئيس المخلوع حسني مبارك) بالقضاء على قائدها دون الحاجة لمسيرات ومظاهرات تطالب بإسقاط النظام. وهو ما طالبت به ليبيا واليمن وسوريا حيث إن الدافع يعتبر واحدا لتلك الثورات وهو التوريث والعدالة الاجتماعية. معمر القذافي لن يرحل من ليبيا وعلي عبدالله صالح لن يترك اليمن؛ لأنهما يضعان دائما الثورة المصرية نصب أعينهما، ويخشيان أن يطالب شعبهما يوما ما بمحاكمتهما مثلما فعلنا نحن مع مبارك، لذلك يلجؤون للقضاء على أي احتجاجات في بدايتها. أيدت الثورات العربية منذ انطلاقها وشاهدت بعض الحكام العرب الذين آذوا شعوبهم بسبق لم يشهد التاريخ مثله من عمليات تخريب ممنهجة في تدمير للبنية الأساسية والشباب والمدن؟ أشعر بحزن شديد للحالة التي وصلت لها ليبيا من تدمير يحتاج ربع قرن للإصلاح، فليبيا مجتمع قبلي يقتل بعضه بعضا. وأخشى أن تتحول إلى عراق جديد. الفترات الثورية تبدأ مثل كرة الثلج حتى إذا وصلت إلى القاع كان دويها هائلاً.  هل تؤيد إطالة أمد الفترة الانتقالية التي يتولى فيها الجيش إدارة شؤون مصر؟ - على الشعب تقديم المساعدة للجيش ليعود سريعا لثكناته لكثرة الضغوط القائمة وتأمين الحدود المصرية؛ حيث فتحت جبهة جديدة في ليبيا.. وبالتالي على الجيش النهوض سريعا؛ لأنه لا يملك ترف الوقت، كما أن المدنية مفسدة للعسكرية. مصر بحاجة لنظام ليبرالي، والديمقراطية التي قامت الثورة لتحقيقها ليست وصفة ولكنها ممارسة، والمرشحون للبرلمان على خلفية دينية لن يحققوا النهضة التي نطمح لها، لأننا شعب متدين بالفعل ولكن ينقصنا أشياء أخرى. فالمصريون تعلموا في ثلاثة أشهر منذ اندلاع الثورة على مستوى الوعي السياسي ما لم يتعلموه في ثلاثين عاما قبلها.  قلت إن الدولة العلمانية «كلام فاضي» وإنه لا بد من تدخل الدين بالسياسة. فما رأيك في التيارات السياسية ذات المرجعية الدينية؟ - إن الجماعات السياسية ذات الخلفية الدينية تحمل بين طياتها بذور انشقاقها وتنازعها الذي لا يلبث أن يصير حرباً بين أتباع هذه الفرق والجماعات، كما أن خطورة التحرك السياسي على خلفية دينية تتمثل في عدم رؤية أي وجه من وجوه بقاء المخالفين، ويرى أصحاب تلك الرؤى أن وجهات نظرهم دائما هي الصواب ومن دون ذلك على خطأ. الاتجاهات الدينية الإسلامية والمسيحية من أخطر الأشياء على مصر لأنهم يظنون أن وجهة نظرهم هي الصحيحة. أي ناخب يعطي صوته لمرشح يأتي على خلفية دينية سيدمر البلد، فنحن لا ينقصنا الدين، والمسألة العقائدية من وجهة نظري في مصر تمثل خطرًا كبيرًا لا يقل أهمية عن المخاطر الخارجية المحيطة بنا، وذلك لأن أثر النزاعات العقائدية وخطورتها يكمن في الناس أنفسهم الذين تستجيب وتستمع للشيوخ والقساوسة الذين يعطون النصائح والإرشادات من أماكنهم داخل الكنائس والمساجد.  ما تقييمك للشحن الذي حدث إبان الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مصر مارس الماضي من زاوية المادة الثانية التي تتحدث عن دور رئيس للشريعة الإسلامية في التشريع؟ - المادة الثانية من الدستور المصري والتي تنص على الاعتماد على مبادئ الشريعة الإسلامية كأحد مصادر التشريع،» ما هي إلا مجرد شعار ناس «بتاكل بيه عيش». تطبيق الشريعة الإسلامية الآن، يعد أمرا صعبا للغاية، فلما لم نطبق الشريعة ونقيم الحدود منذ 1400 عام. فكيف لنا أن نفعل ذلك الآن؟ وهناك فارق بين الدين والحكمة والفلسفة.. الدين يقوم على العقيدة، أما الحكمة والفلسفة فيستندان على العقل والمنطق وكلام ابن رشد عن أن الاثنين شيء واحد «كلام فاضي».  إذن فلماذا أيدت ارتباط الدين بالسياسة وقلت إن العلمانية خرافة؟ - العلمانية وهم كبير، فلا يمكن تصور مجتمع إنساني لا يتخذ موقفاً سياسياً من الدين، بالقبول أو الرفض.. ولا يمكن تخيل ديانات من دون جماعة إنسانية، أو بعيداً عن مجتمع له سياسة محددة.. فكيف يمكن الفصل بين الدين والسياسة. وعلى الذين يتوهمون إمكانية ذلك ويعتقدون أن أوروبا والغرب المعاصر فصل بينهما، لا يرون الأمر الصحيح. فالذي فعله الغرب، هو القضاء على فكرة توظيف الدين سياسياً، لكنه لم يرفض الدين كما يظن العلمانيون في بلادنا، لقد تم الفصل بين الدين والاستخدام السياسي للدين، وبين السياسة التي تتأسس على الحق الإلهي وليس على العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين. أما طبيعة المجتمع العامة، فقد تمازج فيها الدين والسياسة بشكل إنساني نراه في المظاهر والمناسبات الاجتماعية كالأعياد ذات الأصل الديني، والاهتمام بالبابوية والأديرة وإظهار الاحترام المتبادل بين السياسيين ورجال الدين.  ما أوجه الاشتراك بين التيارات الإسلامية والمسيحية في مصر خصوصا بين أهل السنة والأرثوذكس كما ذكرت في كتاب اللاهوت العربي؟ - توجد أوجه تقارب كبيرة. وظهرت قبل ثورة 25 يناير. تتفق فيها السلفية مع الأرثوذكسية مثل عدم جواز الخروج على الحاكم، وهو ما اعتبره مقدمة للفوضى التي تضر بصالح البلاد، كما ارتبط السلف بالشكل الخارجي للصحابة من خلال إطلاق اللحية وارتداء الجلباب، وكذلك ارتداء المسيحيين للون الأسود الذي ابتدعته الدولة الفاطمية، وكلاهما يعتقد جزماً أنه صاحب الفكر السليم، كما يتكئ كل منهما على الفعل السياسي فيتجه الدين من علاقة بالله إلى نمط تدين محدد يجمع بين الدين والدنيا. وقد ذكرت في كتابي أن ملامح الفكر السلفي واحدة، وآليات العمل فيه واحدة. سواء تسمى ذلك بالأرثوذكسية أي «الإيمان القويم» أو بالسلفية أو بأي اسم آخر، علماً أنني لا أُدين هذه الاتجاهات في حد ذاتها، وإنما أوضح اقترانها واجتماعها على محاولة العودة للجذور الأولى، والاعتماد على فهم واحد للنص الديني، أما التدين فهو يختلف من شخص لآخر حيث يفهم كل فرد الدين كما يقرأه ويعتقد أنه هو الصحيح، ويتعامل بالتالي على أساس فهمه له. والذي يدفع ثمن ذلك البسطاء من الناس، بينما يجني زعماء المذهب الخيرات.  ما رأيك فيما يسمى بحوار الأديان؟ - أنا أرفض مصطلح «حوار الأديان» فلا يوجد ما يسمى بذلك، علينا التركيز على قضايانا الأهم مثل تحسين اقتصادنا وتقليل عدد الفقراء في مصر، والبعد عن العقائد.. هل لا زلنا نناقش إلى الآن حفظ الله تعالى للقرآن؟ هذا كلام منتهٍ ومحسوم منذ زمن بعيد فلا داع لتكراره. أكثر فترات قوة الدولة الإسلامية هي التي ظهر فيها الشعراء المارقون والمفكرون من مسلمين ومسيحيين. كان ذلك في زمن ازدهار الدولة العباسية ولم تتأثر العقائد لأنه حين تزيد قوة الدولة تزيد حكمتها، وحين تكون ضعيفة تكون أكثر استثارة.  أكدت أن القرآن هو الحل لإشكاليات الديانات السابقة عليه. في الوقت نفسه الذي اتهمت فيه العاملين بمقارنة الأديان بأنهم تحولوا للدفاع كل عن دينه. فهل تخشى أن يتم انتقادك لنفس السبب؟ - حاولت بقدر الطاقة أن أقدم رؤية موضوعية لليهودية والمسيحية والإسلام، باعتبارها ديناً واحداً له تجليات ثلاثة، ومن هذه الزاوية رأيت أن القرآن قدم حلاً مقبولاً للإشكال المسيحي «العويص» بخصوص مفهوم الإله، مثلما كانت المسيحية محاولة لحلِّ الإشكال التوراتي المتعلق بصورة الله والأنبياء في اليهودية، ولم أطرح ذلك باعتباره «مقارنة» للأديان، وإنما في سياق التواصل العقائدي في منطقة الهلال الخصيب، أي الشام والعراق، وأصدائه في المنطقة الجغرافية العقائدية المسماة بالعالم القديم.