«حرب الفجار » تهدد مكانة مكة السياسية والاقتصادية

alarab
باب الريان 28 مايو 2017 , 12:02ص
احمد حافظ
لم يقدس المجتمع المكي أياماً كما كان ينظر إلى الأشهر الحرم، التي نظر إليها نظرة يحافظ فيها على مصالحه الاقتصادية العليا، وسيادته السياسية المطلقة على سائر القبائل؛ فمكة هي طريق التجارة العالمية في هذه البقعة من العالم آنذاك، وأي تهديد سياسي يمثل تهديداً لتدفق الحجيج عليها، ومن ثم توقف الرافد الرئيسي لمواردها.
كانت حرب الفجار من هذا النوع من التهديد الذي شهدته مكة قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمره بين 14و15 عاماً، أي في حداثة من السن، وسميت حرب «الفِجار»، لأنها وقعت في الأشهر الحرم، وما استحل فيها من حرمات مكة المقدسة عند العرب.
ونُسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه شهدها مع أعمامه، حيث كان ينبل لهم، أي يجمع النبال المتساقطة حولهم، ليردوها على عدوهم، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «كنت أنبل على أعمامي». ويضعف بعض الدارسين هذه الرواية، ويقولون إنها لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم إن كانوا يضعفون رواية مشاركة النبي فيها، فإن هذه الحرب كانت خبرة سياسية للنبي في مقتبل حياته، ووقف خلالها على تفاصيل حرب وقعت في حرمات مكة، وفي الأشهر الحرم، وبين قبائل عربية يتهدها جميعاً انفضاض الناس عنهم، وضرب الحركة التجارية التي تمدهم جميعاً بأسباب البقاء، وتحفظ لهم سلطاتهم الدينية والسياسية على سائر القبائل في شبه الجزيرة العربية.
وهي الحرب نفسها التي تدفع مجموعة من قريش -بعد ذلك بسنوات معدودة- إلى عقد حلف سياسي يسمى «حلف الفضول»، وتعاهدوا فيه بحفظ الحقوق، وإقامة العدل، ورد المظالم، وأصدروا وثيقة بذلك تضمن حقوق الإنسان في أي مكان، ومهما كان نسبه. وهو الحلف الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عنه: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت».
ويرجع السبب في هذه الحرب إلى أن جمالاً تحمل تجارة للنعمان بن المنذر، وأجارها عروة الرحّال بن عتبة بن هوازن إلى سوق عكاظ، فاعترضه البرّاض بن قيس بن كنانة، وقال: أتجيرها على كنانة؟ فقال: نعم، وعلى الخلق. فخرج بها عروة، وقتله البراض، فاقتتلا الحيان (كنانة وهوازن)، وعاونت قريش كنانة، ووقعت بعض أحداث هذه الحرب داخل الحرم، واستحلوا مقدساته.