الإثنين 28 رمضان / 10 مايو 2021
 / 
07:18 ص بتوقيت الدوحة

تتذكر صيام أول يوم بحياتها في حرارة ملتهبة ومدرسة بلا «مكيّف».. د. هدى النعيمي.. صاحبة وجهين لعملة واحدة

شريف عبد الغني

الأربعاء 28 أبريل 2021

ليلة «القرنقعوه» كنا نغني للجيران.. وننتظر حفنة حلوة ومكسرات نعود بها وكأنها كنز عثرنا عليه 
 الفكرة الشائعة عن غياب الاهتمام بالثقافة عن «مجتمعات الوفرة الخليجية» ظالمة
لا أخرج من شخصية إلى أخرى.. فأنا «نفسي» التي تحاضر في العلوم التطبيقية البحتة وأنا «نفسي» صاحبة الخيال
لا أنسى أول معلمة طلبت منا أن نزور مكتبة المدرسة.. وأختي وراء شغفي بالقراءة
 

الدكتورة هدى النعيمي تضعك في حيرة عند تقديمها؛ إذ كيف يمكن اختصار مشوارها الحافل بالتحديات والنجاحات في سطور معدودات. هي بالتأكيد ليست شخصية عادية، إن شئت المبالغة يمكنك أن تصفها بـ «الاستثنائية»، ولو أردت الدقة فقل إنها «غير» بحسب تعبير إخوتنا وارد لبنان.
د. هدى صاحبة وجهين، تجمع بين الحسنيين... العقلية العلمية وروح الأديبة.
في كلا الوجهين أنتجت وتفوقت وأبدعت وتفردت، إذ بعد حصولها على بكالوريوس علوم تخصص فيزياء من جامعة قطر، ولّت وجهها شطر «هبة النيل»، وعادت بماجستير في الفيزياء النووية، من جامعة عين شمس العريقة، لكن هذه الشهادة المرموقة لم تروِ عطشها للعلم، فندهتها النداهة مرة أخرى إلى مصر، وهذه المرة إلى جامعتها الأم فتعبت وكدّت لتحصل على دكتوراة في الفيزياء الحيوية الطبية من جامعة القاهرة، ومن ثم بدأت مشواراً عملياً ناجحاً في خدمة الوطن كواحدة من كوادره المخلصات، خطوة تجرها إلى خطوة حتى وصلت حالياً إلى منصب مديرة إدارة السلامة والصحة المهنية بمؤسسة حمد الطبية.
قبل هذا وبعده كافأتها السماء لتتوج رحلتها العلمية بتكريمين يزيّنان تاجها بعقود من نور وذهب ولؤلؤ، فهى أول شخصية تفوز بالميدالية الذهبية في الفيزياء الطبية في قطر من المعهد الدولي للهندسة والفيزياء الطبية في بريطانيا، إضافة إلى جائزة الدولة للعلوم الطبية المساعدة.

الوجه الآخر لها هو الكاتبة الأديبة المبدعة الناقدة، وما بين مجموعتها القصصية «المُكحلة»، وانتهاء بـ «قمط» العنوان الذي صدر لها مؤخراً، ويضم مجموعة قصصية تتحدث عن حكاياتها نفسها مع مجلات الأطفال التي أثرت فيها في مراحلها الأولى، ثم عاودت قراءتها مجدداً بوعي مختلف بعد تجربة إنسانية خاصة... بين هذا وذاك العديد من المؤلفات الأخرى المميزة التي جعلت منها «أنثى» -اسم مجموعتها القصصية الثانية- تدخل في زمرة من يحملن مشاعل التنوير في الخليج من صلالة جنوباً، إلى الجهراء شمالاً.
صدفة جمعتني بها مؤخراً، بعد كلمات منها عكست ملامح وجهيها العلمي والأدبي، تبادر إلى ذهني تساؤل ربما يشغل بال كثيرين لا يعرفون عن الخليج وقطر سوى أنها بلاد «نفط وغاز» ونمط استهلاكي لا أول له ولا آخر، ولا يُنتج مبدعين، إذن إنها فرصة د. هدى أن توضح أو تصحح أو تعدل هذه الفكرة.
 سألتها: في بلد ثري ومجتمع يصنف ضمن مجتمعات «الوفرة»، والفكرة الشائعة عن مثل هذه المجتمعات هي غياب الاهتمام بالإنتاج الثقافي... كيف ولدت لديك هذه الثنائية المدهشة... «العقلية العلمية» التي تُرجمت إلى منصب مرموق... ثم «الروح الأدبية» التي ظهرت في كتابات وإبداعات مهمة؟
د. هدى لم تختلف فقط مع هذه الفكرة، وإنما نسفتها ورأت فيها ظلماً لـ «مجتمعات الوفرة» هذه، وأوضحت: الناظر إلى تاريخ خليجنا العربي، يجد اهتماماً متميزاً بالعمل الثقافي ما قبل طفرة النفط في ستينيات القرن الماضي، وهناك أسماء كثيرة وكبيرة انشغلت واشتغلت وأبدعت بالأدب والفن، والبعض منها بالموسيقى والطرب في مجتمع كانت لقمة العيش همه الأول وشغله الشاغل، ولست هنا لسرد أسماء بعينها، ولكن دول المنطقة كلها لها رجال -وقلة من النساء لاعتبارات اجتماعية- حملت الهم الثقافي، وكتبت في التاريخ والسياسة وكل فنون الأدب من شعر إلى نصوص أدبية مثل الرواية، فلما جاءت طفرة النفط اهتمت دول المنطقة بالفنون والآداب مع انتشار المدارس النظامية ثم الجامعات، فزاد الوعي، وزاد الاهتمام، وزادت الرعاية الرسمية للثقافة، وبدأ ذلك بظهور وزارات للثقافة في كل دول المنطقة تقريباً.
 هذا يعرفه -والكلام ما زال على لسان د. هدى النعيمي- كل من اقترب من المنطقة، أو عرف البعض عنها ومنها، وأما من حالت المسافات بينه وبين التعرف على الثقافة الخليجية، فربما ظل أسير فكرة مشوّشة مفادها أن الترف الاقتصادي يقلل من الاهتمام بالثقافة بشكل عام، وهذا غير صحيح، ولولا اهتمام بلادي بالجانب العلمي والجانب الثقافي، ما تمكنت من التخصص العلمي حتى ما بعد الدكتوراة، إضافة إلى إنتاج أعمال أدبية وثقافية متواضعة بحسب ما يتيحه لي الوقت، وبحسب ما تترك لي الوظيفة والأعباء الحياتية من مجال للإبداع الأدبي، وأتمنى أن أترك بصمة حقيقية في المجال العلمي الذي تحصصت فيه والمجال الأدبي الذي أحببت.
 
المزج بين عالمين 

 توضح صاحبة الدراسة الأدبية «عين ترى» -نقد انطباعي حول السرد والشعر والمسرح- جعلني أطلب توضيحاً آخر: ما ذكرته عن الوضع العام بالمنطقة، لكن بخصوصك أنت... معروف عن العقلية العلمية التركيز والاختصار واستخدام الخطوط المستقيمة بين أي نفطتين سواء في العمل أو الحياة... لكنك في المقابل كاتبة تملكين ناصية اللغة، وأحياناً يخوض الكاتب أو الأديب في بحر الكلمات ويعرج بين المرادفات لإيصال فكرته... كيف تمزجين بين هذا «الاختصار والتركيز» في حياتك العلمية، وذاك «اللفّ والدوران» في اللغة المحبب لكثير من الكتّاب... بمعنى آخر هل هدى النعيمي عندما تكتب تخلع «الثوب العلمي»؟
أجابت: أظن أنني أنا «نفسي» التي تحاضر في العلوم التطبيقية البحتة، وأنا نفسي عندما أكتب خيالاً أتصوره حقيقة مجسدة أمامي، لا أظنني أخرج من شخصية إلى أخرى، ولا أحاول المراوغة في الكتابة أو أن أتخذ اللفّ والدوران، ولن أرهق من يقرأ لي بالدوران في دوائر فارغة ومتاهات، فالقارئ أذكى من أن تتلاعب به الكلمات، فأنا أكتب القصة القصيرة، وهذا فن أدبي عرف بالكثافة والاختصار أيضاً، والوصول إلى هدف محدد من خلال فكرة تتكثف في صورة أو مشهد، والنظريات العلمية عبارة عن فكرة تتكثف من خلال الافتراض ثم التجربة ومن ثم الاستنتاج، لا أدعي هنا التفريق بين منهج البحث العلمي، ومنهج الكتابة الأدبية فهما من أرومة واحدة، ولكنني لا أجد نفسي مقسمة بين هذا وذاك، وإنما أجد أن مبدأ التكثيف يصل بالباحث إلى عمل علمي ترضاه نفسه، ويصل بالكاتب إلى عمل أدبي يرضي القارئ.

أختي... ومعلمتي
 لأن شكل البدايات غالباً ما ينعكس على مشوار الحياة، لذا قلت للدكتورة هدى: في طفولتك... من أثّر في شخصيتك وجعلك على ما أنت عليه الآن؟
- سريعاً عادت بذاكرتها إلى سنوات الدراسة الأولى، وردت: ليس من السهل تحديد شخصية بعينها، أستطيع أن أقول إنها أثرت في شخصيتي، ولكن أول معلمة طلبت منا أن نزور مكتبة المدرسة، بالتأكيد كان لها أثر شديد الإيجابية على ذاتي، فالقراءات الأولى كان لها تأثير السحر، ومكتبة المدرسة كانت تشبه مغارة علي بابا في ذلك الحين، حتى كبرت المغارة مع مكتبة الجامعة ثم ما تلاها من مكتبات.
وأردفت: وبالعودة إلى سؤالك حول من أثّر في تكويني الذي تراه اليوم، أظن الأخوات ممن سبقنني إلى المدرسة كان لهن هذا الأثر، فقد كنت أنظر إلى كتبهن المدرسية بشيء من الغيرة، ثم أرى قلماً تكتب به أخت كلمات ثم تعيد قراءتها لي، مما كان له وقع التحدي في انتظار اليوم الذي أدخل فيه أنا أيضاً عالم المدرسة والكتاب، وأما الكتب التي كانت تأتي بها أختي إلى البيت كهدية للتفوق أو للانتظام، فقد كانت الجائزة الأولى التي انتظرتها حتى جاءت بعد ذلك، أظن أن أختي -سواء تدري أو لا تدري- كانت بوابة لهذا الشغف الذي بدأ مبكراً بالقراءة... ثم بالكتابة.
 
 ومن الكاتب الذي شدّك لأول مرة للخط بالقلم وجعلك تتمنين أن تكوني مثله؟

- في الحقيقة إن كل كاتب تقرأ له يترك أثراً ما في ذوقك الأدبي، وتشكيلك الثقافي فيما بعد، ولذلك يصعب أيضاً تحديد من هو صاحب البصمة الأولى على التكوين الأدبي، لكنني سأحاول الإجابة على جزئية السؤال حول من هو الذي أتمنى أن أكون مثله، فذلك يوسف إدريس، ملك القصة القصيرة في عصره، كاتب قصة قصيرة ورواية ومسرح، سياسي منذ شبابه الأول، ولم يتناقض ذلك مع كونه كاتباً، بل إنه بالكتابة استطاع أن يعلن آراءه السياسية، وكل ما يؤمن به من أفكار ومعتقدات.
وتواصل: أعجبت بكتابات يوسف إدريس، خاصة القصة القصيرة منذ تعرفت عليها في مكتبة المدرسة في المرحلة الثانوية، فرحت به أكثر عندما عرفت أنه طبيب، ومارس مهنة الطب لسنوات، كان خلالها كاتباً وسياسياً، ومؤثراً في المجتمع على عدة أصعدة، وكتابات يوسف إدريس ما زالت تثقب ذاكرتي كلما هممت بكتابة قصة ما، وكلما فكرت في الكتابة المسرحية.
 
 لنعد إلى وجه د. هدى الأول... ماذا يعني لها كونها أول شخصية تفوز بالميدالية الذهبية في الفيزياء الطبية في قطر من المعهد الدولي للهندسة والفيزياء الطبية في بريطانيا؟ إضافة إلى جائزة الدولة للعلوم الطبية المساعدة في قطر؟
سألتها... وأجابت:
جائزة الدولة تحمل اسم بلادي، وهي أكبر تكريم على المستوي المحلي، واعتراف جميل بالمشوار العلمي الذي خضته عبر السنين، ويكفي أن يكون حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني هو من يكرم الحاصلين عليها؛ لتعرف مستوى وحجم الجائزة، واهتمام هرم الدولة ممثلاً في سمو الأمير بالمسيرة العلمية لأبناء البلد، ولذا فإن الجائزة شرف لي، ووسام على صدري، وقد وضعتني في قائمة واحدة مع عدد من العلماء والمبدعين القطريين ممن حصلوا على نفس الجائزة قبلي، ولي الشرف أن أنتمي لهذه القائمة التي تعبّر عن نخبة المعطائين لبلد معطاء مثل بلدي.
أما الميدالية الذهبية في الفيزياء الطبية -تضيف د. هدى- فهي منافسة دولية سنوية، وتذهب في كل عام إلى أحد العلماء حول العالم، وقد تقدمت للسباق العلمي وأنا على ثقة بالقدرة على مناطحة الآخرين من كل دول العالم، فنحن في المنطقة والعالم العربي، لا ينقصنا ما يجعلنا نتخلف عن المنافسة، فقط نحتاج الثقة بالنفس والاعتزاز بالذات والهوية، وبهذا ذهبت للتنافس، وكان لي نصيب الحصول على الميدالية كأول من يحصل عليها في الشرق الأوسط، وهذا فخر لي ولبلادي التي هيأت لي السبل -كل السبل- للارتقاء في التحصيل العلمي، ومن ثم التفوق في مجال البحث العلمي، إن الميدالية الذهبية هديتي لبلادي، بل هي أقل ما أقدمه لاسم قطر... بكل فخر واعتزاز.
‏ 
 «المكحلة» و»أنثى»... ماذا تمثلان لكِ؟
 «المكحلة» هي الطفل الأول، فرحة الكاتب الأولى بكتاب يحمل اسمه وفكره وكلماته الأولى، بالطبع لم تكن المكحلة تحمل كتاباتي الأولى، فقد سبقها الكثير الذي لم أكن أرضى عنه، ولم أتمنَّ أن يصل للقارئ كي لا يقترن اسمي إلا بكتابة تحمل الرضى النفسي ليصل الرضى إلى القارئ، فكانت المكحلة مجموعة قصصية أخرجتها خلال دراستي العليا في القاهرة، وكان لها اثر جميل في الاحتفاء بها في القاهرة من خلال عدد من الندوات والجلسات النقاشية التي أُعدّت لها، حملت لي «المكحلة» فرحة الكاتب الأولى، وأوصلت اسمي للقارئ ككاتبة كما تمنيت لنفسي ذات يوم قديم، بل إنها مهّدت لي الطريق لأكتب المقال الأدبي في الصحف المحلية القطرية، ثم في صحف عربية متنوعة، «المكحلة» كانت مفتاح عالم الصحافة الثقافية، ثم جاءت مجموعتي القصصية الثانية «أنثى» لتعزز هذا الدور، ولتقول بصوت عالٍ، أنا امرأة عربية، أكتب قصصاً من عالمي العربي وأقدمها رسالة للقارئ العربي.

عطونا... الله يعطيكم
 
طفولتك وقراءاتك في صغرك تقودنا إلى رمضان عند «الطفلة هدى»... كيف كان؟

- للحقيقة، لم يكن يميز رمضان بالنسبة للقراءة سوى قراءة القرآن الكريم، بعض آيات من المصحف الشريف تكفي خاصة في أيام الإجازة الأسبوعية، يوم الجمعة، وباقي الأسبوع مفعم بالمهام الدراسية والواجبات، صباحاً ومساء، ويكون الصوم عملاً إضافياً في رمضان، في رمضان مناسبة حلوة في منتصفه وهي ليلة القرنقعوه، ليلة واحدة في العام، نحمل فيها أكياساً من القماش، ونغني للجيران أغنية القرنقعوه التي لا تزال بلحنها الجميل ثابتة في الذاكرة، نغني الأغاني للجيران في الحي، وننتظر حفنة من الحلوى والمكسرات لنعود بها إلى المنزل، وكأنها كنز عثرنا عليه بعد شقاء البحث عنه، ليلة القرنقعوه لا تضاهيها مناسبة أخرى خلال العام، فإذا كان العيد يمر في العام مرتين، فإن القرنقعوه لا تمر إلا مرة واحدة، فلنا أن نفرح بها منذ مغيب الشمس، وحتى ترتخي الجفون الصغيرة من النعاس بعد تعب الغناء يصوت عالٍ يسمعه الجميع:
قرنقعوه قرنقعوه... عطونا الله يعطيكم... بيت مكة يوديكم.
 
 هل تتذكرين تفاصيل أول يوم تصومين فيه؟
- نعم، أذكر ذلك اليوم الصيفي الحار الذي أصررت فيه على أن أصوم كامل اليوم، وليس إلى منتصف النهار كما اقترحت أمي -رحمها الله- أصررت بعناد الطفولة أن أكمل صيام اليوم المدرسي الطويل، لم تكن الفصول المدرسية مكيّفة الهواء كما هي اليوم، والحر الشديد يسبب جفافاً وعطشاً شديداً، ولكنني حرصت -ربما لتقليد أمي وأبي وأخواتي- على الصيام، وربما أردت أن أثبت أنني قد صرت كبيرة مثلهم، ورغم الحر والعطش أكملت صيام يومي، ومع أذان المغرب، كنت أجلس بالقرب من خزان الماء البارد، لا أذكر كم كأساً من الماء شربت مع رفع الأذان، وأذكر أنني شبعت من الماء والرطب فقط، لأعود إلى الصيام في اليوم الثاني.
 
 أخيراً د. هدى... المثقفون والكتّاب والفنانون والمبدعون بشكل عام يمثلون أحد أهم عناصر ومكونات ما يُعرف بـ «القوة الناعمة» للمجتمعات... ماذا تتمنين من الدولة بهذا الشأن؟

- كثيراً ما نطالب المؤسسات الرسمية بالاهتمام بالكتّاب والمثقفين والمبدعين، كثيراً ما نحمّل الدولة ومؤسساتها المسؤولية عن النقص في هذا وذلك، وكثيراً ما نرى أن المؤسسات لا تقدم ما يكفي من الرعاية للمبدع بشكل عام، ولا أتكلم هنا عن قطر فقط، ولكن أتحدث بشكل عام، فلا يخلو بلد من مطالبات في هذا الشأن، وهي مطالبات مشروعة لا خلاف على ذلك، ولكن الخلاف دوماً على كيفية تقديم الاهتمام، هل بزيادة المؤسسات الثقافية الرسمية؟ أم بزيادة مخصصاتها المالية؟ أم بتخصيص الجوائز للكتّاب والشعراء؟ وكل هذه المنافذ قد قدمتها دول عربية كثيرة ومنها قطر بالطبع، وما زلت أظن أن هناك من يطالب بالمزيد، ولا نستطيع أن نقول: «يكفي»، ولكن للحق أقول: إن الكاتب أو المبدع يحتاج من القارئ والمتلقي رعاية أكثر مما يحتاجه من الدولة أو المؤسسات الحكومية أو الرسمية، الكاتب يحتاج الاقتراب من جمهور القراء، ولذا فإن أكثر ما يمكن أن تقدمه الدولة للكاتب، أن تقربه من القارئ، في المدرسة أو الجامعة أو بين العموم، ولذلك وسائل تختلف من مكان إلى آخر، وعلى المؤسسة الرسمية أن تبحث عنها وتحاول تطبيقها في المجتمع، فيكون الكاتب والمبدع حامداً شاكراً.
وعند تمنيها من المؤسسة الرسمية البحث عن وسائل مساعدة الكاتب في الوصول إلى القارئ انتهى الحوار، ربما يكون حوارنا المقبل بعد أن تتحقق أمنيتها، ليكون عنوانه وقتها «د. هدى النعيمي.. الحامدة الشاكرة»!

«قمط».. ورسالة شكر ووفاء 

 عن كتاب د. هدى النعيمي الأخير البديع «قمط» الذي أعادني نفسي إلى عالم الطفولة وبدايات التكوين المعرفي الثقافي. قلت لها: من أين جاءتك فكرة استحضار روح مجلات الأطفال التي قرأتها في صغرك لتقديمها في شكل قصصي بهذا الكتاب؟ هل هو حنين للماضي.. أم رغبة في إثراء الساحة بمثل هذه المجلات في 
زمن الإنترنت والنمو الرهيب 


للتكنولوجيا التي أطاحت في طريقها بما تربى عليه جيلك؟ 
 قالت: مهما قرأنا من كتب وروايات وأقاصيص، ومهما تجمعت على أرفف مكتباتنا أطنان من كتب التراث، والمراجع المتنوعة والمترجمات، مهما استحضرنا ثقافات من مختلف بقاع العالم، تبقى تلك المجلة التي فرحت بقراءتها، أو تملكها يوماً ما، تبقى تلك الفرحة راسخة في النفس لا تهزها المشاعر الأخرى، ولا حتى كتاب أول يحمل اسمك.
وأضافت: كغيري بقيت تلك المجلة، سواء «لولو الصغيرة» أو «أسامة» أو «العربي الصغير»، بقيت حاضرة معي، لم يختفِ أبطالها من أمامي، حتى وأنا في ذلك المكان من العلوم، أو في هذا المكان من الكتابة الأدبية، تبقي مجلة الطفل الذي كنته أنا وأنت ذات يوم، تلك المجلة لم تختفِ، وهؤلاء الأبطال مثل «تان تان» أو «سمير» يصاحبون مسيرتنا، ربما دون أن نشعر، وكل ما في الأمر أنني استحضرت هؤلاء مرة أخرى، في كتاب (قمط – قصة مجلة طفل). تستطيع أن تقول إنه إعادة للقراءة الأولى، قراءة ذات القصص المصورة بروح اليوم والشخصية التي صرت عليها اليوم، لأسأل ماذا تعني لي سندريلا اليوم؟ وهل قد كنت أنا تلك السندريلا التي قرأتها في المكتبة الخضراء؟ استحضرت كل أبطالي بالمس، والحقيقة أنهم ليسوا أبطالي أنا، وإنما أبطال جيل أو أكثر، تأثر بالمجلة المصورة، وعايش شخصياتها قبل أن تغزو حياة أطفالنا تكنولوجيا اليوم، تأثرنا بالمجلة المصورة، وكان لها الفضل في اتساع مساحات الخيال لدى جيل وأكثر.
تستطرد د. هدى: ربما يكون (قمط) رسالة وفاء لهؤلاء الرجال، والنساء اللذين قدموا الكثير لمجلة الطفل في ذلك الزمن، لكننا لم نكن نعلم من وراء كواليس المجلة، هؤلاء يستحقون وساماً، هؤلاء الذين كتبوا القصة والشعر، ورسموا للطفل ما جعل منه اليوم شخصية مسؤولة، لقد استحضرت كل الأبطال الخيالي منها والحقيقي التي ربما ظلت مجهولة لنا لسنوات.. لأقول باسم ذلك الطفل: شكراً لكم.

_
_
  • الظهر

    11:30 ص
...