آلاف من كل الفئات يرتادون الكورنيش مع تحسن الطقس واعتدال الحرارة
تحقيقات
28 مارس 2014 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
في الصباح الباكر، وعلى أحد المقاعد بكورنيش الدوحة بإطلالته المميزة جلس زوجان مسنان يتأملان البحر ويتحدثان سويا قبل أن يتمشيا بخطوات وئيدة؛ لم يمنعهما تقدم السن من الاستمتاع بنسمات الصباح المنعشة واستنشاق الهواء النقي المحمل بالأوزون ورائحة البحر وإيقاع أصوات رقيقة لموجه الهادئ، وكي تحلو النزهة أحضرا بعض العصائر والمأكولات الخفيفة والحلوى التي تناولاها خلال نزهتما الصباحية..
هكذا يبدو كورنيش الدوحة لعشاقه من كل الأعمار والأجناس، فكما يستمتع الشباب بممارسة الرياضة والنشاط البدني يمارس الكهول التمشية لمسافات طويلة، فيما يحظى الأكبر عمراً والمسنون بجلسات هدوء واستجمام لا تضاهى، أما الصغار فالكورنيش الذي يخلو من الألعاب الخاصة بهم هو برغم ذلك مكان استثنائي بالنسبة لهم؛ فهم يشاهدون البحر ويلهون على الحشائش ويتسابقون على أرضه، وربما يتوقفون بعض الشيء لممارسة بعض التمرينات الرياضية على الأجهزة الموجودة في بقع مختلفة من الكورنيش، فهم في فترة المساء غالبية مستخدميها.
هنا على كورنيش الدوحة تجد من يرتدي الملابس الرياضية، بينما تمارس المرأة رياضتها بانتظام دون أن تضطر للتخلي عن عباءاتها ونقابها أو زيها الإسلامي، التغيير الوحيد يكون في نوعية الحذاء الذي تم استبداله بآخر رياضي أو على الأقل مريح.
ليل ونهار
على كورنيش الدوحة وخلال فترتي المساء والصباح رصدت «العرب» آراء عدد من رواد الكورنيش، الذي يبدو ليلا مكتظاً ورافعاً لافتة «كامل العدد»، ورغم ذلك لا زال فاتحاً ذراعيه للمزيد من الرواد، بينما طوال النهار ومهما اختلفت درجات الحرارة لا يخلو من زيارات عشاقه، لكن المحظوظ من يأتي مع أول خيوط النهار لينعم بالطقس المعتدل وبشائر الصبح التي لا تضاهى.
ففي الصباح الباكر يأتي إلى الكورنيش الراغبون في ممارسة الرياضة قبل الانطلاق إلى أعمالهم، أو السيدات غير العاملات الراغبات في ممارسة رياضة المشي وبعضهن يحضرن بصحبة الأطفال الرضع يدفعونهم في العربات المخصصة، ولا يخلو الأمر أيضاً ممن أتوا إلى هنا فقط من أجل اقتناص لحظات هدوء وصفاء مع النفس أو بصحبة أناس أعزاء لديهم. مشاهد كثيرة يمكن أن تلحظها، فهذا الرجل الأوروبي جاء حاملا إفطاره وقهوته لتناولهما بينما يطالع مياه الخليج الهادئة، وهذا آخر جاء بعدة التصوير الاحترافية لالتقاط بعض الصور لصباح جديد ليضيفها إلى ألبومه الخاص، وهناك من جلست تتأمل صفاء المياه وتنعش حواسها بنسمات الصباح العليلة بينما تضع سماعات هاتفها الجوال في إذنيها لتستمع إلى ما يحلو لها ويضاعف من جمال لحظتها الخاصة.
فوائد متعددة
برفقة ابنتها الرضيعة «تقوى» كانت الأم تمارس رياضة المشي على الكورنيش بخطوات متسارعة رغم أنها كانت تدفع صغيرتها النائمة في العربة، قالت الأم إنها وضعت مولودتها منذ 3 أشهر فقط، وبسبب الحمل والولادة زاد وزنها بعض الكيلو جرامات فضلا عن الترهلات «بعد الولادة نصحتني الطبيبة بممارسة الرياضة ولو المشي، ولأن ابنتي صغيرة لا يمكنني تركها والتوجه إلى أحد الأندية أو صالات اللياقة البدنية، لذا فكرت في التمشية المنتظمة على الكورنيش ولو لـ5 أيام في الأسبوع، والحمد لله أنا منتظمة منذ 3 أسابيع في ذلك، خاصة أن الطقس جيد باستثناء الأيام القليلة التي شهدت العواصف الترابية فلم أخرج فيها خوفاً على مولودتي، وأشعر بتحسن كبير ليس فقط من ناحية الوزن والجسم لكن نفسياً أشعر بسعادة كبيرة وارتياح خلال التمشية، حيث أضع السماعات وأفتح الجوال على إذاعة القرآن الكريم وأستمتع بسماع القرآن أو الأدعية والأحاديث وغيرها خلال تمشيتي والمهم أنني أعرض طفلتي لأشعة الشمس بعض الوقت وهذا أمر مهم للغاية للحصول على فيتامين (د) من مصدره الطبيعي الأول وهو الشمس. فالتمشية على الكورنيش كلها فوائد وإن شاء الله أحافظ عليها باستمرار طالما سمح وقتي بذلك، وحتى الآن هو كذلك فزوجي يتوجه إلى عمله مبكراً وكذلك ابناي الأكبر سناً يذهبان إلى المدرسة، وبعد الانتهاء من التمشية التي قد تستغرق من ساعة ونصف إلى ساعتين -حيث أحياناً أجلس لأطالع البحر فهو متعة في حد ذاته- أعود إلى البيت لمتابعة مهامي المنزلية وتجهيز الطعام لأسرتي».
عباءة وكوتشي
العباءة السوداء مع الحذاء الرياضي منظر يبدو مألوفاً على الكورنيش، فارتداء الملابس التقليدية أو الملتزمة لا يعني الحرمان من ممارسة الرياضة، هكذا قالت لنا سهيلة، وهي طالبة جامعية تدرس إدارة الأعمال «أحب جداً ممارسة رياضة المشي، ولأنني أسكن بالقرب من الكورنيش أحرص على الحضور إلى هنا كلما سنحت لي الفرصة، أحياناً أحضر قبل التوجه إلى الجامعة أو في الأيام التي لا يكون فيها دراسة، وفي الغالب أحضر إلى هنا في فترات بعد الظهر أو المساء مع تحسن الطقس، أحياناً أكون بمفردي وأخرى مع والدتي أو أخواتي البنات لو لم يكن مشغولات وأحياناً مع بعض الصديقات»، وتتابع «بالفعل هذه العادة أثرت في حياتي بشكل كبير فأنا أشعر أنني أفضل حالا في كل النواحي الصحية والنفسية، فالمشي له فوائد لا تحصى وأنا أحاول أن أجعله جزءاً من أسلوب حياتي». وتؤكد الفتاة أنها لم تتعرض لأي مضايقة تذكر خلال تمشيتها حتى بمفردها «الحمد لله بلدنا آمن وكل فرد سواء مواطن أو مقيم في حاله، فلا أحد يتعرض لأحد، كما أنني لا أتيح أي فرصة لهذا فأنا ارتدي العباءة الفضفاضة والشيلة وبالتالي فلا توجد أي فرصة لمن يضايقني، وانظري إلى الكورنيش ستجدين عليه الكثير من مرتديات العباءة سواء مواطنات أو مقيمات، فالعباءة لا تمنعنا من ممارسة الرياضة وبالتحديد المشي فهي لا تعيق الحركة ولا تضايقنا، وتحتها يمكن أن أرتدي الملابس القطنية والرياضية التي تشعر الجسم بالراحة خلال الرياضة، إلى جانب حذاء رياضي ويحبذا لو كان مخصصاً للمشي لأنه سيعطي راحة كبيرة للجسم خلال التمشية».
رياضة إضافية
على الأجهزة الرياضية الموجودة بطول الكورنيش في مناطق مختلفة منه كان مبارك إسماعيل يلعب على أحد الأجهزة المختصة بتقوية الساعدين، بعد أن قام بعدة تمرينات أخرى من دون استخدام الأجهزة «اعتدت القدوم إلى هنا 3 مرات أو أكثر في الأسبوع قبل التوجه إلى عملي، وفي بعض الأيام خلال فترة المساء حسب ظروفي وارتباطاتي، والمكان هنا جميل للغاية ومميز، والأجواء بشكل عام تكون مناسبة لممارسة الرياضة ورفع اللياقة البدنية فضلا عن تخفيف الوزن، فأنا خلال هذه الفترة أتابع مع أحد اختصاصي التنحيف، والذي نصحني بضرورة ممارسة الرياضة مع نظام الأكل الذي أتبعه، ولأن وقت عملي لا يسمح لي بالانتظام في أحد الأندية أو مراكز اللياقة البدنية فضلت ممارستها قدر المستطاع على الكورنيش، وحتى من دون الحمية وهدف تخفيف الوزن أرى أن الرياضة ورفع اللياقة البدنية للجسم خاصة لنا نحن الشباب ضرورية في كل الأوقات، فالحياة التي نعيشها الآن مرفهة للغاية بطريقة لا تسمح لنا ببذل أي جهد مطلوب، فالسيارات توصلنا لباب المكان الذي نريده، والمصاعد تنقلنا بين الأدوار، والخادمة في المنزل تقوم بالحركة نيابة عنا، وبالتالي قلت اللياقة البدنية وزادت نسبة السمنة في المجتمع بشكل كبير، لذا من الضروري أن ننتبه إلى ما نقوم به قبل فوات الأوان، وأنا والحمد لله انتبهت في وقت لم يكن متأخراً كثيراً، فالوزن الزائد لدي لا يتعدى السبعة كيلوجرامات، لكن مع ذلك قررت التوقف أمامها والتخلص منها ثم متابعة أسلوب الحياة الصحي من طعام ورياضة وحركة في البيت والعمل والشارع حتى لا أسمح بأي زيادة في الوزن أن تهاجم جسمي مرة أخرى».
عادات سليمة
بجواره كان عامر معه أطفاله محمد وثناء وثريا الذين يلعبون بدورهم على الأجهزة أو ينتظرون أدوارهم فيما كان الأب يساعد الصغير عمر في استخدام أحد هذه الأجهزة «يحب أبنائي اللعب على الكورنيش، ونحن كأسرة نخرج للتمشية مرتين في الأسبوع تقريباً إذا كانت هناك فرصة لذلك، وزاد من حب الأولاد للكورنيش الأجهزة الرياضية الموجودة عليه، وأنا سعيد بأنهم يحبون اللعب عليها ويتنافسون في ذلك وفي تحديد من الأكثر استحمالا لبعض اللعبات الصعبة، وأرى أن هذا يحببهم في الرياضة وفي تمرينات اللياقة البدنية فضلا عن رياضة المشي التي نمارسها جماعياً، فنحن لا نأتي إلى الكورنيش للجلوس على المناطق الخضراء فيه أو على جوانبه لكننا عندما نأتي إلى هنا يكون هدفنا المشي، وهذا ما نجحنا في ترغيب أولادنا فيه». ويتابع «في الحقيقة نحن لم نلتفت للكورنيش وكم الأشياء الجميلة به منذ البداية لكن قبل عدة أشهر توجهت زوجتي للمشي عليه صباحاً بعدما سمعت من صديقاتها حرصهن على هذا بشكل مستمر، وعندما عادت قالت لي حرفياً (حرام أن يكون بجوارنا هذا المكان المدهش ولا نذهب إليه باستمرار، نحن لدينا نعمة لا نحسن استغلالها)؛ حيث كانت سعيدة للغاية بترتيب الكورنيش وصفاء الجو عليه وشكل المياه الباهر وألوانها الرائعة وكلها أمور تريح النفس من عناء العمل وضغوط الحياة، ومن وقتها أصبحت لنا زيارتان تقريباً إلى الكورنيش أسبوعياً إحداهما صباح الجمعة مع أول نور للصباح والثانية مساء في أي يوم مناسب».
صيد ثمين
في منطقة متدرجة من الكورنيش استقل الشاب الآسيوي توني آسبر إحدى الدرجات ممسكاً بصنارة صيد طويلة وواضعاً بجواره بعض الأكياس التي تحمل الطعم وتنتظر الصيد «أحضر الكورنيش يوم الجمعة مبكراً جداً لأنه يوم إجازتي، فأنا أعشق الصيد وكنت أمارسه في بلدي من قبل، ونحن في الفلبين نحب الأسماك كثيراً وصيدها أيضاً، وأحياناً أخرج بصيد وفير ومرات أخرى لا أجد ولا سمكة ورغم ذلك فأنا أستمتع بمجرد قيامي بالجلوس هنا، فالصيد هواية جميلة ومريحة للنفس، فأنا أضع الصنارة في البحر، وأترك معها خيالي ليسرح فيما يريد، أحياناً في المستقبل، وأحياناً في أسرتي وعائلتي في بلدي، الصيد يهون عليّ الكثير».