المريخي: الأمة لن تُهزم بدينها مهما أصابتها الشدائد
قطر اليوم
28 فبراير 2015 , 02:20ص
نصح د.محمد بن حسن المريخي، بالصبر على الشدائد والمحن، مؤكداً أن في كل محنة منحة. وأكد أن الأمة لن تهزم بدينها ولن يُنال منها مهما أصابتها الشدائد.. وقال إن المسلم مطالب بأن يحذر من التسخط من الشدة ويحمد الله على كل حال. وأشار إلى أنه كثيراً ما تحمل الشدائد في بطونها النعم والمنن والهداية والتوبة والرجعة. وقال إن من خصائص المؤمنين ومن ثمرات الإيمان الثبات عند نزول الشدة.
وتحدث د.المريخي في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، عن «فوائد الشدائد» قائلا: إن الله عز وجل يأبى إلا أن يثاب المؤمن ويُجزى بالخير ويستفيد في هذه الحياة سواء في حال سرائه أو حال ضرائه، وليس هذا إلا للمؤمن الذي رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً، يقول صلى الله عليه وسلم «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له».
منح في المحن
وذكر أن من الأحوال التي يستفيد منها المؤمن حال نزول الشدائد والمحن والتي هي ابتلاءات واختبارات، مكروهات ومبغوضات مؤلمات موجعات في ظواهرها وعند أول نزولها، ولكنها ليست كذلك على الإطلاق، مبينا أن الشدائد كثيراً ما تحمل في بطونها النعم والمنن والهداية والتوبة والرجعة، وقد تلد الخيرات والاستقامات واللذائذ والمسرات، ذلكم لأن الله يعلم والناس لا يعلمون، ولأنه سبحانه رؤوف رحيم بعباده يريد بهم اليسر، يريد أن يبين لهم ويهديهم سبل الرشاد (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون). في الشدائد تعرف المنافع من المضار والطيبات من الخبائث والصدق من الكذب والأمانة من الخيانة والصديق من العدو والمحب من المبغض.
الابتلاء قدر
وأوضح أن الشدة أو البلية هي القدر المؤلم والموجع والمحزن، كالحوادث والكوارث والموت والمرض وكل أمر يشق على الإنسان، والشدة هي الشدة في مصابها وألمها ووقعها ونزولها، وهي محك الرجال ومصنع المروءات والكرامات، والثبات عند الشدائد من خصائص المؤمنين وعلامات المخلصين، ومن ثمرات الإيمان الثبات عند نزول الشدة.
ولفت إلى أن من المواقف الكريمة التي يقفها المؤمن المخلص والتي تسجل له في صحيفته الصبر والثبات عند الشدة احتساباً لوجه الله وإيماناً به عز وجل، يقول تعالى (وبشر المخبتين* الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم)، ويقول تعالى (وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)، ويقول عليه الصلاة والسلام «إن الرجل تكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل فلا يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك».
وتابع قائلا: كم نفع الله تعالى عباده من الشدائد؟ وكم استفاد البعض مما نزل بهم؟ وكم حمد الله تعالى من الناس على النعم التي ظهرت من الشدائد؟ وكم دفع الله تعالى بالشدائد من النقم؟
شدائد في كل مكان
وأشار إلى أننا نعيش الشدائد على مستوى الأمة، فالمسلمون في بعض البقاع نزلت بهم شدائد ومحن وبلاءات أوجعتهم وأحزنتهم وأبكتهم، شدائد سالت فيها دماء وأزهقت فيها أرواح ودمرت فيها ممتلكات واختلط فيها الحابل بالنابل، ولكن في معتقدنا نحن المسلمين أهل السنّة والجماعة أن الله تعالى لا يقدر على عبده إلا خيراً وأنه جل وعلا رؤوف رحيم، يقول تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
أمتنا لن تُهزم
وأوضح أن الشدة إذا نزلت وكدرت الخاطر لحظة فقد تطيب بعدها الخواطر أبداً، كما في معتقدنا أن هذه الأمة لن تهزم بدينها ولن ينال منها، قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وإن اليسر والتوفيق والنصر حليفها وملازمها (إن مع العسر يسرا)، وما هذه المحن والبلايا والحوادث والشدائد إلا منح ونعم وإن بدت مؤلمة في ظواهرها، يقول تعالى (وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين)، فلقد والله استبانت للأمة السبل واتضحت الرؤى والمناهج والنوايا وما كانت لتتضح لولا هذه المحن (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)، ولقد تميز الخبيث وعرفناه وافتضح أهله (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)، والتمحيص هو التنقية والتصفية، فكم تبين للأمة من عدو كان مستتراً متوارياً يخادعها ويكيد لها ويمكر بها.
احذر السخط
وذكر أن الشدة لكونها جاءت بقدر الله، والله لا يقدر على عبده المسلم إلا الخير، فعلى المسلم أن يحذر من التسخط من الشدة بل يحمد الله على كل حال ويرضى ويسلم، فإن العبد لا يدري أين يكون الخير، لقد أخبر رسول الله أن الشدة فيها الأجر لمن صبر عليها ولم يتسخط فقال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». وقال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» رواه البخاري. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله قال: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة»، يريد عينيه. وقال: «ما يُصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» رواه الشيخان، والوصب: المرض.
جزاء الصبر
وشدد المريخي على أنه بالصبر على الشدائد تكفر الذنوب والمعاصي والسيئات وترفع الدرجات وتمحى الخطايا وتقال العثرات وتثقل الموازين وتمحص وتنقى الأنفس والقلوب وتصفى النيات.
وقال إنه بالصبر على الشدائد يرحم الله تعالى أهل البلاء ويهون عليهم دنياهم وييسر أمورهم، وبالشدائد يتذكر الإنسان ربه والآخرة فيعد العدة ويتوب ويحسن ويخلص ويجتهد، وبالشدائد يحفظ المرء من الغرور بالدنيا والتكبر والبطر ويعرف قدره حقيقة، وهل تكبر المتكبرون وتجبروا إلا من بعد ما جهلوا أقدارهم ومقاماتهم ونسوا أنهم خلقوا من طين لازب وأنهم سيكونون جيفاً بعد موتهم.
وقال: بالشدة يقدر المرء الأمور ويحسب الحساب الصحيح ويوزن أحواله ويتريث في تصرفاته وسلوكياته. يقول الحسن البصري رحمه الله: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر كرهته فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وردد قول الشاعر أبو سعيد الضرير:
رب أمر تتقيه جر أمراً ترتضيه
خفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه
أمة ابتلاء
وختم د.المريخي الخطبة بتوضيح أن الأمة المسلمة أمة الابتلاء والاختبار بالابتلاءات يجدد الله تعالى لها أمرها ويبين لها عدوها من صديقها، ومحبها من مبغضها، وهي في أمس الحاجة لأن تعرف ما لها وما عليها خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة من الدنيا.
ولفت إلى أن الأمة تُحكم بغير دينها من ثقافات ومعارف وقوانين وطقوس وتصرفات ومعتقدات باطلة، ويمكر بها أعداؤها والمنافقون منذ قرون، فلعل الله تعالى أذن لها أن تتنفس لتنهض وتستيقظ من سباتها وتنفض الغبار عن بدنها وتهجر غفلتها.
وذكر أن الأمة اليوم استبان لها أعداؤها ومنافقوها والطابور الخامس الذي يسكن فيها وكل يظهر ودها ومحبتها وكان يتحين الفرصة لينقض عليها، وكذلك فعل في أكثر من بقعة من ديار العرب والمسلمين، فلا تحزنكم الأحداث والمحن فإنها بإذن الله تمحيص للمؤمنين وكشف مخططات المنافقين وفضح العلمانيين والليبراليين ومن نحا نحوهم وسلك مسلكهم.