«العقيق».. رافق الأجداد في حياتهم.. ويستورد حديثاً للحلي

alarab
تحقيقات 28 فبراير 2015 , 02:19ص
تزين الأحجار الكريمة الكثير من البيوت، كما أنها حاضرة بين الناس في المناسبات، وما زال العديد من المواطنين يلبسون خواتم مصنوعة من العقيق في مجالسهم، كما تدخل الأحجار الكريمة في تصميم القلائد والأساور لأنواع متعددة من الحلي الأنيقة، وترتديه الكثير من السيدات في الأعراس والمناسبات المختلفة، إلا أن تصنيع الأحجار الكريمة في قطر تراجع خلال السنوات الماضية، واستحوذت الحلي المستوردة على الأسواق، وتراجعت المحلات والمعامل المحلية لتصنيع الحلي، وتراجع الطلب على هذه الأنواع من الأحجار، حيث يشهد استيراد «العقيق» بمختلف أنواعه منذ سنوات طويلة وحتى هذه الأيام طلباً كبيرا من التجار.
ولا يزال «العقيق» مرغوباً لتزيين القطع النفيسة من أثاث المنزل من مرايا وأبواب وأدراج، إذ تزين بقطع كبيرة منه تبهر الزائر بألوانها المتنوعة وتبث فيه الطمأنينة بهدوء ألوانها الطبيعية، وتتداخل مع قطع الأثاث الخشبي والمرايا ومنقوشات الفضة والمعادن المختلفة.

بين الأساطير والجمال
عدد من المحال في أسواق الدوحة المعروفة كسوق الغانم والريان تبيع المصوغات المختلفة، ولكن القليل منها ما زال يتعامل مع الأحجار الكريمة، وتلقى القلائد المشغولة بالفضة إقبالاً من السيدات، ويشهد العقيق إقبالا من الرجال كما يقول تاجر المجوهرات حسن البوعيسى. ويتابع بأن حجارة «العقيق» كانت تصنع منها خواتم للرجال الذين تزينوا بهذا الحجر الكريم. وبالأخص التجار حيث استخدموا أثمن هذه الأحجار في صياغة خاتم أو سبحة لهم، واحتوت بعض هذه الأحجار على نفائس حقيقية بتجسيد صورة طير أو كلمات في صورة حجر العقيق المصوغ على الخاتم.
ويقول البوعيسى إن للعقيق حكاية خاصة فهو يقطع كعروق من الجبال، وكان في الماضي يستورد من قبل التجار القطريين من اليمن والعراق، وكان ثمنه يتحدد بحسب نوعه ولونه وأيضاً بحسب ميزة خاصة في العقيق وهو احتواؤه على «تمشيحات» وألوان بداخله تظهر وكأن في داخله مجسما لطير أو سمكة أو كلمة لفظ الجلالة «الله». وكان البعض يظن أن هذه الأحجار تحتفظ بصور مائية لمخلوقات في داخلها، ولكن الحقيقة أنها اختلاط للألوان داخل الحجر، كما أن نسبة اللون الكامل في الحجر تحدد قيمته وإذا ما كان الخاتم يصنع بالكامل منه.

من صخور إلى تحف
ومن الملاحظ أن محال صياغة الأحجار الكريمة بالأسواق التقليدية انحسر الإقبال عليها من قبل المواطنين في الآونة الأخيرة، وانتقل الكثير منها إلى مركز الحرف بسوق واقف. ورغم ذلك لا تزال الأسواق التقليدية تتعامل مع هذا الحجر في صناعة الفضة والذهب وعدد من المصوغات، ولكن أهم استخداماته هي القلائد والخواتم كما يقول البوعيسى. فالحجر الذي يقطع كعروق من الجبال ويصل كأحجار بحجم كف اليد يصل إلى الصاغة الذين يستخدمونه وبحسب الطلب، فهناك أساليب متعددة لاستخدامه وبحسب التراث. ويستخدم مقص آلي لصنع حبات مدورة منه للسبح، أو بيضاوية صغيرة لوضعه في الخاتم المدبب، كما أنه ينحت على شكل مربع أو جوهرة كبيرة الحجم ليلصق في وسط باب خشبي أو على شكل مربعات صغيرة ليثبت على أطراف مرآة تقليدية.
الصائغ محمد حميد قال: إن الفضة هي المعدن الأنسب الذي يرافق العقيق في صياغة مجوهرات للسيدات وخواتم للرجال. والألوان المتعددة التي يتميز بها العقيق عن غيره من الأحجار الكريمة تجعل الفضة تبدو متميزة. ولكن ليست الفضة اللامعة هي ما يستخدم في صياغة هذه المجوهرات، بل تلك الداكنة اللون قليلاً ويتم تعتيق الفضة لتصبح بهذا اللون باستخدام مادة الميناء السوداء أو تعتق على النار بفردها على منصة للحرق. فإضافة إلى استخدامها في الزينة الشخصية للسيدات يصنع منها بعض أثاث المنازل مثل البوابات التراثية والمرايا التي توضع في المجالس.

صياغة بالحرق والطرق
وتتنوع الوسائل التي يصاغ بها العقيق فإلى جانب الوسائل التقليدية من نار ومطرقة يقول حميد إن المقص الحجري الكهربائي هو الوسيلة الجديدة لعمل أشكال وأحجام صغيرة للحجر وبصقل حواف مدببة أو مدورة للحجر بحسب الطلب. ويعمل محمد على إنتاج العقيق بالطريقة التقليدية باستخدام الحجر الخاص بالتشويب، ويُقصد به صقل حواف وتجسيم الحجر بتحديد حجم الفص الذي يثبت عليه، وقد جرى استيراد حجر مماثل له من ألمانيا بسبب ثقل حجم حجر المشوبة التقليدية. فهو يحول شكل الحجر إلى مربعات صغيرة ودوائر وسوى ذلك من الأشكال يتم تسخين المعدن الذي يوضع فيه وطرق المعدن حتى تصبح أطرافه خفيفة وتوضع فيه هذه الأحجار بالطريقة المناسبة عبر تشذيبها وتهيئتها وطرقها حتى زيادة حجمها لوضع الحجر فيها. وبعد اختيار الحجم المناسب للحجر لوضعه في فص خاتم فضة يتم سحبه على «مُقِيس» حديدي حتى يناسب حجم الخاتم حتى يصبح على مقاس إصبع الزبون، حيث يتم سحبه باستخدام هذه الأداة الحديدية ليكسب حجماً ومرونة وحتى يوضع في إصبع الزبون بما يناسب وزنه الذي يصبح أثقل من الخاتم العادي.
حميد قال إن الحجر اليوم له استخدامات متعددة فبعد الخاتم الذي يستخدمه الرجال في المناسبات العامة يوصى بالعقيق الأخضر اللون أو الموشى بألوان غامقة وأحياناً يطلب الزبون خاتمين أو ثلاثة من مقاسات مختلفة ليضعها في يديه وتكون من نفس حجر العقيق، وبعض هذه الخواتم تكون فضة يوضع داخلها العقيق وبعضها الآخر تكون عقيقاً بالكامل، وتتباين أسعار العقيق اليماني وفقاً لنوعه، غير أن أغلى هذه الأنواع وأندرها هي الفصوص التي تحتوي على ما يشبه أسماء شخصيات شهيرة أو أسماء وأشكال ذات ارتباط ديني إلا أن أبرز أنواع العقيق اليماني وأكثرها ندرة -يقول محمد حميد- هو العقيق الكبدي الأحمر، إلى جانب صقل أحجار العقيق لتنتج خواتم وقلائد وتزين المرايا ينتج سُبُحات العقيق وهي تحتاج إلى مهارة عالية وتجهّيزها يتطلب إرسال الأحجار إلى مختص لتخريمها مع ندرة وجود آلات تخريم العقيق في الدوحة.

السيدات أكثر طلباً للعقيق
وفي قلائد السيدات يتم اختيار الفضة بعيار 925 المطاوعة للحرارة كما يقول حميد، ويتم استخدام النار عبر أنبوبة غاز معلقة إلى طرف حارق ناري لإذابة الفضة وتوسعتها لتناسب حجم الحجر، وبعد توسعته بالحرارة يتم طرق أطراف فتحة الخاتم أو القلادة لتتخذ حجم حجر العقيق، كما يلجأ الصائغون للمطرقة في تثبيت أحجار العقيق على المرايا والأبواب الخشبية.
وأضاف حميد أن صياغة العقيق ترتبط بالخواتم ولكن أيضاً تصنع منها القلائد، فما تزال تستخدم الأحجار الكريمة وتصنع على الخيط من حبات مختلفة الحجم أو داخل قلادة فضية أو ذهبية يتم فردها وصقلها لتتسع لأحجار العقيق مختلفة الحجم. وكما تستخدم هذه القلائد في الزينة الشخصية وفي المناسبات، حيث تصنع القلائد باستخدام أحجار متنوعة ومختلفة الحجم، وكما تستخدم هذه القلائد في الزينة الشخصية وفي البيوت وفي المناسبات والحفلات العامة، وتطلب السيدات الأنواع التي تحتوي على أحجار كبيرة ومن لون واحد، كما أن هذه الأحجار الكريمة التي تتميز بها القلائد تجعل من حضور المناسبات أمراً لافتاً ومحبباً للسيدات.
ويتابع حميد أن العقيق مطلوب لتزيين محامل المصاحف وأيضاً للمباخر مضلعة الشكل بوضع أربعة أحجار على أوجهها الأربعة. وأيضاً لتزيين السيوف التي تهدى في المناسبات للوزارات والمديريات أو التي تهدى في أعراس المواطنين. إضافة إلى الخناجر، ويتابع حميد أن العقيق يدخل في صياغته أشكال عديدة ومميزة ويتم حرق المعدان الذي يدخل به أو طرق الخشب الذي سيلبس عليه حتى يناسب مقاسه ويثبت في داخله.

العقيق في التراث
وتتأرجح قيمة العقيق كأحد أكثر الأحجار الكريمة شهرة وشعبية في العديد من الدول العربية، فإلى جانب لمسته الجمالية، تنتشر عشرات القصص عن أثر هذا الحجر الذي أجاد الحرفيون تحويله إلى فصوص للخواتم والقلادات بعد رحلة مضنية من البحث عنه في بطون الجبال حيث يتم التنقيب عنه واستخراجه قبل أن ينتهي به المطاف فصاً في خاتم أو جزءاً من قلادة. وعن أصل تسميته يقول بديع الزمان الهمذاني «إنه معدن يَعِقُ عن الذهب»، ويوضح أنه سمي العقيق لعقه بعض الحجارة أي لشقه إياها. وتعتبر عملية استخراج العقيق اليماني ومن ثم صياغته إحدى الحرف اليدوية التقليدية التي حافظ عليها الحرفيون جيلاً بعد جيل.
وبلغ ولع القدماء بالعقيق قديماً إلى الحد الذي يقول فيه مؤلف كتاب «التيجان في ملوك حمير»، أن شداد بن عاد «بنى قصره من حجارة الجزع»، وهي أحد أنواع العقيق اليماني المرتبطة بالأساطير التي يؤمن بها الناس حتى اليوم معتقدين أنه حجر «يورث» الهم والغم والحزن، وبناء على ذلك جاءت تسميته «الجزع» كترجمة لفعله. غير أن سيّئته تلك تحولت إلى ميزة فيما بعد لدى كثير من الناس الذين باتوا يعتقدون أن «فيه الكثير من الحفظ وأنه من الأحجار التي تردّ كيد مردة الشياطين، وبدل القول عنه إنه يورث الهم فهو يفيد بعض من حمله بالهدوء وراحة البال والحفظ ويبعد الوسواس».
ويذكر الهمذاني أن فن تشكيل الجزع المُوشى والمُسيّر واستخدامه بلغ ذروته، فصُنعت منه القوارير والقحف ومقابض السيوف والصفائح وغيرها. ومن آثار العقيق اليماني التي تسردها كتب التاريخ أن الملك المظفّر الصليحي عندما أصبح حاكماً لليمن أرسل إلى حلفائه الفاطميين هدايا كان من بينها سبعون سيفاً مقابضها من العقيق، واثنا عشر سكيناً تضم عقيقاً، وخمسة أثواب وجام عقيق وفصوص عقيق.
كما ذكر البيروني العقيق اليماني في مؤلفه «الجماهر في معرفة الجواهر»، وخصّص التيفاشي الخبير في المعادن والجواهر باباً للعقيق وباباً للجزع وباباً لليشب، وهي من أشهر أنواع العقيق ضمن مؤلفه «أزهار الأفكار في جواهر الأحجار».
وعلى رغم جمال هذا الحجر وروعته بعد مروره بعدد من المراحل، فإن ذلك الجمال المادي للعقيق لم يخلُ من الأساطير والكرامات المرتبطة بوضع الخواتم والقلادات المصنوعة منه في التراث العربي والخليجي، وهي الخرافات التي انتقل بعضها إلى بطون الكتب التي أسهبت في سرد فضائل هذا الحجر الذي يصنف علمياً بأنه من الأحجار شبه الكريمة وإن كان قد فاق معظمها كرامة.
ويصف أحد الرحالة العقيق الكبدي وهو أشهر أنواع العقيق اليماني قائلاً: «من تقلّد بالأحمر منه شديد الحمرة سكتت عنه روعته عند الخصام، ومن تختّ بالأحمر المصفر الذي فيه خطوط بيض قطع عن حامله نزف الدم. من تختّم بالعقيق لم يزل في بركة، ويقال إن العقيق الأحمر يقترن بالياقوت الأحمر مع الياقوت الأصفر». ويقول آخر: «هو حجر معروف يتكوّن في الجبال عروقاً ليكون مرجاناً فيمنعه اليبس والبرد وأجوده الأحمر والأصفر فالأبيض وإلى غيرها من الألوان. ومن خواصه: التختم به يدفع عن حامله الهم والغم والخفقان والمشطب منه أجود.
وكان العقيق ينتشر في أسواق نجد وصنعاء القديمة وبها العديد من الحوانيت التي تتوارث فيها الأجيال فن صياغة العقيق وتزيين الحلي بهذا الفص الساحر الذي ينتهي به المطاف في خاتم من الفضة أو على شكل حلي وقلائد. ولا يزال يباع في الدوحة في محال مجوهرات لا تختص بتجارته.