عندما يصبح نفط جوبا حافزاً للسلام
حول العالم
28 يناير 2014 , 12:00ص
واشنطن بوست - ترجمة: أحمد الوكيل
عندما استقل جنوب السودان عن دولة السودان عام 2011، كان ينظر إلى النفط باعتباره الشرارة التي قد تؤجج الصراعات وتعرقل بناء الدول الجديدة، لكنه بات اليوم حافزاً لإنقاذ تلك الدولة الفتية.
وقالت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في تقرير لها حول الأوضاع في جنوب السودان: إن تلك السلعة الثمينة تحث وتدفع جيران جنوب السودان وكبار داعميها الأجانب إلى المساعدة في إنهاء الصراع بين حكومة جنوب السودان والمتمردين، فعلى سبيل المثال، تخلت الصين عن سياسة عدم التدخل التي تبنتها لوقت طويل ودعمت محادثات السلام، وفي الوقت ذاته تغاضت دولة السودان بقيادة عمر البشير عن عقود من العداء مع جارتها الجنوبية ودعمتها، كما حاولت كينيا وقف نزيف الدماء.
وأضاف التقرير أن أحد أكثر احتياطات النفط الأكثر ربحاً تتعرض للخطر، إذ تولد تلك الاحتياطات مليارات الدولارات لأحدث دولة في العالم وشركائها.
وقال البروفيسور ليبين مورو من جامعة جوبا: إن القوى الكبرى خاصة الصين لديها مصالح كبيرة معرضة للخطر... يمكن للنفط أن يكون منقذاً، لكن إذا وقع مزيد من القتال حوله، فقد يتحول إلى لعنة».
ولفت التقرير إلى أن الصراع التي اندلع في جوبا الشهر الماضي كان سببه خلافاً سياسياً، وليس النفط، لكنه سرعان ما تحول إلى قتال للسيطرة على المناطق الاستراتيجية الغنية بالنفط، والتي يتبادل مقاتلو الحكومة والمتردون السيطرة عليها من حين لآخر، كما اندلع النزاع أيضاً في مدين بور عاصمة منطقة غنية باحتياطات نفطية غير مستغلة يحتمل أن تولد أرباحاً كثيرة.
ونقل التقرير عن لوك باتي باحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية قوله: «تأمل المعارضة من خلال سيطرتها على حقول النفط أن يكون لها اليد العليا في مفاوضات وقف إطلاق النار، بعد تعطيل مصدر الدخل الرئيسي للحكومة»، مضيفاً أن النفط هو الجائزة في نهاية الصراع.
ولفت التقرير إلى ما قاله محللون من أن إنتاج النفط قد انخفض بنسبة %20 منذ بدء الصراع، بعد أن سيطر المتمردون على المناطق الحيوية لاستخراج النفط، فالصين، التي استثمرت مليارات الدولارات في البنية التحتية لجنوب السودان، اضطرت إلى تعليق عملياتها في بعض المناطق، وإجلاء عدد كبير من العمال الصينيين.
تجدر الإشارة إلى أن عائدات جنوب السودان النفطية يستفيد منها كثيرون، منها دولة السودان، التي تتلقى ملايين الدولارات سنوياً نظير السماح بتدفق نفط الجنوب عبر خطوط الأنابيب إلى الموانئ ومصافي التكرير في الشمال، ومع المعاناة الاقتصادية التي تعانيها السودان فعلياً جراء العقوبات الأميركية وخسارة عائدات النفط نتيجة انفصال الجنوب، فإن حرباً أهلية كهذه قد تؤثر تأثيراً كبيراً على اقتصادها.
في عام 2012، أدى نزاع مرير حول أتعاب نقل النفط بين السودان وجنوب السودان إلى توقف تدفق النفط، ما أدى إلى ضرر الطرفين جراء خسارة العائدات. من جانب آخر تبذل كينيا جهداً حثيثاً لحل الصراع جنوب السودان، إذ تأمل حكومة نيروبي أن يؤدي إنشاء خط أنابيب لنقل النفط مخطط له يمر عبر الأراضي الكينية إلى ميناء لامو، إلى توليد عائدات للحكومة، خاصة بعد اكتشاف نيروبي النفط على أراضيها المجاورة لجنوب السودان.
أما أوغندا، التي أرسلت قوات برية ودعما جويا لحكومة جنوب السودان، فلديها طموحاتها لاستخراج النفط الموجود على أراضيها، وتخشى من أن يؤدي الاضطراب في جنوب السودان إلى هروب المستثمرين من المنطقة بأكملها.
كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على السودان عام 1997 على خلفية اتهامها بإيواء إرهابيين، ما أدى إلى عزوف شركات النفط من الاستثمار على أراضيها، لكن ومع انفصال الجنوب، قدمت بعض الشركات إليه للبحث عن فرص للاستثمار، لكن الاضطراب الحاصل الآن في جنوب السودان يهدد بتعريض أية مشاريع مستقبلة للخطر.
وأوضح تقرير واشنطن بوست إلى أن جنوب السودان يعتمد على النفط بشكل كبير، والذي يشكل %98 من عائدات الدولة، وأن طول أمد الصراع سيتسبب بإفلاس جوبا وظهور مزيد من الفوضى، إضافة إلى أن واشنطن قد أنفقت مليارات الدولارات في محاولة لجعل جنوب السودان واحة أمن واستقرار في منطقة يعصف بها الفقر وصعود الحركات الإسلامية.
ورغم تمتع جنوب السودان باحتياطيات نفطية ضخمة، فإنها تظل أحد دول العالم الأقل تطوراً ونمواً، حيث تعتاش على ملايين الدولارات كمساعدات سنوية من أميركا وحلفائها، لأن عائدات النفط يتم تبديدها عبر المسؤولين الفاسدين، الذين اختلسوا حوالي 4 مليارات دولارات من خزائن الحكومة.
وتوقع التقرير أن يؤدي استمرار الحرب في جنوب السودان إلى انضمامها إلى دول إفريقية أخرى، كأنجولا وتشاد ونيجيريا، والتي كانت مواردها الطبيعية سبباً في اندلاع الصراعات والفساد، بينما يرضخ مواطنوها في الفقر.
ولفتت التقرير كذلك إلى أن صراع جنوب السودان تسبب بكارثة إنسانية كبيرة، حيث قتل ما يقرب من 10 آلاف شخص وفرار أكثر من 400 ألف من منازلهم، ولجوء أكثر من 73 ألفا إلى دول مجاورة.
أما أكثر الدول خسارة جراء هذا الصراع فهي الصين، والتي تستورد أكثر من ثلثي نفط جنوب السودان، إذا يذكرها الصراع بما حدث في ليبيا أثناء الإطاحة بمعمر القذافي، حينها دمرت الاستثمارات الصينية في القطاع النفطي الليبي.
وأضاف التقرير أن هذا هو السبب الذي دفع بالصين لإرسال وزير خارجيتها لحضور محادثات وقف إطلاق النار في إثيوبيا، للمساعدة في التسريع بإحلال السلام. غير أن محللين يحذرون من أن الصين قد لا يكون لديها النفوذ الكافي للتأثير في الصراع المحلي بين القبائل، في الوقت ذاته ستحاول السودان بكل جهد الإبقاء على تحالفها الاقتصادي مع الجنوب للحصول على أتعاب نقل النفط عبر أراضيها لدرء المشاكل الاقتصادية التي تلوح في الأفق.
يشير أحد المحللين في جوبا إلى أن نخبة الخرطوم والنخبة في جوبا تعلمتا درساً قاسياً خلال توقف تصدير النفط عام 2012، فكلاهما كان ينتظر انهيار نظام عدوه أولا، لكنها أدركا أن نظاميها قد ينهاران في الوقت ذاته، والآن يبدو أن الاثنين مهتمان بالتعاون من أجل بقائهما معا.