الثورة ضد الآلهة الممسوخة

alarab
حول العالم 28 يناير 2012 , 12:00ص
أحمد إبراهيم الفقيه - الأهرام
احتفل الشعب المصري يوم ‏25‏ يناير الماضي بالذكرى الأولى لقيام ثورته التي أطاحت بنظام الطاغية وحررت مصر من عصابة أناخت على حكم البلاد‏ وعبثت بمقدرات الوطن ونهبت ثرواته, وأشاعت الفساد في دواليب الدولة, وانتهكت حرمات الناس, وقامت بتزييف الانتخابات, وعطلت عمل المؤسسات الدستورية. وفي مشاهد تاريخية حفظتها ذاكرة العالم وسجلتها أجهزة إعلامه في الشرق والغرب خرج ملايين الشعب المصري في مسيرات هادرة تطالب بسقوط النظام, وتواجه بصدور عارية رصاص مجرمي الحكومة وأذنابها وجلاوزتها, حتى استطاعت تحقيق النصر, وأزالت الفرعون عن عرشه, وقد سبق هذا العيد المصري عيد من أعياد الربيع العربي في تونس, التي انطلقت منها شرارة الثورة, فأشعل بائع خضراوات جوال اسمه محمد البوعزيزي النار في جسمه إحباطا ومهانة, بعد أن فشل في استرداد حقوقه ورد الإهانة التي لحقت به إثر صفعات تلقاها على وجهه من عون من أعوان الشرطة, فانطلقت النار من جسم البوعزيزي لتشتعل في جسم نظام الطاغية بن علي, ويخرج الشعب التونسي بملايينه إلى الشارع يقدم الضحايا ويقارع الطاغية حتى يسقط النظام, ويحل بعد أيام قليلة وفي 17 فبراير عيد ربيع آخر, هو عيد تفجر الثورة في وجه أكثر هؤلاء الطغاة شراسة, وأكثرهم دموية وإجراما, فكان لا بد أن تكون ثورة الشعب الليبي ضده هي الأكثر كلفة بين ثورات الربيع العربي في الأرواح, وكان لا بد أن يخرج منها الشعب الليبي متكبدا أعلى الخسائر. فما الذي ينتظر هذه الثورات الثلاث بعد مرور عام على تفجرها؟ كانت تونس هي بلد المبادرة والبداية ولهذا فقد سبقت إلى اجتياز أولى مراحل الانتقال إلى مناطق الاستقرار والثبات, ووصل إلى مقاعد الرئاسة والتشريع فيها أشخاص تم انتخابهم انتخابا من الشعب عن طريق صناديق الاقتراع. وتسير مصر في ذات الطريق, وتصل قبل ليبيا إلى إجراء انتخابات مجلسها التشريعي الذي سيبدأ في تأسيس السلطة الدائمة التي تنتهي بها مهمة المجلس العسكري كما تنتهي وزارات التعيين من قبل هذا المجلس ومن يختاره أو ينيبه لإدارة الجهاز التنفيذي. وكانت ليبيا هي الدولة الثالثة التي وصلت إليها شرارة الثورة, وهي أيضا التي طال فيها المسار, وتواترت الشهور في مقارعة الطاغية. لا بد بداية من التعبير عن مشاعر الفرح بما تحقق من إنجاز, فقد كانت المهمة مستحيلة كما يسمونها بالتعبير الإنجليزي الذي كان عنوانا لأحد الأفلام «Missionimpossible» إذ من كان حقا يجرؤ على مجرد التخمين بإمكانية زحزحة أنظمة أرست أعمدة لحكمها في عمق الأرض, واخترقت بها لحم ودم الوطن, وعززت هذا كله بأسوار من الحماية الأمنية التي رسخت القناعة في أذهان هؤلاء الطغاة وعائلاتهم أنهم هم الآلهة الممسوخة التي تستقطب الولاء, وتدير أفلاك السماء, التي ترسم المقدرات والمصائر للمواطنين البؤساء التعساء الذين عليهم بقبول كل ما يفرضه هؤلاء الطغاة, بدءا من استمرارهم حكاما أبديين, إلى توريث الحكم لأبنائهم, وهي المسيرة التي بدأت في مصر كأنها حتمية تاريخية لا مناص منها, وجرى الترويج لها في ليبيا, وكان السيناريو يقضي فرض مزيد من المعاناة والعذاب لأهل البلاد, وسكب مزيد من دماء الضحايا على يد الأب لتسهيل مهمة الابن. لا يقلقني ما شاب ويشوب هذه المراحل الانتقالية من فوضى الآراء والأعمال, ومن ارتباك في إدارة أمور البلاد والعباد, وما يمكن أن يكون هناك من تأثير لأزلام وزبانية الأنظمة السابقة. واثق بأن هذه كلها مظاهر مؤقتة ذات طبيعة عارضة طارئة, فأنظمة الطغيان زالت وانتهت, ومهما كان لبقاياها من تأثير فهم أشبه بأشعة شمس غاربة لن تلبث أن تزول وتختفي بعد أن غربت شمس الطغيان وزال عهد الظالمين. ليس هناك للأسف مجال للإفاضة وإنما هي رؤوس مواضيع, أكتفي بذكر أهمها, مثل ظاهرة الإسلام السياسي الذي يطفو على السطح ويبرز له أنصار في مثل هذه المراحل المفصلية والفترات الانتقالية, ولا أجد ذلك غريبا, فشعوب هذه المنطقة شعوب عميقة الإيمان, والميراث الديني له نفوذه على العقول والقلوب, وله تجذره في أرض هي مهد الأديان ورسالات السماء, وعندما يأتي بعض عناصر الإسلام السياسي لجني حصاد ثورة لم يكونوا هم زراعها ولا هم من تعهدها بالسقي والعزق والرعاية, ولا من قدم الجهد والوقت والدم في سبيل تحقيقها, فإن تلك مفارقة مؤسفة, ولكنها مفهومة ويسهل تفسيرها ووجود شرح لها, إلا أنها على وجه اليقين ليست المحصلة النهائية للثورة, وإنما هي تمرين أولي على ممارسة الديمقراطية. وأعتقد أن هذا المواطن الذي خرج من المسجد ليعطي صوته لمن رشحه له خطيب الجمعة, سوف يهتدي فيما بعد إلى الطريق الصحيح دون انتظار خطيب يملي عليه اختياراته. وصاحب سيارة الأجرة الذي قال لي إنه اختار رجلا يحتقر رموز الحضارة الفرعونية ولا يرى في السياحة إلا فجورا وفسوقا سيعرف عندما يجلس في بيته دون عمل مدى الخطأ الذي وقع فيه عندما أدلى بصوته للرجل الذي أقفل له المجال الذي يأكل منه عيشه.