الأحد 11 جمادى الآخرة / 24 يناير 2021
 / 
02:30 م بتوقيت الدوحة

«العرب» تفتح خزائن الذكريات وحال التعليم مع أول قطري يترأس جامعة قطر

علي العفيفي

السبت 26 ديسمبر 2020

د. عبدالله الكبيسي: بدأت دراستي في «الكتاتيب».. وترعرعت على قصص «عنترة» و«الهلالي»

مدارس جيلنا زرعت بداخلنا الانتماء للوطن والاعتزاز بعروبتنا وإسلامنا

جيل التكنولوجيا يجهل أسرار الطبيعة التي كانت مصدر إلهام لجيل الخمسينيات

توظفت في وزارة التربية والتعليم أثناء دراستي المسائية بالصف الخامس الابتدائي

 

ما زالت الذكريات والحنين إلى الماضي تراود الدكتور عبدالله جمعة الكبيسي، خاصة أنه شاهد على مراحل التطور العمراني والتعليمي الكبير الذي شهدته قطر منذ خمسينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا.
«العرب» التقت به قبل شهر مضى ليحكي لنا ذكرياته بعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والإداري في جامعة قطر الذي تولى إدارتها في الفترة ما بين 1986 حتى 1994، ليصبح أول قطري يعتلي منصب إدارة الجامعة. تحدث د. الكبيسي عن رحلته التعليمية، حيث ترعرع في كنف «الكتاتيب» وعلى قصص عنترة بن شداد وأبوزيد الهلالي الذي كان يرويها له خال والده حسن بن محمد الكبيسي، ثم خوضه غمار العمل وهو في الصف الخامس الابتدائي في قسم التغذية بوزارة التربية والتعليم آنذاك، إضافة إلى رحلات البر والتخييم على شواطئ الدوحة قبل أن يغير العمران ملامحها.
ولم ينسَ الأكاديمي التربوي فضل الشخصيات التي لعبت دوراً بارزاً في مراحل حياته، مثل لاعب كرة القدم السابق بنادي السد حسن عثمان «دقدق» الذي شجعه على قراءة الكتب والروايات العالمية، والدكتور علي خليفة الكواري الذي دفعه إلى الانضمام لنادي الطليعة الثقافي مما زاد من وعيه بالقضايا القومية في الوطن العربي. وأخذنا الكبيسي في رحلته بالتعليم الجامعي من الابتعاث إلى الولايات المتحدة التي لم يكمل الدراسة بها بسبب نشوب حرب 1967، ثم إلى الدراسة في جامعة الكويت، والابتعاث مجدداً في جامعة «درهم» ببريطانيا والحصول على شهادة الدكتوراه في «فلسفة التربية».
وتناول حوارنا مرحلة فترة العودة من بريطانيا والعمل في كلية التربية، وقيادته لإدارة جامعة قطر لـ 8 سنوات بعد الدكتور محمد إبراهيم كاظم، وقصص أخرى في نص الحوار:

 كيف كانت الدوحة في الماضي بعيون د. عبدالله جمعة؟
- لقد تغيرت قطر كثيراً عما كانت عليه في الماضي وخاصة مدينة الدوحة وضواحيها، فقد كانت الدوحة في الخمسينيات والستينيات مدينة بسيطة غير معقدة، ومن أشهر معالمها: شارع الكهرباء وسوق واقف وبرج الساعة ومدارسها الحديثة وأحياؤها الشهيرة مثل فريج البدع والرميلة والجسرة والهتمي والخليفات والسلطة، وغيرها من الأحياء التي كانت معروفة لدى جيلنا في ذلك الوقت.
وكانت السمة المشتركة فيما بينها تظهر في بساطة المباني وشكلها العام، وكان لمدارس التعليم العام دور بارز في إنشاء علاقات وصداقات وتعارف بين الطلبة عابرة لمحيط الفرجان والأحياء، مما ساعد على إنشاء جيل موحد في انتمائه للوطن ومعتز بعروبته وإسلامه، وذلك فضل نخبة من المدرسين العرب.

 ما الذي تحنّ له من ماضي قطر ولا تجده في الوقت الحاضر؟
- قال الشاعر المتنبي: «كم منزل في الأرض يألفه الفتى .. وحنينه أبداً لأول منزلي».. هذا القول البليغ يعبر عن كثير من مشارعنا حول ذكريات الماضي، فذكريات الماضي دائماً مرجعها فترة الشباب؛ تلك الفترة الزاهرة من الحياة. أنا كغيري من مواليد الأربيعينيات أحنّ اليوم لأشياء كثيرة لم تبق على حالها كما كانت من قبل مثل شواطئ الدوحة التي كنا نمرح فيها، ونسعد بالسباحة في مجرها، كذلك شواطئ قطر الشمالية والغربية والشرقية التي كانت مباحة لنا، نضع فيها خيامنا المتواضعة أينما نشاء، ونسعد بما نصطاده من سمك، وننعم بهوائها النقي وسمائها الصافية، أما اليوم فشواطئ الدوحة جار عليها العمران واختفى معظمها أو كاد يختفي من التوسع في إقامة المحميات والأملاك الشخصية. وقس على ذلك معظم ذكرياتي عن الماضي، فالذكريات دائماً مرتبطة بالرمز المادي، وعندما يختفي الرمز تصبح الذكريات خيالاً رومانسياً يتضخم في ذهن بعض الأفراد ويضمحل عند البعض الآخر.

البداية .. والأقارب
 ماذا عن بدايتك وما الدعم الذي تلقيته من الأقارب لاستكمال دراستك؟ 
- رحلة الدراسة الأولى كانت بدايتها عام 1953 وكان عمري 12 عاماً، ولم أكن خالي الوفاض عندما دخلت المدرسة بل تعلمت في مدارس الكتاب قبل ذلك، كما تعلمت على يدي خال والدي حسن بن محمد الكبيسي رحمه الله، الذي كان يحسن القراءة والكتابة، فكان يقرأ علي سيرة عنترة وأبوزيد الهلالي والزير سالم، كما تعلمت كذلك كغيري من أبناء ذلك الجيل الذين كانوا يتعلمون بالمشاهدة والمحاكاة، فالتربية المبثوثة في الطبيعة من حولهم كانت مصدر إلهام وتأمل وتفكير، وكان مرشدي في كسب المعرفة أفراد عائلتي ومجتمع القرية، حيث تعلمت السباحة وصيد السمك والقيم والتقاليد الاجتماعية والدينية والرياضية والألعاب الشعبية التي كنا نصنع معظمها بأيدينا، كما تعلمت التعرف على ما كانت الطبيعة توفره لنا من حشائش ونباتات وحيوانات وحشرات وطيور وسحالي، وكنا نميز بين الضار منها وبين المفيد، لكن جيل عصر التكنولوجيا اليوم يجهل معظمهم معرفة خزائن الطبيعة البرية والبحرية، ولو سألت أحدهم عن أسماء السمك وأنواعها لحار في أمره.
وعودة للحديث عن الدراسة النظامية، فعندما أكملت الدراسة بالصف الخامس الابتدائي اتجهت إلى العمل فتوظفت في وزارة التربية والتعليم بقسم التغذية سنة 1958، وفي نفس العام التحقت بالدراسة المسائية في مدرسة البدع الابتدائية وحصلت على الشهادة الابتدائية في عام 1958 /1959، وواصلت دراستي المسائية بعد ذلك في مدرسة الدوحة الإعدادية التي تخرجت منها عام 1963/ 1964، ثم تخرجت من مدرسة الدوحة الثانوية عام 1965/1966، ولم يكن العمل يشكل لي عائقاً عن مواصلة الدراسة، بل أثرى محيط العمل كثيراً من خبراتي، حيث تفاعلت مع مجموعة من زملائي في العمل، ومنهم مدير قسم التغذية السيد عبداللطيف مكي رحمة الله عليه الذي عاملني معاملة الأخ الأكبر وشجعني على أداء العمل والدراسة، وكذلك الزميلان في العمل السيد حسن دقق والسيد عدنان السقى، وكان الأخ حسن دقدق لاعب كرة قدم معروف ومثقف وقارئ، وقد شجعني على قراءة أمهات الكتب والروايات العالمية، وكان محيط العمل بالنسبة لي مدرسة من نوع آخر تعلمت منها أشياء كثيرة ساعدت على بناء شخصيتي المستقبلية، وخاصة عندما انضم إلينا في العمل لفترة قصيرة الأخ الدكتور علي خليفة الكواري الذي شرح لي أهداف نادي الطليعة الثقافي الذي أنشئ عام 1960، ومن خلال عضويتي في النادي تعرفت على مجموعة جديدة من الشباب القطريين، مما أكسبني بصداقات كثيرة معهم ما زال معظمها ممتداً حتى اليوم، وكان لنشاطات النادي الثقافية دور كبير في بلورة وعيي بالقضايا الوطنية والقومية.

مواقف مؤثرة في الغربة
 ما المواقف المؤثرة في رحلتك الدراسية والتي من خلالها تبلورت شخصية كأكاديمي بارز في الدولة؟
- عندما حصلت على الشهادة الثانوية عام 1966، تم اختياري للدراسة الجامعية في الولايات المتحدة الأميركية، ولم يكن ذلك ضمن اختياراتي التي قدمتها لإدارة البعثات، وكان حدثاً كبيراً في حياتي وحياة عائلتي، إذ كانت حصيلتي في اللغة الإنجليزية ضعيفة جداً، وخبرتي في السفر بالطائرة والمعاملات في المطارات الدولية محدودة للغاية، وأذكر أنني سافرت مرة واحدة للبحرين بالطائرة.
وعندما أخبرت عائلتي بالذهاب للدراسة في أميركا، أصابهم الخوف والفزع والهم، وكانت أسئلتهم كثيرة: كيف ستعيش هناك؟ وكيف ستتدبر أمورك في بلاد الغربة؟ وكثير من الأسئلة التي لم أعرف الإجابة عليها، وجاءت ساعة السفر وكانت صعبة علي وعليهم، وسالت دموع والدتي مختلطة بالدعاء لي بالتوفيق وأن يحفظني الله من كل سوء، وقد أعطاني عمي مصحفاً صغيراً وأوصاني بأن أكون جاداً وحذراً وأن أبتعد عن رفاق السوء.
وعندما وصلت للتسجيل بالكلية في مدينة بيثون بولاية تكساس لدراسة اللغة الإنجليزية، أبلغت من قسم التسجيل بأن برنامج اللغة الإنجليزية قد تم إلغاؤه، وطلب مني التسجيل في مادتي الرياضيات والأدب الإنجليزي. وعندما أخبرت وزارة التربية والتعليم آنذاك بذلك وأنني أرغب بالتسجيل في فصل الربيع القادم في معهد لدراسة اللغة الإنجلزية في إحدى الجامعات، جاء الرد بالاستمرار في هذه الكلية واستكمال دراستي فيها.
وكان في ذلك الوقت لا يوجد للوزارة ملحق ثقافي أو مكتب لرعاية شؤون الطلبة في الجامعات الأميركية مثل ما هو اليوم، لذا بدأت اتصالاتي بالملحق الثقافي في السفارة السعودية ليمدني بقائمة للجامعات التي فيها برامج لتدريس اللغة الإنجليزية مع التوصية بأفضلها، ولم يتأخر الرد ووقع اختياري على جامعة لورنس كانساس، تم قبولي للدراسة في معهد اللغة الإنجليزية هناك لفصل الربيع لعام 1966/1967، وأخبرت وزارة التربية بذلك وجاءني الرد بالموافقة.
وقد اجتهدت في دراستي لأن هدفي كان واضحاً وهو الالتحاق بدراسة العلوم الاجتماعية في إحدى الجامعات الأميركية، وبعد أن أنهيت دراستي في المعهد بمعدل جيد جداً، حصلت على قبول في 3 جامعات، وبدأت الاستعداد لذلك لاختيار أفضلها وأخبرت الوزارة بذلك.
لكن حدث ما لم يكن في الحسبان وهو نشوب حرب 1967، وأصبح الجو العام في أميركا معادياً بشكل مستفز للعالم العربي من خلال آلته الإعلامية، وقد تأثرت مشاعري كثيرا بأجواء الحرب، وقررت قطع بعثتي والعودة للوطن والالتحاق بإحدى الجامعات العربية واستجابت الوزارة مشكورة لطلبي، وعدت إلى الوطن وفرح الأهل فرحاً شديداً بعودتي سالماً من تلك البلاد البعيدة.
وفي عام 1967/1968، بعثت للدراسة في جامعة الكويت للتخصص في التربية، وتخرجت منها عام 1971/1972 بتقدير جيد جداً، والتحقت بالعمل في وزارة التربية والتعليم موجهاً لمقررات العلوم الاجتماعية للمرحلة الابتدائية، ثم التحقت بكلية التربية منذ نشأتها الأولى عام 1973 معيداً في قسم أصول التربية.
وكان معي في جامعة الكويت 3 زملاء من الطلبة القطريين، هم: محمد عبدالرحمن الخليفي وعبدالرحمن المعضادي وعلي خليفة الفياض، وكانت البيئة الأكاديمية في جامعة الكويت نشطة أكاديمياً وثقافياً واجتماعياً، فكانت الندوات العملية الفكرية يوجه الطلاب لحضورها، وكنت حريصاً على حضور تلك النشاطات والفعاليات الطلابية والمشاركة فيها، بالإضافة إلى ندوات الاتحاد العام لطبة الكويت، وقد تعرفت من خلاله على مجموعة من الطلبة الكويتيين وأخص بالذكر الصديق العزيز الدكتور خليفة الوقيان الشاعر والأديب.

الحياة في بريطانيا
 ماذا عن رحلتك لاستكمال الدراسات العليا في بريطانيا؟
- إن مسيرة دراستي التي تحدثت عنها سابقاً قادتني في آخر الأمر للاتجاه للدراسات العليا التي وفقت من خلالها للحصول على درجة الدكتوراه، حيث كنت مبتعثاً من كلية التربية عام 1974.
وفي عام 1972، رشحتني وزارة التربية والتعليم عضواً في وفدها للمشاركة في اجتماعات الدورة العامة لليونسكو في باريس، وبعد الانتهاء من أعمال الدورة سافرت إلى لندن ومنها إلى مدينة درهم ببريطانيا لزيارة الأخ الدكتور علي خليفة الكواري الذي كان قد اقترب من الانتهاء من إعداد رسالة الدكتوراه، وقد ساعدني على الانتهاء من خطة الدراسة وبلورتها في صيغتها النهائية، وبعد أن عرضناها على المشرف في كلية التربية جاء رد الجامعة بالموافقة مشروطاً بتمكني من اللغة الإنجليزية واجتياز لجنة القبول في نهاية الأمر. 
وبعد العودة إلى الدوحة، عرضت الأمر على عميد كلية التربية، وتم الترتيب لابتعاثي لدراسة اللغة الإنجليزية في إحدى المدارس في مدينة «أكستر»، ومن ثم الالتحاق بجامعة «درهم»، وأبلغ الملحق الثقافي في سفارة قطر بلندن لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
الحياة في مدينة «أكستر» كانت جميلة وخاصة عندما جاء لدراسة اللغة الإنجليزية الزميلان صالح أبوداوود وموسى زينل المبتعثان للدراسات العليا من كلية التربية، وكان الأخ موسى أيقونة جلساتنا لما يتمتع به من مرح ونكات وقصص طريفة تخفف عنا البعد عن الوطن والأهل.
وكنا في عطلة الأسبوع نسافر بالقطار إلى لندن للتعرف على معالمها ومتاحفها وأسواقها ومسارحها، بالإضافة إلى رؤية الأصدقاء وزوار لندن من القطريين، ويستقر الأمر بي دائماً مع الأخ العزيز أحمدعبدالله الخال الملحق في السفارة القطرية.
وبعد أن أنهيت دراستي في مدرسة اللغة الإنجليزية، اشتريت سيارة وسافرت بها إلى مدينة درهم وكان الطريق طويلاً جداً، ولم تكن لديّ خبرة بالسواقة على طريقة نظام السير في بريطانيا، فواجهت بعض الصعوبات في البداية، ولكن الطرق السريعة التي سلكتها أكسبتني مهارة وثقة في آخر الأمر، ولم أتذكر كم ساعة قضيتها في الطريق، ولكني شعرت بالتعب في المساء فقررت الإقامة في أحد الفنادق التي كانت على الطريق، وفي صباح اليوم التالي واصلت السير، ولم تكن المدينة تبعد عني أكثر من عدة كيلومترات، وقد تعلمت من نصائح ذوي الخبرة أن دخول المدن في النهار أفضل وأسلم من التخبط في شوارعها وأزقتها في الظلام.
وسكنت في فندق متواضع في أطراف المدينة، ثم ذهبت إلى كلية التربية وقابلت الأستاذ «قودنغ» الذي حدد لي موعداً بعد أسبوع لمقابلة لجنة القبول التي كانت برئاسة عميد الكلية و3 من الأساتذة من ضمنهم الأستاذ «قودنغ».
بدأت بعد ذلك إعداد نفسي للمقابلة، فراجعت خطة الدراسة وفصولها، وصنفت المراجع والمصادر الأولية في بطاقات ليسهل عرضها، وقد حضرت للمقابلة مبكراً عن الموعد المحدد، وأخبرت سكرتيرة الكلية التي أخذتني بعد ذلك إلى لجنة المقابلة، وقدمني الأستاذ «قودنغ» إلى رئيس اللجنة وأعضائها وطلب مني عرض خطة البحث وفصولها، وكانت خطة البحث بعنوان: «التعليم في دولة قطر من عام 1950-1977 مع تحليل لبعض المشكلات التربوية»، ثم زدت على ذلك بعرض بطاقات المراجع والمصادر التي جمعتها أثناء وجودي في قطر. وبعد ذلك، دارت الأسئلة عن سيرتي الذاتية ومستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية وخاصة عن تطور التعليم، وقد استمرت المقابلة حوالي ساعة، ثم طلب مني الانتظار عند السكرتيرة وكنت على أحر من الجمر لمعرفة النتيجة، وبعد عدة دقائق جاءني الأستاذ «قودنغ» وأخبرني بموافقة اللجنة على قبولي مباشرة للتحضير لرسالة الدكتوراه وأن كتاباً رسمياً سيصلني بعد ذلك.
وبعد أن استلمت رسالة القبول الرسمية، شعرت بالفرح الممزوج بعظم المسؤولية التي ستأحملها تجاه نفسي وتجاه عائلتي وأصدقائي وجامعتي ووطني، ورافقني هذا الشعور طيلة مرحلة إعداد رسالة الدكتوراه.
وامتدت دراستي في جامعة «درهم» من أواخر عام 1974 إلى أكتوبر 1979، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في فلسفة التربية، وكانت برفقتي طيلة مرحلة الدراسة زوجتي أم حمد وأطفالي الأربعة الذين كانوا مصدر إلهام لي وتشجيع واستقرار.

العودة إلى الوطن
 ماذا حدث بعد عودتك من بريطانيا إلى الدوحة؟
- بعد أن عدت إلى أرض الوطن، التحقت بقسم أصول التربية بدرجة مدرس لمواد أصول التربية، وكنت أول الحاصلين على درجة الدكتوره من الذكور القطريين من مجموع طلبة الدراسات العليا. وقد تطورت الجامعة في مبناها القديم في مدينة خليفة الشمالية، وتوسعت في مبانيها وأقسامها العلمية وعدد كلياتها وطلبتها وأعضاء هيئة التدريس فيها.
وفي عام 1979، أصدر مدير الجامعة قراراً بإنشاء المكتب الفني للتطوير الجامعي، وتم تكليفي برئاسته بجانب استمراري في مهنة التدريس، وكان من مهام المكتب التنسيق بين مدير مشروع الحرم الجامعي المهندس هشام قدومي وفريق مستشاريه الذي كان مقره الديوان الأميري وبين الجامعة، فيما يخص احتياجات الجامعة من مبانٍ وتجهيزات ومرافق وغيرها من مستلزمات البيئة الجامعية.
وفي عام 1980، صدر القرار الأميري رقم «23»، وبموجبه تم اختياري مساعداً لمدير الجامعة، وبعد أن تم الانتهاء من مشروع مبنى الجامعة وبدأت الدراسة فيه عام 1985/1986، شعر الدكتور محمد إبراهيم كاظم مدير الجامعة -رحمة الله عليه- أن مهمته التي امتدت من عام 1973 إلى عام 1986 من عميد لكلية التربية إلى مدير للجامعة قد انتهت، فقرر الاستقالة من منصبه ليتسلم منصباً آخر، مديراً للمكتب الفني في الأردن التابع لمنظمة اليونسكو، ولم تنقطع صلته بالجامعة، إذ عين عضواً في مجلس الأمناء الاستشاري الذي أنشئ في الجامعة بقرار أميري عام 1980، وكان يضم عدداً من رؤساء الجامعات وأصحاب الخبرة في المجالات الأكاديمية.
وقد أصدرت الجامعة كتاباً تذكارياً بمناسبة وفاته، وشارك في إعداده مجموعة من معاصريه من خارج الجامعة ومن داخلها، وكان عنوان الكتاب: «كاظم.. سيرة ومسيرة».
وعندما قدم الأستاذ كاظم استقالته كما أسلفت، توليت مسؤولية إدارة الجامعة التي امتدت من عام 1986 إلى عام 1994، وكان تولي مهام منصب مدير الجامعة ليس بالمهمة السهلة، ولكن الله أعانني على تحمل مسؤوليتها وتطويرها بدعم من الرئيس الأعلى للجامعة الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني رحمة الله عليه، وكذلك دعم وتشجيع ولي العهد آنذاك الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مد الله في عمره وحفظه من كل سوء. هذا الدعم والتشجيع تضافر مع جهود زملائي العاملين في الجامعة، حيث كنت واحداً منهم مقدراً لعطائهم وتفانيهم في خدمة الجامعة.
وعندما انتهت مدة رئاستي للجامعة في 1994، عدت إلى موقعي الطبيعي مدرساً وباحثاً في قسم أصول التربية، وتمت ترقيتي بعد ذلك إلى درجة أستاذ علم أصول التربية عام 1999.
وعندما بلغت سن الـ 61، رأيت أنه آن الأوان للتفرغ لحياتي الخاصة، فطلبت من الجامعة إحالتي إلى التقاعد عام 2002، وقد كرمتني الجامعة مشكورة بمنحي مرتبة أستاذ شرف مدى الحياة طبقاً لقانون الجامعة الذي بموجبه يمنح من قدم أعمالاً جلية لخدمة الجامعة، وقد سعدت بذلك، لأنه يسمح لي بالاستمرار والتواصل مع الحياة الجامعية التي أحببتها وتدرجت في مناصبها وعاصرت نشأتها منذ بداياتها الأولى، وتعلمت منها ونمت خبرتي فيها من خلال التفاعل مع نشاطاتها وأفواج طلبتها وتنوع شخصيات العاملين فيها.

د. الكبيسي.. والحياة العائلية

 بعيداً عن الجانب الأكاديمي للدكتور عبدالله جمعة، ماذا عن الجوانب الأخرى لحياته من اهتمامات بالرياضة أو السينما أو غيرها؟ 
هنا يقول: كانت اهتمامتي الشخصية في عمر الشباب كثيرة ومتنوعة ولم يبقَ منها اليوم إلا القليل، فالسن له أحكامه وحدوده، وهذا القليل كان بعضه ممتداً ولم ينقطع، مثل مزاولة رياضة المشي والسباحة والرحلات البحرية والقراءة والكتابة بحكم التخصص، كما أحرص على التواصل الاجتماعي مع الأصدقاء القدامى والجدد والأقارب، وأحب الزراعة والعناية بأشجار النخيل والأزهار والورود، وحديقتي المنزلية مصدر من مصادر سعادتي اليومية.
وعن الأسرة لمعت عينا د. الكبيسي بالفرحة حينما حضرت سيرة أحفاده، ويقول: الحمدلله على نعمته وتوفيقه، فقد رزقت من زوجتي أم حمد بولدين وأربع بنات، ولي من الأحفاد عشرة، وهم جميعاً مصدر من مصادر سعادتي واستقراري. الأحفاد اثنان منهما في المراحل الجامعية والباقي في مراحل التعليم المختلفة، أما ابناي وبناتي فكلهم خريجون جامعيون في تخصصات مختلفة، وكذلك زوجتا حمد ومحمد.
ويواصل: نتيجة لذلك، فأنا أعيش في بيئة منزلية متعلمة عمادها الحب والاحترام والتعاون والتفاهم، ولكل فرد من أفراد الأسرة رأيه المستقل عن رأيي، فنحن نتحدث ونتحاور في أمور كثيرة، منها ما يتعلق بالشؤون العامة من سياسية واجتماعية وثقافية وعلمية وتاريخية، ولا يخلو الأمر من التعرض للجانب الفكاهي والنكات التي تثير جواً من المرح والسرور، ونحن لا نتقيد ببرنامج خاص في هذه الأمور بل نترك المجال مفتوحاً لكل شخص يدلي بدلوه حسب اهتماماته.

_
_
  • العصر

    2:51 م
...