د. إيليا زريق: «علم الاجتماع» سقط من ذاكرة الدول العربية

alarab
محليات 27 ديسمبر 2015 , 02:04ص
محمد الفكي
أكد د.إيليا زريق، رئيس برنامج علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بمعهد الدوحة للدراسات العليا، أن اهتمام العالم العربي بعلم الاجتماع ضئيل جداً، مشيراً إلى أنه على الرغم من أهمية العلم للمنطقة إلا أنه ليس له هذه المرتبة العالية مثل ما للهندسة، والمحاماة، مضيفاً أنه يأمل من خلال معهد الدوحة للدراسات العليا، ومن خلال قسم الاجتماع والأنثروبولوجيا رفع الاهتمام بهذا العلم.

وأشار إلى أن خطة المعهد تهدف إلى استعراض جوانب جديدة من علم الاجتماع، أو جوانب غير بارزة بصورة عامة في المجتمع مثل إلقاء الضوء بصورة أكبر على تأثير التكنولوجيا على المجتمع، وبصورة خاصة وسائل الاتصالات ومدى تأثيرها على البيئة الاجتماعية، متحدثاً عن حزمة قضايا مرتبطة بهذا العلم في الحوار التالي مع «العرب»

¶ لماذا لا يوجد اهتمام كبير بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، رغم أن كل أسئلة المنطقة خارجة من هذا العلم، مثل «الأقليات، العنف، الأيدلوجيا، الصراع الديني»، إلى ماذا ترد هذا؟
- ما قلته صحيح، بصورة عامة في العالم العربي الاهتمام بعلم الاجتماع ضئيل جدا، لماذا؟ لأن علم الاجتماع ليس له هذه المرتبة العالية مثل ما للهندسة، والمحاماة، والطب، ونحن نأمل من خلال معهد الدوحة للدراسات العليا، ومن خلال قسم الاجتماع والأنثروبولوجيا أن نرفع من الاهتمام بهذا العلم.

¶ ما خطتكم في المعهد والقسم لعكس صورة مختلفة عن هذا العلم؟
- خطتنا في المعهد استعراض جوانب جديدة من علم الاجتماع، أو فلنقل جوانب غير بارزة بصورة عامة في المجتمع، وعلى سبيل المثال أنا اهتمامي الشخصي بالمجتمعات الكولنيالية «الاستعمارية» وهذا يقودنا إلى فلسطين بصورة خاصة، ومجتمعاتنا العربية عانت أيضاً من الاستعمار الفرنسي، والبريطاني، والجانب الآخر الذي نريد أن نلقي عليه الضوء بصورة أكبر من خلال قسم الاجتماع في المعهد هو تأثير التكنولوجيا على المجتمع، وبصورة خاصة وسائل الاتصالات ومدى تأثيرها على البيئة الاجتماعية، ولو لاحظت أن هذه الوسائل مؤثرة جدا في الخليج، وانظر إلى استهلاك قطر في الإنترنت، تجده مرتفعا جدا.

¶ الدولة العربية كدولة موروثة من الاستعمار تتراجع، وتكاد الدولة تعود إلى مرحلة تكوينات ما قبل الدولة في بعض المناطق كيف تقرأ هذا مع تركة الاستعمار؟
- الدولة التي كانت مستعمرة في الماضي ثم انتقلت إلى حقبة الحداثة عانت جدا من الاستعمار، والاستعمار ترك في هذه المجتمعات جذوره، ومع أن الاستعمار بصورته التقليدية مثل الاحتلال وانتشار الجيش غير موجود الآن، ولكن مع كل هذا نجد أن تأثير الاستعمار مهم جدا على المنطقة العربية.

¶ الربيع العربي انتهى إلى مواجهات وعادت الدولة القمعية إلى وضعها القديم، كيف يمكن إيجاد تسوية توقف هذا العنف وتجعل الدولة ممثلا للجميع؟

- أولا يجب أن نعرف أن من دون ديمقراطية واشتراك جماهيري للحكم لن يحدث عندنا تقدم وستظل آلية البطش والاستبداد هي المسيطرة، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة مهم جدا، ولكنه متوقف عندنا، انظر إلى حال الدول العربية الآن، إما إنها في حالة حروب أهلية، وإما في حالة حرب شنت عليها في الخارج، انظر إلى سوريا، اليمن، ليبيا، العراق، هذه دول تفككت بطريقة تجعل من الصعب التنبؤ متى سترجع إلى حيويتها.

¶ قبل نصف قرن كانت الدولة مرفوضة لصالح خطاب قومي، الآن من يرفض الدولة يريد أن يعود إلى الطائفة والعرق والقبيلة، كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

- الولاء للدولة إذا كان مبنيا على عشائرية، قبلية، اثنية، أو على أي شكل من أشكال تجزئة المجتمع فإنها لن تنجح، أو تنجح لفترة محدودة لكنها لحظة الاختبار لن تستمر، لذلك الاختبارات التي حدثت في دول المنطقة لم تكن نتيجتها جيدة، فانظر حال المنطقة العربية الآن.

¶ بصفتك أكاديميا ومهتما بدراسة الحالة الفلسطينية، كيف تقرأ المشهد في هذه الرقعة الآن؟
- المشهد في فلسطين تكملة للتأثير الاستعماري على فلسطين، وكل استعمار أتى إلى المنطقة رسخ جذوره بطريقة تخدم الطبقة المهيمنة والحاكمة، إسرائيل تهيمن على كل فلسطين إذ ليس بالضرورة أن تكون محتلا بقعة محددة حتى تسيطر عليها، والولايات المتحدة الأميركية ساعدت إسرائيل بصورة مباشرة في الوجود والاستمرار ومن دون أميركا لم يكن لإسرائيل أمل في الاستمرار، لذلك أنا أعد أميركا خصما أول مثلها مثل إسرائيل على الشعب الفلسطيني وعلى المنطقة ككل.

¶ دشنت قبل أيام قليلة كتابك مشروع «إسرائيل الكلونيالي فلسطين المطاردة الوحشية»، أعطنا ملخصا لهذا الكتاب.
- هذا الكتاب امتداد لكتاب آخر كتبته قبل 35 سنة، والذي ركز على الكلونيالية الإسرائيلية آخذا بعين الاعتبار حدود 1948، أما الكتاب الحالي الذي وزع قبل أسبوعين يدرس الامتداد الإسرائيلي على فلسطين التاريخية وسيطرتها على الشعب الفلسطيني 1948 وخارج 1948، وهذا يكشف الادعاءات الإسرائيلية بأنهم أرادوا صنع اتفاقات مع الفلسطينيين وأن الفلسطينيين هم من رفض، ويوضح مدى كذب ما تردده إسرائيل، وأنا شاركت في المفاوضات من الجانب الفلسطيني في لجنة اللاجئين من 1992-1999 ورأيت كيف تأخذ إسرائيل الأمر باستهتار، وأميركا لا تستطيع الضغط عليها لأسباب تخص الداخل الأميركي، وفي كتابي أوضح أن الاستعمار لديه دائما أسلوب عنف، لكن في إسرائيل مع مرور الزمن فإن تصرفها تجاه الفلسطينيين في الضفة وغزة وإسرائيل صار مبنيا على العنف وإن لم يعلنوا أنهم يريدون إبادة الشعب الفلسطيني إلا أن السياسات التي يمارسونها تهدف إلى استنزاف فلسطين من الفلسطينيين، والضغط عليهم حتى يتركوا أراضيهم.

¶ العنف الإسرائيلي عنف ممنهج وعلى مستوى السياسات، لماذا لم تستطع الأدوات السياسية والدبلوماسية كشف هذا المخطط؟
- مشكلتنا مع إسرائيل أنها عانت من اللاسامية الأوروبية، لذلك كان هنالك تحفظ ولا يزال من قبل الأوروبيين في انتقاد إسرائيل، الآن الوضع أفضل لكنهم لا يستطيعون الضغط بصورة كافية على إسرائيل حتى توقف انتهاكاتها لحرية الفرد الفلسطيني، وتجزئة فلسطين بين غزة والضفة، وفرض حصار على غزة، اليوم إسرائيل تقول إنها لا تحتل غزة، لكن هذا حديث لا يعقل، إسرائيل تفرض حصارا جويا وبريا وبحريا على غزة وهذا نتيجته أكبر من نتيجة الاحتلال.

¶ ظلت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية في المنطقة، ما تقييمك للكتابات التي درست هذه القضية، من حيث شمولها ورصانتها ودقتها حين تفحص في جهات تعتمد أدق المعايير الأكاديمية؟
- بصورة عامة الدراسات لا تحرر الشعوب المستعمرة، لكنها تلقي ضوءا عليها وعلى كفاحها، هنالك تغيير بعض الشيء، الأدب الفلسطيني والأدب النقدي الغربي الذي ينتقد إسرائيل، إذ هنالك تقبل له أكثر مما مضى، أنا كنت أواجه مصاعب في نشر كتابي الذي عنوانه تصرف إسرائيل الوحشي، قبل 40 أو 50 سنة لم يكن هنالك أحد يسمعني، الآن هنالك تقبل لوجهة النظر هذه.

¶ أنت أكاديمي ارتبطت بالقضية الفلسطينية، كيف يمكن لأكاديمي أن يرتبط بقضية محددة دون أن يفقد حياده الأكاديمي؟
- اختصاصاتي مرتبطة بفلسطين، لكن لدي عدد كبير من الاختصاصات الأخرى لا ترتبط بفلسطين، مثل الكمبيوتر وتأثيره على المجتمع، والإنترنت، الخصوصية، التعقب ولدي كتب حول هذه المواضيع، وهي لا تمس فلسطين بصورة مباشرة، ومع ذلك استطعت أن أدمج اهتمامي بفلسطين مع هذه الموضوعات، ومثلا في كتابي الأخير لدي فصل أن كيف تتعقب إسرائيل المواطن الفلسطيني وتضبط حركته في كل أماكن تواجده بمختلف الوسائل بما فيها الوسائل الإلكترونية، ومثال على ذلك أنني أضعت جوازي في أحد الأسفار المتعددة وعندما ذهبت للسفارة الإسرائيلية في أوتاوا، سألتني الموظفة عن اسم الشارع وعنوان بيتي عندما كنت في فلسطين، ولم أتذكره لأنني غادرت منذ سنوات طويلة، ولكن عندما أدخلت اسمي ودخلت على وزارة الداخلية الإسرائيلية أتت بالعنوان، وبالتالي الفلسطيني مرصود من قبل إسرائيل، وأنا أقول إن إسرائيل لديها معلومات دقيقة عن الشعب الفلسطيني أكثر من المعلومات التي يملكها الفلسطينون عن أنفسهم، لكن هذا لا يمنع المقاومة ولدي فصل في كتابي الأخير عن الإنترنت كوسيلة للمقاومة، لأن الإنترنت يربط الفلسطينيين ببعضهم البعض بغض النظر عن أماكن تواجدهم.