التحرش الجنسي بالأطفال أسير الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية

alarab
تحقيقات 27 ديسمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيم
يتكرر دائما في حلم صفاء ما حدث معها في يقظتها، شاب يتحرش بها أو يعتدي عليها! تعيش صفاء في أحلامها وواقعها صراعا داخليا مؤلما لا تستطيع التخلص منه.. «إنها تتألم كثيرا لا أستطيع أن أصف حالتها ومقدار حزنها الشديد الأمر الذي يشتت تركيزها»، تقول شقيقتها التي لم تجد حلا سوى اللجوء إلى أحد الاستشاريين النفسيين لمساعدة أختها على التخلص من عقدتها. وتضيف: لقد تعرضت شقيقتي لتحرش جنسي في طفولتها منذ كان عمرها 3 أو 4 سنوات من ابن خالتها المراهق أكثر من مرة، وقد كانت بريئة لا تفهم شيئا، ثم تعرضت لتحرشات جنسية عديدة من ناس في الشارع. وتعتبر شقيقة صفاء أن التفكك الأسري الذي عاشوه داخل المنزل كان له أثر كبير في تدهور حالة صفاء حيث إن والديهما عاشا طوال عمرهما في مشاكل وتعرضت والدتها للإهانة والضرب والشتم من قبل والدها. وتختصر واقعهم الأسري بالقول: «لقد عشنا حياة أسرية مهدمة». تقول شقيقة صفاء إنها عرضت مشكلة أختها على أحد الاستشاريين النفسيين «الذي أرجع مشكلتها إلى أن الصدمة الأولى التي تعرضت لها في حياتها من تحرش جنسي لم يتم التعامل معها بحكمة، فلم تجد صفاء من يحميها من تحرشات أخرى، مما أدى إلى أن تتعرض إلى المزيد منها، فالاختلاط واللعب مع الأطفال والأقارب يلزمه متابعة ومراقبة. ومما زاد الطين بلة أن صفاء لم تجد أحدا يعلمها كيف تتعامل مع الألم النفسي والمخاوف الناتجة عن تحرشات ابن الخال، ولم تتعلم كيف ومتى تقول لا لمن يحاول التحرش بها، فكان الموقف التالي هو تحرش آخر في الشارع. وتشير شقيقة صفاء إلى أن الدكتور النفسي شدد على ضرورة أن تقوم كل فتاة بحماية نفسها من أي متحرش سواء كان قريبا أو غريبا، وكيف نحكي لشخص كبير عما حدث، وكيف يتوجب على الأهل أن يعاقبوا المعتدي سواء القريب أو الغريب أو على الأقل يتم التبليغ عنه للشرطة، فكل هذا يكون له أثر نفسي طيب في نفس الفتاة التي تعرضت للتحرش. وتوضح شقيقة صفاء أن الاستشاري النفسي ركز في علاجه لأختها على أهمية تغيير نظرتها للأمور وأن ما حدث في الماضي ليس مسؤوليتها وليس ذنبها، فالله تعالى لا يحاسب الأطفال، ودعاها ألا تحمل نفسها فوق طاقتها، ورغم أنها مرت بخبرات صعبة وهي بعد في الثالثة أو الرابعة من العمر فإن عليها أن تحمي نفسها من التعرض لأي تحرش قد يحدث في المستقبل، حيث لم يكن لديها وقتها قدرة على أن تقول «لا» في الصغر، لكن الآن وبعد أن أصبحت شابة عليها أن تقول «لا». وأن تبتعد عن أي موقف مقلق قبل أن يحدث التحرش. استغلال ذوي الاحتياجات الخاصة قصة أخرى ترويها أم خالد التي تعودت أن توصل ابنتها شخصيا من وإلى المدرسة في كل يوم حيث إنها لا تقبل ذهابها مع السائق أو الخادمة مهما كانت الظروف من باب حرصها وخوفها. وفي أحد الأيام حيث كانت أم خالد تنتظر في السيارة حتى سماع جرس انتهاء اليوم الدراسي، رأت سيارة بجانبها يوجد فيها خادمتان وطفلة كفيفة والسائق طبعا، وكانت البنت تجلس بالخلف مع الخادمتين.. فترة بسيطة ونزلت الخادمتين من السيارة ودخلتا إلى المدرسة وتركتا الطفلة مع السائق. «فجأة رأيت الفتاة الكفيفة في ثوانٍ صارت بجانب السائق واندهشت بالذي يفعله السائق الهندي وبدأت أرى تصرفات تثير الشك من حركات السائق»، تقول أم خالد، وعندها انفجر بركان في رأسها ففتحت باب السيارة ونزلت إليه وقالت له «افتح الباب وأعطني البنت... أيش هذي المسخرة اللي أنت تسويها». فأجابها: «ماما ما في شي أنا يلعب بس». عندها قالت له بعصبية: «ياللي ما عندك ذمة البنت المسكينة كفيفة وما تشوف والله أبلغ عليك الشرطة وببلغ أهل البنت». فأجابها بخوف وذعر شديدين: «ماما خلاص أرجوك ماما أنا ما يفعل هذا مرة ثانية»... في هذه الأثناء رن جرس المدرسة ورجعت الخادمتان وأخذت منهما أم خالد رقم الأم حتى تبلغها بالمأساة. وتضيف: احترقت أعصابي. بلَّغت الأم وحضرت إلى المدرسة واستلمت ابنتها لكن المفاجأة الأكبر كانت في رد الأم التي قالت: «شاسوي البنت تصيح طول اليوم تبغي تروح اتجيب أختها ايش فيها يعني؟!». وتؤكد أم خالد أن إهمال الأمهات لأبنائهن هو السبب الأول في ما يحصل لهم من حوادث بشعة ومؤلمة وهم بعد في عمر الورود. تعديات تخدش براءة الأطفال هذه قصص لتحرشات جنسية وتعديات تخدش براءة أطفالنا، وتقول إحصائية كشفت عنها المؤسسة القطرية لحماية الطفل إن 1638 طفلا راجعوا المؤسسة خلال 7 سنوات أي من 2004 وحتى 2010، مع تسجيل تطور ملحوظ في عدد الحالات من سنة إلى أخرى، حيث وصل عدد الحالات التي استقبلتها المؤسسة لطلب الحماية 434 طفلاً في 2010، مقابل 145 طفلا في 2004، بينما أعلى الحالات سجلت سنة 2005، بمجموع 459 طفلاً. استنادا للإحصاءات ذاتها، فإن الحالات التي استقبلها الاختصاصيون بالمؤسسة تختلف حسب نوعية «العنف» الذي تعرض له هؤلاء الأطفال، فقد كانت الحالات التي تعرضت لعنف اجتماعي هي الأكثر بمجموع 461 طفلا، وهي الحالات التي تعرفها المؤسسة على أنها تتلقى حماية وعلاجا عن العنف بمختلف أنواعه: (الجسدي، النفسي، الجنسي، الإهمال، التصدع الأسري، المشاكل الزوجية). انتشار التحرش بصمت كما حذرت الإحصائية من انتشار التحرش الجنسي في صمت، بسبب ثقافة «الاحتشام» والعادات والتقاليد التي تمنع التصريح بالاعتداءات التي يتعرض لها الأطفال من لدن الأولياء والأقارب أحيانا كثيرة. وهذه الأرقام التي قد تبدو خطيرة في نظر البعض، لم تعد من قبيل «التابوهات» في مجتمع قطري محافظ، يخشى الكثير من أفراده الإفصاح عن مشكلات اجتماعية من قبيل التحرش الجنسي وغيرها، خوفا من ثقافة «العيب». ويبرز الخوف من الإفصاح عن التحرش الجنسي الممارَس ضد الأطفال، ما يعني بالضرورة أن الأرقام المعلنة تبقى نسبية، باعتبار أن حالات أخرى قد تلجأ لمؤسسات اجتماعية أخرى، بينما تظل نسبة أخرى مجهولة من الأطفال ضحايا العنف بمختلف أشكاله؛ بسبب «التهرب أو الخوف من التبليغ عن التحرش الممارس ضد الأطفال. بينما يتحدث البعض الآخر عن أن «الجهل» يعتبر أبرز الأسباب وراء انتشار التحرش ضد الأطفال في صمت! أطفال متحرشون يتحرش بهم وعن أشكال الاعتداء الجنسي على الأطفال وأسبابه وتأثيراته السلوكية والنفسية وكيفية حماية الأطفال منه توضح الدكتورة شريفة العمادي مدير إدارة العلاج والتأهيل في مركز التأهيل الاجتماعي (العوين) أن المركز استقبل حالات لأطفال تعرضوا للتحرش الجنسي، مشيرة إلى أن العوين يحرص على معالجة المتحرِّش والمتحرَّش به. وتقول العمادي إن «العوين» لا يرفض أي أحد يطرق بابه لطلب العلاج ويكون بحاجة لمساعدة ونحن نقوم بتوجيهه للذهاب إلى المكان المناسب. وتلفت إلى أن أغلب الأطفال الذين يتعرضون للتحرش الجنسي بعد فترة يقومون هم أنفسهم بالتحرش، مضيفة أن العوين يسعى إلى أن يتخلص المتحرش به من أزمته وأن نقيه من التحرش بالآخرين أيضاً من خلال جلسات علاجية في الطب والإرشاد النفسي مع الاستشاريين كما يتم الاطلاع على ظروف المتحرش والمتحرش به الأسرية والمدرسية ونحاول أن نشركه ببرامج ونقيه من أن يقوم بأي سلوك انحرافي كرد فعل لما حصل معه. تكتم المجتمع وتؤكد العمادي أنه «في مجتمع مثل مجتمعنا لا يمكن تحديد نسبة حول المتعرضين للتحرش الجنسي تبعا لتكتم مجتمعنا حول الموضوع»، مشيرة إلى أن فئة التحرش الجنسي نضعها ضمن فئة الاضطرابات الجنسية بكل أنواعها. ودعت «أولياء الأمور إلى عدم الخجل من الحديث عن تلك الإساءات، لأن الذي يجب أن يخجل هو مرتكب العنف»، مضيفة: «لا بد أن يتلقى مرتكب العنف الجنسي جزاءه العادل ومعاقبته وحصول الضحايا على العلاج، لكونهم ليسوا المسؤولين عن الفعل». لكنها بالمقابل، طالبت المجتمع بتفهم وضعهم وتقديم الدعم الكافي لهم، مؤكدة على أن العديد من مرتكبي العنف يحتاجون إلى العلاج النفسي. أشكال التحرش الجنسي وتقول العمادي إن أشكال الاعتداء الجنسي على الأطفال متنوعة «يمكن أن تكون بالكلمة أو بالمشاهدة أو باللمس بأماكن حساسة أو تكون عبارة عن عملية جنسية كاملة»، مشيرة إلى أن هذا التصرف غالبا ما يحدث ضمن فئة طلاب المدارس جراء تربية غير سليمة في الأسرة أو مشاهدات غير طبيعية مثل تحرش من قبل السائق أو الخادمة الأمر الذي يؤدي إلى أن يمارس الطفل هذا الفعل مع بقية الأطفال وغالبا لا تكون كاملة. وشددت على ضرورة أن يتم الأخذ بعين الاعتبار أي تصرف أو أي سلوك غير طبيعي على الطفل فذلك يعني أن هناك دلائل على تعلم الطفل أمورا غير طبيعية فنسعى إلى معالجته سلوكيا قبل أن يتصرف أي تصرف غير سوي. وتعتبر العمادي أن من أسباب ذلك إما وجود مشكلة في الأسرة من تفكك أسري أو إهمال في الأسرة أو اهتمام زائد بالطفل بعيدا عن الرعاية والتربية وعدم رقابة الطفل. من يكون المعتدي؟ ولدى سؤالنا العمادي عن هوية المعتدي توضح أن المعتدي قد يكون تعرض في وقت سابق إلى اعتداء من قبل الخدم أو الأقارب أو الجيران ويمكن أن يكون قد شاهد علاقة جنسية تحفزه على هذا الفعل. وعن الدلائل السلوكية للمعتدى عليه تشير إلى أنه قد يمشي بطريقة غير طبيعية، ويعاني من نقص في تقدير الذات ويشعر بالخجل ويبدأ بالتحدث عن الانتحار أو القتل ويطرح أسئلة غريبة ويصبح منطويا ويخاف من الجلوس مع جماعة معينة أو من الظلام. وتشدد العمادي على «ضرورة ملاحظة أي مؤشر غريب ومفاجئ يطرأ على الطفل». مشاعر مضطربة ويعاني الطفل المعتدى عليه من مشاعر مضطربة، بحسب العمادي، «كالنقص في تقدير ذاته حيث يشعر بالذنب ويعتبر أنه السبب في تحرش الآخرين به لأنه إنسان ضعيف وأقل من غيره ولم يقاوم ويمكن أن يحول نفسه دائما إلى الضحية، في المقابل يمكن أن يصبح لدى بعض الأطفال المعتدى عليهم شعور بالغضب تجاه الآخرين ويشعرون برغبة في كسر أي شيء والتشاجر مع أي أحد من دون سبب وهذا دليل على أن لدى الطفل غضبا داخليا يريد أن يخرجه بأي طريقة ويمكن أن يتحول إلى سلوكيات انحرافية ويتحرش هو بالآخرين ويمكن أن ينطوي على نفسه نتيجة شعوره بالذنب». دور المدرسة والأهل وتتحدث العمادي عن أهمية توعية الأهل لأطفالهم من خطر التعرض للتحرش الجنسي. وتشدد على دور المدرسة والأهل من خلال تنبيههم لبعض المشاكل التي يمكن أن تحدث لهم والأهم من كل ذلك أن يغرس الأهل الثقة في نفوس أولادهم وتعليمهم متى يقولون «لا» ويرفضون أي تصرف خاطئ بحقهم. وتضيف: يجب تربية الأبناء على أن هناك بعض الأمور المحظورة ولكن ليس بطريقة الشد أو العصبية بل بأسلوب سلس وطبيعي لأن ذلك قد يولد عقدة لدى الطفل ويجب أن نسمع للطفل ولا نستهزئ بأي كلام يقوله أو أي فعل يأتي عليه ونبحث في كل شيء». الثقافة الجنسية غير المباشرة أما عن دور المدرسة فتقول العمادي إن هناك بعض المدارس تدرس الثقافة الجنسية لمرحلة الثانوية. وتتابع: نحن نعيش في مجتمع لديه ثقافة معينة وليس أي طريقة طبقت في مجتمع خارجي يمكن أن تطبق في مجتمعنا إذ إن لكل مجتمع خصوصيته. وتدعو التربويين إلى تقديم هذه الثقافة الاجتماعية الجنسية من خلال المناهج وبطريقة غير مباشرة ابتداء من صفوف الابتدائية لأن طبيعة المجتمع تجعله يفضل هذه الطريقة وليس كل شيء يمكن أن يطبق في المجتمع القطري. وترى العمادي أن الأطفال أكثر فئة معرضة للتحرش الجنسي وهناك فئات لا تفضل عرض ابنها المتعرض للتحرش على استشاري نفسي خوفا من الخجل كونه رجلا وفئات أخرى تفضل عدم الإفصاح عن تعرض الفتاة للتحرش «حتى لا تطلع عليها سمعة»، فهذه الأمور نسبة وتناسب. وتشدد العمادي على ضرورة تعليم الطفل كيف يحمي نفسه من خلال زرع الثقة بالنفس وتعليمه أن يقول «لا» في الوقت اللازم والاستماع إليه وعدم اعتباره مذنبا وإنما ضحية. الوصمة الاجتماعية وتؤكد على ضرورة أن يكون للقانون دور كبير في ردع المتحرشين جنسيا من الكبار لكن السؤال هو: «من يشتكي عليهم». وترى العمادي أننا نعيش في مجتمع يعتبر الوصمة الاجتماعية فيه أصعب من فعل التحرش نفسه. وغالبا فإن ضحية التحرش الجنسي «لا يشتكي بسبب الخوف من العادات والتقاليد والوصمة الاجتماعية». وتعتبر العمادي أن الطفل أو الكبير المتحرش مريض يحتاج إلى علاج ولفترة عزل وبالنسبة للأطفال يحتاجون إلى أن يوضعوا في أماكن نفسية علاجية ويمكن أن يعالَجوا في سن مبكر. وتضيف: أما المتحرش المعتدي فنركز معه على العلاج المعرفي والسلوكي ونحاول أن نكتشف الأسباب التي دفعته لهذا الأداء ونحاول من خلال الجلسات الفردية والجماعية أن نخلصه من هذه الفكرة، ففي عقله يظن أن هذا هو الوضع الطبيعي ونحن نحاول أن نغير هذا المفهوم لديه. وتشير إلى أن عددا من المتحرشين هم أنفسهم كانوا ضحية التحرش الجنسي ولكن الأغلبية شاهدت موقفا من هذا النوع ويمكن أن يكون قد رأى أمه وأباه. وعن نظرة المجتمع لموضوع التحرش الجنسي للأطفال تقول العمادي إن المجتمع من الصعب أن يتكلم عن هذا الموضوع ولا يزال يعتبره من «التابوهات» ولكن رغم أنه مجتمع صغير فإن الوعي فيه ينتشر بسرعة مشددة على السرية في أي مجتمع من المجتمعات. وتعتبر أن انتشار التحرش الجنسي في مجتمعنا أقل من غيره من المجتمعات الغربية وذلك بفضل الوازع الديني. إذن يبقى «كسر حاجز الصمت» هو المعركة الحقيقية التي ينبغي أن تخوضها المؤسسات المعنية بحماية الطفل، من أجل تغيير نظرة المجتمع تجاه الموضوع.