الأربعاء 10 ربيع الثاني / 25 نوفمبر 2020
 / 
11:31 ص بتوقيت الدوحة

سالم الأنصاري.. مشوار 6 عقود في خدمة الثقافة

عبد الله الحامدي

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
سالم بن حسن الأنصاري

نجله لـ «العرب» : والدي تفاعل مع سياسة الدولة لإحياء التراث وحماية الهوية

اقترن اسمه بعمارة بيوت الله وأسس شركة مقاولات أقامت مئات المساجد بأفريقيا وآسيا

فقدت قطر الأسبوع الماضي الوالد سالم بن حسن الأنصاري، أحد أقطاب الثقافة في قطر، ومؤسس دارين من أكبر دور المعرفة في قطر، هما: دار الثقافة ومكتبة المدارس.. حيث استطاع الراحل (رحمه الله)، ومن خلال مجموعة شركاته المتخصّصة في مجال البناء والإنشاءات العامة وأعمال الصيانة وأعمال العزل المائي والحراري، أن يخدم القطاع الثقافي في قطر منذ العام 1963‏‎.‎
حول مسيرته الحافلة بالعطاء، ورؤيته الرائدة لخدمة المجتمع في مجال الثقافة والمعرفة والتعليم بصورة مستدامة، التقت «العرب» مع نجل الراحل السيد جاسم بن سالم الأنصاري، ودار معه الحوار التالي‎:‎


 رحل الوالد سالم بن حسن الأنصاري (رحمه الله)، بعد ستة عقود من العمل المتواصل في قطاع الثقافة والمعرفة، كيف كانت علاقته مع هذا القطاع تحديداً، خصوصاً أنه خاض العمل في قطاعات أخرى؟
- كانت رسالة الوالد في الحياة تتمثل في مقولة «الإسلام دين ودنيا»، وكان منهجه فيها كتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكم كان يردّد الآيات الكريمة التي يحفظها: «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، كما كانت نبراساً لحياته آياتُ سورة الملك في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ»، وعليه فإننا نجده قد بدأ منتصف خمسينيات القرن الماضي في مجال الأعمال في قطاع البناء والإنشاءات العامة، حتى إذا استوى سوقها في مطلع الستينيات أسس «الثقافة» غيرة على كتاب الله وسنة رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد كانت تلك الحقبة مشحونة رسميّاً وشعبيّاً بإعادة صياغة الهوية العربية بعد ما يُسمّى مرحلة «الاستعمار»، وفيها الروح الصاعدة باستقلالية تحت عنوان القومية العربية التي تفاعل معها العرب من المحيط إلى الخليج، إلا أن مسارات ثقافية وإعلامية ومجتمعية انبتت عن معين الوحي الإلهي، بل وشككت فيه جعلته ينهض بتأسيس دار للثقافة تُعنى بنشر وتوزيع التراث الإسلامي والمطبوعات ذات الهوية الإسلامية، فنجد في طليعة منشورات دار الثقافة مؤلفات لمحب الدين الخطيب رحمه الله، والشيخ محمد الغزالي رحمه الله، والشيح أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي رحمه الله، وارتبطت علاقته بهذا القطاع أيضاً بعلاقته بالعلماء محبةً وصلةً وبرّاً بهم، وبحبه للعلم وتحصيله، فكان في قمة عنايته بتربية أولاده، بنينَ وبناتٍ، بل وتشجيع كل طالب علم من أقارب ومعارف، كما كان حاضراً وداعماً في كل المحافل الثقافية التي احتضنتها قطر في سياسة انتهجها حكام قطر منذ عهد المؤسس، تجدَّدت في عهد الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني رحمه الله، ومَن خلفه من حكام، في حفظ القيم الدينية والأخلاقية وإحياء التراث الإسلامي، حيث كان من أبرز رموزها فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله، وفضيلة الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله، وقد كان الوالد -رحمه الله- وفيّاً لقادة الوطن مثمّناً سياستهم المُحافِظة على هويته وقيمه وتراثه، ولا أنسى حرصه الشديد على حضور الصلاة على الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني -رحمه الله- في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب رغم اعتلال صحته، ودعاءه له، كما كان دائم الثناء على صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ومواقفه الدولية ومنجزاته الوطنية، وداعياً للأمير القائد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بالحماية والسداد والتوفيق،‏ هذه السياسة العامة للدولة في إحياء التراث كانت متماهية مع نهج الوالد كما كان متماهياً معها، وهو ما جعل دار الثقافة ملتقى للمثقفين والعلماء والوجهاء في عصرٍ كان فيه العلم والمكتبات الشخصية والعلماء درَّة التاج في معاني كمال الرجولة والشخصية والهوية الوطنية القطرية‎.‎

تبنّي طباعة الكتب
 هل كان الوالد يوصيكم بالاستمرار في العمل الثقافي والمعرفي، رغم المردود الاقتصادي المتواضع عادةً في هذا المجال مقارنةً مع غيره من المجالات؟
- لا أدلُّ على ذلك من استمرار احتضان هذه المنشأة منذ تأسيسها في 16 جمادى الآخرة 1383 هـ، الموافق 2 نوفمبر 1963، وحتى يومنا هذا، ولعل لسان الحال أبلغ توصية من لسان المقال، فرغم ريادة أعمال الوالد في المجالات العقارية والتجارية المتنوعة، فإن اهتمامه انصرف كثيراً للثقافة، وقتاً وجهداً، إلى جانب العناية بالعلم والعلماء والطباعة والنشر والتوزيع، وتصدَّى في سبيل ذلك للتحديات كافة التي قابلته، ومنها: الحريق الذي أصاب المعرض الرئيسي الدائم للكتاب في سوق الجبر، إلا أن عنايته بالكتاب وبالدار لم تفتر، واهتمامه بالإسلام والمسلمين لم يغادر مجلسه الذي كان يوزع فيه المطبوعات التي تتناول أخبارهم ومنها جريدة «المسلمون» ومجلة «المجتمع»، وغيرها من المطبوعات التي كانت دار الثقافة وكيل توزيعها، وكان اتصاله الدائم مع دور النشر في العالم العربي قائمة حتى وفاته، ومن أبرزها العلاقة المتصلة مع المكتب الإسلامي في بيروت الذي أسسه الشيخ زهير الشاويش رحمه الله تعالى، وهو قائم على المنوال نفسه في رسالة نشر الكتاب الإسلامي حتى يومنا هذا برعاية ذريته‎.

 عرف‏ أهل قطر الوالد من خلال دار الثقافة ومكتبة المدارس، ما الجوانب الأخرى في شخصيته التي لا يعلمها عامة القرّاء؟
- لعل بناء الإنسان إلى جانب العمران هو أبرز معالم شخصيته، إلا أن تأسيس الوالد لشركة المقاولات صاحبة سجل المقاولين (رقم 1) اقترن في العقود الأخيرة بتخصّصه في عمارة بيوت الله تعالى، حيث أقامت الشركة مئات المساجد في قطر، وهي صروح بناء جوهر الإنسان وروحه واستقامة وجدانه، كما أن اهتماماته الإنسانية في تشييد صروح العبادة والتعليم في الشرق والغرب، لا سيما آسيا وأفريقيا شاهدة على جوانب من شخصيته، ومن أبرز معالم شخصيته صلته بأرحامه وجيرانه وأصحابه داخل قطر وخارجها، وعنايته بخدمة القرآن الكريم وأهل القرآن دون إفصاح (حتّى لابنه)، وذلك عبر برنامج سنوي رمضاني مستمرٍّ منذ ست سنوات عُرف باسم «برنامج سالم للقرآن الكريم»، وقد رفض تسميته، إلا أنني قلت له: هي مسابقة للبراعم أسمّيها باسم ابني (حفيدك وسميّك سالم)، فقبل رحمه الله، ومازلنا نتعرف على جوانب خفيّة من شخصيته مع الصدى الذي تزامن مع وفاته بثناء محبيه وأقاربه ومن نعرف ومن لا نعرف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتبها شهادة له توجب له الجنة.

محبة العلم والعلماء
 ما‏ أبرز الأحداث أو التجارب التي علقتْ بذاكرتك من مسيرة الوالد، واستفدتَ منها في حياتك العملية؟
-  منذ نعومة أظفاري وأنا أجد والدي معتنياً بمصدر العلم والوحي كتاب الله عز وجل، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ويتعمّد حفظ آيات مختارة لا ينقطع عن تلاوتها في وردٍ يومي، في سيارته وفي مكتبه وفي منزله، ما زلتُ أذكر تبكيره لصلاة الجمعة منذ ساعات الصباح الأولى، وهو يتلو سورة الكهف، ثم يحفظ الآيات المختارة، وكان لي شرف مراجعتها معه رحمه الله تعالى، وبقي القرآن الكريم أنيسه ورفيقه في كل سفر، وحضر بتلاوته الخاشعة المؤدبة صوتاً ومقاماً مع الله عز وجل (حسب وصف أقرب المخلصين)، ويأتي في المرتبة الثانية علاقته الشخصية وحبه للعلماء وأهل الفضل، فقد أكرمني الله أنني شهدت علاقاته الوطيدة بأهل العلم وأهل الدعوة ومواقفه معهم، رافقته رحمه الله في ارتياده للصلاة مع الوالد جاسم بن درويش فخرو -رحمه الله- في مسجد الشيوخ، وحضوره الدائم لمجلس فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله، والشيخ أحمد بن حجر رحمه الله، والشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري رحمه الله، ومن أبرزهم من خارج قطر على سبيل المثال لا الحصر الشيخ حافظ سلامة من مصر، والشيخ مبارك بن سيف الناخي من الشارقة، والشيخ أبو الحسن الندوي والشيخ الأعظمي من الهند‎، والقيمة الثالثة هي البر والصلة بذي الرحم والجار الصاحب، والإحسان مع كل إنسان، ونبراسه الآيتان الكريمتان: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»‏‎، وكانت القيمة التي لا تغادر سيرته الهمّة العالية في العمل الذي يجسد الأثر الشريف «أمتي في بكورها»، فمنذ صلاة الفجر يبدأ يومه في متابعة أعماله، لا سيما بناء المساجد والاهتمام بكافة تفاصيل مراحل البناء بنفسه، وإنسانيته في التعاطي مع العاملين من جميع الفئات والأجناس الذين ارتبطوا به، محبة ووفاءً.

_
_
  • العصر

    2:23 م
...