عزاب ومغتربون: العيد ينكأ الجراح ويعيد ذاكرة الحنين

alarab
منوعات 27 أكتوبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
عشية العيد تزدحم المقاهي بروادها، لكن أحدا من هؤلاء لا ينتظر الصباح كي يمارس طقوس الفرح والمعايدة، يقول لسان حالهم «أما الأحبة فالبيداء دونهمو»، ودون العيد أيضا دماء ومآس تحجب أفراح كثير منهم، وتستدعي حزنا كثيرا! لم يتغير شيء لمحمد السعيد (سوري) منذ العيد ما قبل الماضي غير أنه مرتاح قليلا لهدنة تجري في بلاده سوريا يؤمل معها بقاء الأهل في سلامة داعيا الله أن تدوم. وفي المقهى الذي يجتمع فيه مع صحبه يلعبون «الورق» لا يكاد الليل يمر فهو ثقيل بالعادة منذ انفجرت الثورة السورية، لكنه في الأعياد يكون أكثر وطأة وأشد ثقلا عليه، ففيه كما يقول «يتفجر الحنين» وتنكأ جراحه ويستذكر على بعد قوافل الشهداء، ورفاقا حصدتهم حرب الحرية الدائمة في سوريا. العيد مناسبة لتفجر الحزن يمر العيد إذن ثقيلا على عزاب ومغتربين، تختلط فيه مشاعر كثيرة عليهم، ومعه رائحة الموت في بلدانهم، بالعيد كما كان في ذاكرتهم. على أنه ليست الغربة وحدها هي ما نغص على محمد السعيد فرحته بالعيد، ولا البعد عن الأهل وذوي القربى. ما يؤلم أكثر من ذلك تتابع مشاهد الموت، والحناجر المقطعة وصور التعذيب، تقذف بها شاشات الفضائيات يوميا من بلده سوريا. يقول ربما بعد عامين من المشاهد تبدو الآن الحال أقل صدمة لكن مشهد الموت لا يمكن اعتياده أبدا. ويستذكر محمد: طوال عامين أذكر أنني كنت أسير شاشات الفضائيات، والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي لمواكبة ما يجري. ويضيف: في البداية كنت ما «إن أسمع باقتراب قوات الأمن من المدينة التي تسكنها العائلة، حتى يبدأ القلق الليلي والنهاري بالنسبة لي»، فما أريده ألا يصيب أيا من عائلتي مكروه لا سمح الله، لكن انتقال الأحداث إلى كل البلاد جعل الأمور لدي سيان، فالكل مستهدف والكل مطلوب لجند النظام. مع العيد يستقر في ذهنه المشهد لجثث الشهداء، وصور التعذيب التي تنقلها التلفزيونات والفضائيات، لمسلسل الرعب الذي يجتاح سوريا. يؤمل السعيد رغم سوء المشهد الذي يكتنف «بلده الحبيب»، أن يرى نهاية سعيدة في آخر النفق المظلم الذي تعيشه سوريـــا منذ أشهر طويلة، وفي الأثناء يعيش قســــــوة أيامه هنا موزعا إياها ما بين استحقـــاقات العمل، والهروب إلى المقاهي، ولقاء الأصدقاء، وما بين هذا وذاك يحاول البقاء قريبا من أهله والاتصال بهم ومتابعة الأحداث عن كثب. الصورة غير زاهية لا تبدو صورة الأيام المقبلة لشريكه على الطاولة مهدي سلامة من دمشق زاهية لمقتبل الأيام، فلا أمل يلمحه بعودة قريبة للحياة في بلاده وقد مزقها الدمار، وحتى الحلم الذي جاء من أجله إلى هنا يبدو الآن في حكم السراب «جئت إلى هنا من أجل بناء شقة على الأقل في بيت العائلة»، يخفي وجهه قليلا ويتابع «البيت تدمر وغدا أطلالا»، لكنه يحمد الله على سلامة العائلة التي نجت من القصف». لدى عزاب سوريين هنا كلام كثير يحكونه عن الحنين والألم الذي يجتاحهم، لكن لديهم أيضا بقية أمل في استئناف حياة في الغربة لا يعلمون ماذا تخبئ لهم، يتهون الحديث ويواصلون سحب أراجيلهم، ومتابعة لعبهم «الشدة» في لحظات تفريغ لاحتقاناتهم التي يأملون أن لا تطول كثيرا. سيذهبون غدا لصلاة العيد واستذكار شهدائهم، وسيدعون طويلا أن يتوقف حمام الدماء ليعودوا فقد أنهكهم البعد عن شامهم كما يقولون كثيرا. لوحة في السوق تلك لوحــــة أولى للعيـــد في عشيتــــــــه يمر طويـــــــلا وثقيــــلا على عـــزاب ومغتربين، وفي المشهد صبـــاح العيد، استئنــاف لعشيتـــــه، ففــــــي السوق العتيــــدة «المنتفين» امتـــــداد لليل الجمعــــة الطويــــل هنــــا ســــاعات قديمة وأحذيـــــة باليـــــة والسوق على عهدها ككل الجمع خليـــــة نحل لا تهدأ. يفترش آسيويون زوايا السوق عارضين ما طالته أيديهم من متاع قديم لبيعه، لا يبالي عبدالحميد عبده، بطقوس العيد فهو وحيد هنا وما يريده فقط بيع أشياء قديمة اشتراها، وفي المساء كما يقول فرصة للعودة إلى البيت لإعداد عشاء ومعه نفس شيشة (سلوم) ونكات مع الأصدقاء المتعبين من يوم عمل طويل واستذكار العيد في البلد يضحك لا عيدية لأحد ولا لي أيضاً. صباح المقاهي وفي المقهى ذاته، كأن سيد عبدالحميد (مصري) لم يغادر المقهى ساعات قليلة كان قد أغمضها في الليل ليعود إلى شيشته يغادر لصلاة الجمعة ثم يعود سريعا، فهنا يرى من هم مثله تماما، يتبادل معهم الأحاديث ويستدعون ذاكرة محملة بالحنين إلى أيام خوال، وفيما هم منشغلون بذاكرتهم يستحثون النادل النيبالي لإبقاء الجمر مشتعلا على رؤوس الأراجيل. العيد يوم ثقيل على فضل بلال (لبنان) ويتمنى أن تنقضي الأيام الثلاثة سريعا، فالعمل في شركة المقاولات خاصته على ثقله وإنهاكه أرحم من أيام العيد الطويلة التي ليس لها من العيد إلا اسمها وما تذكر به شاشات الفضائيات عن حلوله في أماكن أخرى من العالم، وفي بلده البنان الذي هو على شفير الانفجار أيضاً. لكن بلال يمارس عيده وهو ينفث أنفاسا متتابعة من «الأرجيلة» عبر الذاكرة فهناك في ضيعته المتاخمة لفلسطين المحتلة يجتمع الأصدقاء وقد أحضر كل منهم نصيبه من أضحية الأهل وعلى تلة قريبة من الضيعة تنبعث روائح الشواء وليالي سمر طويلة ومواويل، تجود بها حنجرة الصحب. لا يخفي فضل سوء الحال هناك وكما كثير من اللبنانيين فإنه يأمل أن لا تعود حالات الاغتيال التي شهدها لبنان في السنوات الماضية، راجيا عودة قريبة للضيعة ولأصدقاء «اشتاق لهم كثيرا» كما يقول. وفي المقهى الذي لا يغادره إلا ليعود إليه يستذكر يوسف محمود (مصري) حنينا جارفا لمقاهي القاهرة ووسط البلد وليالي للتسكع طويلا على كوبري النيل، فهو متعة أخرى وللمعسل هناك طعم آخر، يهجس بالسياسة كما يهجس غيره، والثورة التي شدت أعصابه طويلا لمتابعتها هناك لم تحمل من الآمال له ولا لغيره ما كان مرجوا منها. لا يشتهي كثيرا من الأماني العظيمة التي علقها على ثورة (25 يناير) بيد أنه يرجو هدوءا وعودة قريبة يقضي فيها مع الأهل أوقاتا من الحميمية طال انتظارها بالنسبة له. في العيد يرجو عزاب ومقيمون أن يمر سريعا، لعل أعيادا أخرى تطل وقد تغيرت الحال، لدى كثير منهم، غير أن أجمل أعيادهم سيأتي وقد استقرت أحوال بلدانهم، وبدلا أن تبث شاشات الفضائيات، أخبار الموت وصور الشهداء، تبث صور الفرح والبهجة لبلدان اشتاقت كثيرا إلى مفردات الحب والبهجة.