الاغتراب يدفع الجالية الموريتانية للتخلي عن بعض طقوس رمضان

alarab
قطر اليوم 27 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
رغم بُعد الشقة، تعيش الجالية الموريتانية أجواء رمضانية قريبة من تلك التي تطبع حياة الصائمين في الوطن، حيث يرتفع منسوب الروحانيات وتعمر المساجد بالصلوات وتلاوة الذكر الحكيم. ويعتبر رمضان فرصة للتواصل بين أفراد الجالية، حيث تعد معظم البيوت إفطارات تتسع للأقارب والمعارف، تجسيدا لقيم التكافل الاجتماعي التي تميز الموريتانيين في الحل والترحال. وإلى جانب التواصل بين مختلف طبقاتها، تسهم الجالية الموريتانية بشكل بارز في مختلف الفعاليات الثقافية والدينية التي تحتضنها قطر في خلال الشهر الكريم. وفي حين يتحلق طلبة العلم من كل الجنسيات أمام المشايخ الموريتانيين في مختلف جوامع قطر لينهلوا من علمهم الغزير، يشكل شعراء الجالية حضورا لافتا في المنتديات الأدبية والثقافية. وطبقا للباحث مختار ممُّ، لم يؤثر الاغتراب على الجالية، حيث نقلت معظم عاداتها وتقاليدها الرمضانية إلى قطر، حيث تحرص على التزاور والتكافل وتلاوة القرآن. لكن مصطفى يعقوب يلاحظ أن الجالية في قطر بحكم إكراهات الغربة وتغير القناعات، تخلت عن بعض الطقوس التي يحرص عليها الموريتانيون في رمضان. ومن أبرز هذه الطقوس التي يلاحظ يعقوب غيابها «ادرميز» (حلق شعور) الأطفال قبل حلول الشهر الكريم بيوم أو يومين، تبركا بالشعر الذي سينبت فيه، وهو ما يسمى محليا بـ «زغبة رمضان». ويلاحظ مصطفى أن بعض أفراد الجالية خصوصا من حفظة القرآن يفضلون صلاة التراويح في بيوتهم، اعتمادا على الراجح من مذهب الإمام المالك بتفضيل الانفراد بها إن لم تعطل المساجد. موعد مع العفاريت ويشير إلى أن عادة حرق بخور «المباركة» (المُرّة) في ليلة السابع والعشرين لطرد الشياطين -التي يطلق سراحها في تلك الليلة وفقا للموروثات الشعبية- لا يوجد لها صدى بين أفراد الجالية في قطر. غير أن الباحث بالشبكة الإسلامية يرجع غياب هذا التقليد وانحساره حتى في موريتانيا إلى أنه بدعة لا أصل لها في الشرع: «فالشياطين إنما تطرد ويتقى شرها بالاستعاذة بالله منها وبقراءة القرآن.. كما أن ليلة السابع والعشرين في أرجح الأقوال ليلة القدر وهي سلام حتى مطلع الفجر». ويلفت محمود إلى أن من أهم العادات التي ألفها الموريتانيون، رشّ أفراد العائلة بماء ينفث فيه الإمام في ليلة السابع والعشرين بعد ختمه القرآن «فيستشفون بذلك الماء وربما كاثروه ليعم ويسع الجميع». وإلى جانب إحياء نهار رمضان، يحرص أفراد الجالية على التواصل مع ذويهم في الليل ومتابعة ما يبثه التلفزيون الموريتاني من برامج مختلفة تغطي الثقافة والصحة والدين. ورغم تأثير الحداثة على ثوابت كل المجتمعات، يعتبر الموريتانيون رمضان فرصة لتجسيد قيم التكافل وصلات الأرحام والإنفاق على طلبة العلم وفتح البيوت أمام السائل والمحروم. ومع أنه مناسبة دينية في المقام الأول، يزدحم الشهر الكريم في موريتانيا بالكثير من العادات والتقاليد التي أبت إلا أن تتآلف مع أجواء المدن بعد أن تناغمت مع «عزف» الصحراء مئات السنين. ورغم أن التنوع العرقي وتأثر كل إقليم بالذين يلونهم من دول الجوار جعل لكل جهة خصوصية وأعرافا، فإن هناك «هديا» رمضانيا في العادات والعبادات تتوارثه الأجيال ويجمع عليه الناس في جميع أنحاء البلد المترامي الأطراف. مطبخ الصحراء ومن الطبيعي ألا يستأثر المطبخ الرمضاني بالكثير من الاهتمام، لأن تفاصيله ليست بتلك الكثرة ما دامت مفردات العيش في الصحراء لا تتجاوز اللحم والحليب. وحتى في عهد المدن، لم يستطع المطبخ الموريتاني أن يضيف صنفا جديدا لمتذوقيه سوى الأرز الذي أجمع الناس على تناوله في الغداء، بينما يختلف العشاء تبعا للجهة ولكن إلى صنفين فقط هما الكسكس والعيش. ولعل مائدة الإفطار نسخة طبق الأصل من موائد الشهور الأخرى، فليست في موريتانيا أطباق ولا حلويات رمضانية مثلما نرى في المشرق والمغرب. فإذا ما استثنيا «أطاجين» الذي يحيله رمضان من وجبة كمالية إلى ضرورة للموسر والمعسر على حد سواء، تحتفظ «الصفرة» الرمضانية بالأرز والكسكس وحساء يحضر من دقيق القمح يعرف بالنشاء. ولعل الشاي الأخضر هو «فرحة الصائم» في موريتانيا، حيث يحضر قبل موعد الإفطار ويتناوله الجميع غالبا قبل أن يفرغ المنادي من الأذان، ثم يعودون له أثناء وبعد الأكل وعقب التراويح وعند السحور. ومع أنه نديم محبب لكل الموريتانيين، يواجه الشاي الأخضر تهما بالتهام وقت وجيوب الناس، حيث تستغرق كل دورة منه أربعين دقيقة على الأقل، فيما وصلت أسعار أصنافه الجيدة إلى 3 آلاف أوقية للكيلوغرام. لكن عناد العادات الغذائية في موريتانيا وصمودها أمام كل المتغيرات لم يمنع من ملاحظة مظاهر جديدة لا تزال تثير استغراب الكثيرين، مثل الإفطار في المطاعم، والموائد الخيرية التي تعدها الجمعيات الإسلامية لضيوف الرحمن من ذوي الدخل المحدود. مدائح وشعر ورغم محدودية فضاءات الترفيه بموريتانيا، يتميز رمضان بتنظيم العديد من الفعاليات الثقافية، حيث يتبارى الشعراء في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يستقطب اهتمام الجمهور الذي يحب الشعر ويقدر الشعراء. وينحسر اهتمام الموريتانيين في رمضان بالطرب الحساني والحفلات المختلطة، حيث يطغى الالتزام في القول والعمل على معظم الفعاليات التي تنظم في أرجاء الوطن طيلة الشهر الكريم. وتحظى مسابقة شاعر الرسول باهتمام كبير، حيث تستقطب اهتمام الشعراء والنخب المثقفة من الأدباء والنقاد، ويتابعها الجمهور عبر التلفزيون، إلى جانب العديد من المسابقات الإنشادية والشعرية التي باتت جزءا من واقع الموريتانيين في رمضان. وتُسخر الحكومة في رمضان الإذاعة والتلفزيون للدعوة وبث العلم، حيث تنقل على الهواء مباشرة محاضرات ودروسا دينية ينعشها كبار العلماء وتحظى باهتمام المواطنين في جميع الولايات. وتحظى الليلة الأولى من رمضان بزخم كبير، حيث يتابع الجمهور اجتماعات لجان الأهلّة التي تتواصل مع جميع السلطات المحلية، بحثا عمن يكون قد شاهد الهلال حيث يخولها القانون وحدها البت في ثبوته من عدمه. لكن شرائح واسعة من المجتمعة تعتبر نفسها في حل من قرارات لجنة الأهلّة، حيث يصوم البعض بناء على كمال شعبان أو برؤية عدلين بغض النظر عن موقف اللجنة، فيما يرفض آخرون الاقتداء بها تحفظا منهم على ثبوت الرؤية عبر وسائل الإعلام. ومع اعتماد الغالبية على الوسائل الحديثة في الاستيقاظ، يحتفظ السحور الموريتاني بنكهته الخاصة خصوصا في مدن الداخل، حيث يتجول فتية بين الأحياء يقرعون الدفوف وينادون: سحروا يا عباد الله. وقبل الفجر بأكثر من ساعة، يؤذن في كل المساجد حرصا على إيقاظ الصائمين لسنة السحور، حيث يختم المنادي الأذان بعبارة: سحروا يرحمكم الله.