بين الإمام مالك وأبي جعفر المنصور
باب الريان
27 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد الهنداوي
• القصة:
قال القاضي عياض في كتابه «الشفا» (2/595):
حدثنا القاضي أبوعبدالله محمد بن عبدالرحمن الأشعري وأبوالقاسم أحمد بن تقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه، قالوا: أخبرنا أبوالعباس أحمد بن عمر بن دلهاث، قال: حدثنا أبوالحسن علي بن فهر، حدثنا أبوبكر محمد بن أحمد بن الفوج، حدثنا أبوالحسن عبدالله بن المنتاب، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا ابن حميد، قال: «ناظَرَ أبوجعفر المنصور أمير المؤمنين, مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين: لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله -تعالى- أدب قوما، فقال: «لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ»، ومدح قوما فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» وذم قوما فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ»، وإن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان لها أبوجعفر، فقال: يا أبا عبدالله: أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به، فيشفعك الله قال الله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا».
• التحقيق:
قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (1/238 وبعدها)، و «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (1/122 وبعدها):
«قلت: هذه الحكاية منقطعة؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكا لاسيَّما في زمن أبي جعفر المنصور، فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومئة، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومئة، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومئتين، ولم يخرج من بلده حين رحل في طلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث، كذبه أبوزرعة، وابن وارة، وقال صالح بن محمد الأسدي: ما رأيت أحدا أجرأ على الله منه، وأحذق بالكذب منه.
وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.
وآخر من روى الموطأ عن مالك هو أبومصعب، وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين، وآخر من روى عن مالك على الإطلاق أبوحذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي، توفي سنة تسع وخمسين ومئتين. وفي الإسناد أيضا من لا يعرف حاله. وهذه الحكاية لم يذكرها أحد من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه، ومحمد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته.
هذا إن ثبتت عنه، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه، بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم، ومروان بن محمد الطاطري ضعفوا رواية هؤلاء، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه، رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه، وهو ضعيف عند أهل الحديث.
مع أن قوله: «وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة» إنما تدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، وهذا حق، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة حين يأتي الناس يوم القيامة آدم ليشفع لهم، فيردهم آدم إلى نوح، ثم يردهم نوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى، ويردهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر».
ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف
وعند أصحاب أبي حنيفة، لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضا. ثم منهم من قال: يجعل الحجرة عن يساره -وقد رواه ابن وهب عن مالك- ويسلم عليه.
ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ويسلم عليه، وهذا هو المشهور عندهم، ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.
لذلك قال القاضي عياض في «المبسوط» عن مالك، قال: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي».
إن طلب شفاعته ودعائه واستغفاره بعد موته وعند قبره ليس مشروعا عند أحد من الأئمة المسلمين، ولا ذكر هذا أحد من الأئمة الأربعة وأصحابهم القدماء، وإنما ذكر هذا بعض المتأخرين» أهـ بتصرف.