نصر الدين طوبار.. صوت من الجنة

alarab
باب الريان 27 أغسطس 2011 , 12:00ص
عبدالغني عبدالرازق
يعد الشيخ نصر الدين طوبار من الأشخاص القلائل الذين وهبهم الله صوتا به شجن فبمجرد أن يستمع إليه أي شخص يقشعر بدنه ويبدأ يفكر في ملكوت الله، وهذا الملك الفسيح الذي نعيش فيه ولذلك فهذا الرجل نادرا ما نجد صوتا مثله، فالكثيرون قالوا عنه إن صوته ليس من سكان الأرض إنما هو صوت قادم من الجنة. ميلاده ونشأته ولد الشيخ نصر الدين محمد شلبي محمد طوبار‏ في حي الحمزاوي بالمنزلة‏.‏ بمحافظة الدقهلية عام 1920 وتعلم في كتاب الشيخ محمد أبو سلطان‏ بالحي نفسه‏.‏ والحقيقة أن موهبة الشيخ نصر الدين لم تظهر بشكل مفاجئ‏،‏ وإنما ورثها عن جده لأبيه الشيخ شلبي محمد طوبار‏، فقد كان شيخا وقارئا للقرآن‏.‏ ومحييا لليالي العائلة‏، خصوصا في المناسبات الدينية‏.‏ وعلى طريق الجد سار الحفيد‏، فقد كان يحيي مناسبات العائلة بقراءة القرآن ومدحه النبي‏.‏ لكن الاختلاف هنا هو أن الأقارب ألحوا على الأب أن يعمل على إلحاق الصغير بالإذاعة‏ أو البدء في إعداده لذلك الطريق‏. وبالفعل غير الوالد مسلك حياة الابن، حيث قام بتحويل أوراقه من المدرسة الخديوية إلى المدرسة الأولية ليتعلم أصول قراءة القرآن وأحكامه ومبادئ اللغة العربية. انتقاله إلى القاهرة بعد ذلك تعلم الشيخ نصر وأنهى تعليمه الأولي وذهب إلى القاهرة عدة مرات‏،‏ وفي النهاية استقر فيها‏ ووضع لنفسه هدفا وهو القبول في الإذاعة‏ فتقدم إليها وخاض اختباراتها للاعتماد كمبتهل‏.‏ لكنه لم ينجح لسبب بسيط وهو أنه لم يكن دارساً لعلم الموسيقى والمقامات الصوتية فكان رسوبه في الاختبار أول مرة داعيا للانتباه إلى ما يقصده‏.‏ لسد تلك الثغرات وكان المشايخ وقتها ينصحونه دائما بضرورة الاهتمام بالموسيقي كعلم‏، وليس فقط كموهبة، وكذلك دراسة المقامات الصوتية‏‏ مثل البياتي والصبا والنهاوند والحجاز والسيكا على أيادي متخصصين‏.‏ حتى اقتنع الشيخ بضرورة الدراسة حتى ينجح‏.‏ بعد أن تأكد أن الابتهال أو الغناء ليس مجرد صوت حسن بل هو تدريب صوتي على القراءة الصحيحة المتمكنة فترات طويلة‏.‏ التحاقه بمعهد الموسيقى التحق الشيخ نصر بمعهد الموسيقى العربية‏‏ ودرس فيه مبادئ الموسيقى‏‏ وكان من الأوائل على دفعته‏،‏ ولذلك وجد تشجيعا كبيرا في بداياته من موسيقار الأجيال الراحل محمد عبدالوهاب والسيدة أم كلثوم‏.‏ وبزغ نجمه في الابتهالات والتواشيح‏.‏ ورغم ذلك فإنه رسب في اختبارات الإذاعة خمس مرات متتاليات‏ حتى أصابه اليأس‏‏ وتمكن منه الإحباط‏‏ وقرر عدم خوض التجربة مرة أخرى‏،‏ إلا أن إصرار من حوله هو الذي دفعه إلى دخول اختبارات أصوات قراءة القرآن والإنشاد الديني للمرة السادسة‏ حتى نجح بالفعل وتم اعتماده قارئا في إذاعة القرآن الكريم في عام‏1956‏ أي وهو في السادسة والثلاثين من عمره‏.‏ وكان أول تعيينه مقرئا للقرآن ومنشدا للابتهالات بمسجد الخازندارة بشبرا‏، وهو المسجد الذي شهد فترة عز وتألق وشهرة الشيخ،‏ ليصبح بعد ذلك أحد أضلاع مثلث رمضان الشهير وهو الشيخ محمد رفعت والشيخ سيد النقشبندي بالإضافة إلى الشيخ نصر‏.‏ ومن مدائحه الشهيرة يا سالكين إليه الدرب لا تقفوا، ومجيب السائلين‏،‏ وجل المنادي،‏ وسبحانك، وقد اشتهر الشيخ بمسحة حزن في صوته‏‏ كانت تنال إعجاب المستمعين، وهو ما دفع الشيخ إلى التركيز بقوة على الابتهالات والأدعية‏.‏ أكثر من أدائه للتواشيح، ومنذ عام‏1967‏ اختار الشيخ لنفسه طريقة خاصة في أداء الابتهالات اعتمد فيها على الخشوع والضراعة أكثر من اعتماده على التلوين النغمي والأداء الطربي‏، فجاء أداؤه ليجعل القلوب تبكي وتتذكر الله في كل لحظة، ومحفزا على فعل الخير والتقرب إلى الله. زيارته للقدس كان للشيخ نصر الدين طوبار علاقة وثيقة بالرئيس السادات، ولذلك كان الشيخ نصر من بين الذين اختارهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات لاصطحابه إلى القدس في تلك الزيارة التاريخية عام‏1977 كما كان بصحبة الرئيس الراحل من نجوم القراءة والإنشاد مثل الشيخ مصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد وشعبان الصياد‏، إضافة إلى نجوم الفن والسياسة، وهناك اخترق بصوته أجواء بيت المقدس يوم أن أنشد في حفلة بالمسجد الأقصى الذي زاره مع الرئيس الراحل محمد أنور السادات في رحلته إلى القدس وكان ذلك يوم العيد وكان الشيخ "نصر الدين طوبار" يكبر للعيد بنفسه، بينما يردد بعده المصلون بالمسجد الأقصى. رحلته في الدول الأوروبية سافر الشيخ نصر الدين طوبار إلى العديد من الدول الأوروبية والأجنبية ولكن تأتي المرحلة الأهم في حياته عندما أنشد في قاعة ألبرت هول بألمانيا والتي تعد واحدة من أهم القاعات في العالم التي تعرض الأشكال المختلفة للغناء والموسيقى، فكان ذلك سببا في شهرته دوليا‏، حيث كتبت عنه صحيفة ألمانية تعبيرا شهيرا وهو (صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب) وهذا التعبير تم ترجمته في الصحف المصرية وأصبح حديث الجمهور‏، وقد اختير الشيخ نصر الدين طوبار مشرفا وقائدا لفرقة الإنشاد الديني التابعة لأكاديمية الفنون بمصر في عام 1980. وفاته توفي الشيخ نصر الدين بعد رحلة طويلة من العطاء حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها في عام 1986 بعد أن امتلك قلوب المسلمين، وعن حياته الخاصة فقد أنجب الشيخ ولدين فقط وهما أدهم وياسر، يعملان بمهنة المحاماة ويقيمان بالقاهرة‏.