حينما يجيءُ عذاب الله لا يَحُول دونه حائل مهما تَتَحَصّن بالصخر والجبال

alarab
باب الريان 27 أغسطس 2011 , 12:00ص
تفســير القرضـاوي في رحاب سورة الحِجْر (10)
الانتقام من أصحاب الأيكة {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} الظلم الأول: ظلم الشرك، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]. الظلم الثاني: ظلم الناس، كانوا يُطفِّفون في المكيال والميزان، وكانوا يبخسون الناس أشياءهم، ويعيثون في الأرض مفسدين. كان أصحاب الأيكة ظالمين، فانتقم الله منهم: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} عاقبناهم على ظلمهم بأن أهلكناهم بشدة الحر، {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ} طريق، وإنما سمِّي الطريق إماماً لأن الإنسان يؤتم به حتى يبلغ الموضع الذي يريده {مُبِينٍ}. ما المراد بقوله سبحانه: {وَإِنَّهُمَا}؟ هل هما أصحاب الأيكة ومَدْيَن الذين أرسل إليهما شعيب، أم هم أصحاب الأيكة وقوم لوط، لأنهم قريبون بعضهم من بعض في المكان وفي الزمان؟ ولذلك قال شُعيب حينما أنذر قومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود: 89]. أصحاب الحِجْر قوم صالح {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون} [سورة الحجر آية: 80-84] قصَّة ثالثهٌ يذكرها الله تعالى بعد أن نبَّأ عباده أنه هو الغفور الرحيم، وأنَّ عذابه هو العذاب الأليم، وهي قصَّة أصحاب الحِجْر، حِجْر ثمود قوم سيدنا صالح -عليه السلام-، وهؤلاء من العرب، الذين يُسمُّونهم العرب البائدة، الذين بَادوا ودَرَسَتْ آثارهم، ولم يَبْقَ منهم شيء: {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} [النجم:51]، لم يبق منهم أحد، عاد وثمود من العرب البائدة. تكذيب أصحاب الحجر المرسلين {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}، هم كذَّبوا صالحاً وجحدوا ما جاء به وأنكروه، وإنما قال تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}، لأنَّ من كذَّب نبياً فكأنما كَذَّب الأنبياء جميعاً، لأنَّ من يفتري على هذا يفتري على ذاك، ولذلك قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، فهم كذَّبوا نوحاً وكذَّبوا بتكذيبه كلَّ رُسُل الله -عزَّ وجل-: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ}. مكان حِجْر ثمود حِجْر ثمود هذا في الطريق، من خيبر إلى تبوك، وتعرف باسم (وادي القُرى)، وفيها بقايا آثار (ثمود) ويطلق عليها الآن: (مدائن صالح). مرَّ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى غزوة تبوك، وحينما وَصَل إلى ديار القوم، غَطَّى وَجْهَهُ وأسرع بدابَّته، وقال: لا تدخلوا ديار الظالمين إلا وأنتم باكون خشية أن يصيبكم ما أصابهم. ففي الصحيح عن سالم بن عبدالله عن أبيه رضي الله عنهم، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا مرَّ بالحجر، قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلاَّ أنْ تكونوا باكين، أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تَقنَّع بردائه، وهو على الرَّحْل». هلاك أصحاب الحضارات القديمة كان قومُ صالح هؤلاء، ونُسَمِّيهم الآن أصحاب حضارة. وقد ذكر الله في سورة الفجر أصحاب حضارات قديمة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:6-14]، كلهم أصحاب حضارات مدنيَّة، عاد قوم هود: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:128، 129]. وهؤلاء ثمود، قوم صالح: {كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ} [الحجر: 82]، أو {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَال ِبُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:149]، يشقُّون الصَّخر وينحتون الصَّخر، ويجعلون منه مساكن لهم، وبيوتاً لهم آمنين، مُقدِّرين الأمن، إنَّ الأمن مستمرٌّ لهم إلى الأبد، كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين، فبعث الله إليهم صالحاً -عليه السلام- يدعوهم إلى عبادة الله وحده: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود:62]، وظلَّ سيِّدنا صالح يدعوهم إلى طاعة الله، وإلى عدم طاعة المفسدين في الأرض من الجبابرة والمُسْرفين، قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ* قالوا إنمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء، 150- 154]، فآتاه الله آيةً عظيمة، هي الناقة، أخرج له من الصَّخرة ناقةً بدعاء سيِّدنا صالح: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155]، يعني تشربون يوماً، وتشرب الناقة في اليوم التالي، وهكذا، واليوم المُخَصَصَّ لشرب الناقة تشربون من لبنها. إعراض قوم صالح عن الآيات {وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أعظم هذه الآيات: النَّاقة، بل هي آية تتضمَّن آيات بالحقيقة، ومع هذا تمرَّدوا على هذه الآية التي طلبوها، وأمهلهم، قال لهم: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73]، فقام أشقاهم وَعَقَر الناقة، ذبحها، انتهى الإمهال لهم: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65]، ثم جاءتهم الصَّيحة: {فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78]. {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} وهذه البيوت المَنْحُوتة في الصَّخر لم تُغْنِ عنهم شيئاً، حينما يجيءُ عذاب الله لا يَحُول دونه حائل، فَتَحَصَّنَ ما شئت أن تَتَحَصّن بالصخر بالجبال، فابنُ نوح حينما جاء الطُّوفان قال لأبيه: {قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود:43]. هؤلاء ظنُّوا أنَّ بيوتَهُم المُحَصَّنة في الجبال تمنعهم وتَحميهم إذا جاء عذابُ الله، ولن تغنيَ عنهم بيوتهم شيئاً، ظنُّوا أنَّ بيوتهم مانعتهم من الله -عزَّ وجل-، فأتاهُم الله من حيث لم يحتسبوا. هلاك قوم صالح بالصيحة {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} {مُصْبِحِينَ}، أي: وقت الصَّباح، كما أخذت الصيحةُ قومَ لوط مشرقين، عند شروق الشمس، هؤلاء أخذتهم مُصْبحين. {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ما عملوا وما جمعوا وما بنوا وما حصَّنوا وما نَحَتوا في الجبال، لن يُغْنيَ عنهم حين جاء عذاب الله شيئاً، هذا شأن الله دائماً. هناك قومٌ ذكرهم القرآن: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 83-85]، حينما يأتي بأس الله لا يَرُدُّه رَادّ. إنَّ قضاء الله نافذ، وحُكْمُه جارٍ على كلِّ من قضى الله -عز وجل- بهلاكه. قصص سورة الحجر هذه هي القصص الثلاثة التي تضمَّنتها هذه السُّورة بعد قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}، فإذا ضَمَمْنا إليها قصَّة الإنسان الأول: قصَّة آدم وإبليس تكون السورة قد تضمَّنت أربع قصص، وإذا فصَّلنا وقلنا: قصَّة إبراهيم وقصَّة لوط، تكون قد تضمَّنت خمس قصص، وفيها عبرةٌ للمؤمنين، وآيةٌ للمؤمنين، وآياتٌ للمتوسِّمين. نسأل الله -عز وجل- أن يُفقِّهنا في كتابه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، أولئك الذين هَداهُم الله، وأُولئك هم أولو الألباب، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ * كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. التَّسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيناسه وشدُّ أزره وفي هذه الآيات الخمس عشرة الأخيرة من السورة تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إيناسًا له، وشدًّا لأزره، وتَقْويةً لعَضُده، في مواجهة أهل الشِّرك، وأهل الباطل، الذين سَخِروا من دعوته، واستهزؤوا بها، وكادوا لها كَيْدًا. مخاطبة الله سبحانه رسوله بكاف الخطاب عشر مرات: الله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله، نجدُ كافَ الخطاب {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}، {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ}، {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. وهكذا، خطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلَّم. أوامر ونواهي في عشر آيات وكذلك أمرٌ ونهيٌ حوالي عشر مرات: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}، {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ}، {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}، {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ}، {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. أوامر ونواهي: كلها خطابٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، بعد أن قصَّ عليه قَصَصَ السابقين من الأمم السَّابقة. الحكمة من قصص القرآن والأمم حين يقصُّ القرآن قَصَصَهَا، لا يَقْصُد بها التسلية، ولايَقْصُد بها مجرَّد إزْجَاء الوقت، ولكن للعبرة بها: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111]، {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]، ومن هنا جاء الخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلَّم. خَلْقُ السموات والأرض بالحقّ لا بالباطل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} بدأ هذا الخطاب بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، ما خلق الله هذا الكون عُلويَّه وسفليَّه، السماوات العُلى والأرض التي جعلها الله للنَّاس بساطًا وفراشًا ومهادًا، وما بين السماوات والأرض من مخلوقات، لم يَخْلق الله هذا العالم، هذا الكون كلَّه باطلاً، ما خلقه إلاَّ بالحق والحكمة والمصلحة، فاللهُ من أسمائه: الحكيم، فلا يخلق شيئًا عبثًا ولا اعتباطًا، لايخلق شيئًا باطلاً، ولا يشرع شيئا عبثًا ولا اعتباطًا أيضًا. موقف أُولي الألباب من التفكر في خلق السموات والأرض ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191،190]، يقول هؤلاء أُولوا الألباب، أهل الذكر والفكر، الذين يذكرون الله تعالى، ويتفكَّرون في خلق السموات والأرض: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}، يستحيل أن تخلق هذا الكون باطلاً، لا بد أنَّك خلقته لحكمة، عَلِمَهَا مَنْ عَلِمَهَا، وَجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا، وهذا الذي نفاه أولوا الألباب، ذكره القرآن حينما قال تعالى في سورة ص: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أم نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أم نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28،27]، العدل الإلهي في مجازاة المحسن بإحسانه ومعاقبة المسيء بإساءته هذا هو الباطل أن يُسوِّي اللهُ بين المُحسن والمُسيء، بين المؤمن والكافر، بين المُتَّقي والفاجر، هذا يتنافى مع العدل، ويتنافى مع الحكمة، هذا هو الباطل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، الذين كفروا ظنُّوا أن سُوق هذه الحياة سَتَنْفَضُّ، وقد ظَلَمَ فيها الظَّالم، وَقَتَل فيها القاتل، وَسَرَقَ فيها السّارق، وطغى فيها الطَّاغية، وارتكبت فيها القبائح، فلم تَطُلْ هؤلاء يدُ القانون، فلم تنالهم يد القانون، فهم حرَّاس القانون (حاميها حراميها)، هم الذين كانوا من المفترض أن يُعَاِقُبوا المجرمين، فما بالنا إذا كانوا هم المجرمين، فمن يعاقبهم؟ من يعاقب فرعون وهامان وقارون؟ من يعاقب الأشرار والفجار الذين يملكون القوة ويملكون السلطة؟ هذا هو الباطل، إذا كانت الحياة ستنفضّ، وقد عاش هؤلاء مُتَمَتِّعِين بالأموال، مُتَمَتِّعين بالسُّلطان، آكلين لحقوق غيرهم، دائسين على الضعفاء بأقدامهم، ولم يأخذوا عُقُوَبَتهُم، تكون هذه الحياة باطلةً، إذا خرجَ الظَّالم والطَّاغية من هذه الحياة ولم يَنَلْ عقوبته الَّلائقة بمثله أين العدل؟ هناك أناسٌ لم تَنلهُم يدُ القانون في الدنيا، يُوجَدُ بعض رجال القانون يقول: القانون حمارٌ؛ لأنَّ كثيرًا من الناس يمكرون على القانون ويَغْلِبونه، عنده حِيَلٌ للخروج من القانون، في أميركا يوجد من يُؤَلِّف كتبًا للتحايل على القانون، فماذا يفعل القانون مع هؤلاء؟ فكما قلنا: الذين في أيديهم تطبيق القانون يخونون القانون، إذا كان الظَّالم سيخرج من الحياة دون أن ينال عقوبة ظُلْمِهِ، والأخيار الذين عاشوا طوال حياتهم لحراسة الحق، وخدمة الخير ومنفعة الغير، وعمل الصَّالحات، واستباق الخيرات، ثمَّ لم يَنَالُوا جزاءهم، بعضهم قَتَلَ، ربما يقول بعض الناس: نالوا جزاءهم براحة ضمير وهدوء نفس وطيب حياة، لا، بل قتلوهم في شبابهم، لم يَنَل جزاء ما عمل من صالحات وما قدَّم من خيرات، إذا انتهت الحياة على ذلك فهي باطلة، لأن الإنسان لم ينل جزاءه ثوابًا أو عقابًا، لهذا أكَّد القرآن على أنَّ الله يبعث من في القبور، ويُجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، فلا يقبل أن تنتهي هذه الحياة ولا تكون هناك حياة أخرى، هذا باطل، الحقُّ أنَّ الله خلق هذه الحياة لتكون مزرعةً لحياة أخرى، نحن نزرع هنا لنحصد هناك، اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل، فلا بدَّ أن تكون هناك حياة أخرى تُوفَّى فيها كلُّ نفس ما كسبت، وتُخلَّد فيما عملت، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشر: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:8،7]، كلُّ إنسان سيرى جزاءه: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة:6]، يرى عمله بعينه: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14]. لهذا قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ}، وكما قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم:31]، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الجاثية:22،21]. هذا هو الحق أن تُجْزى كلُّ نفس بما كسبت، لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، لا العمل الصالح يضيع، ولا العمل السيئ يضيع، هذا يُجْزى حسناتٍ ومثوبة، وهذا يُجْزى على السيِّئات سيِّئات وعقوبة، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الدخان: 38- 40]، هذا هو الحق، الحق الذي قامت به السماوات والأرض. تأكيد قرب الساعة {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} الساعة التي يُجْزى فيها المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه، وتُوفَّى كلُّ نفس فيها ما كسبت، الساعة آتيةٌ، بهذا التأكيد {وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ}، إنَّ هذه حرف توكيد، والَّلام في الخبر تأكيدٌ على تأكيد، يؤكِّد أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريْبَ فيها، وأنَّ الله يبعث مَنْ في القبور، {وَإِنَّ السَّاعَةَ} يوم القيامة بالبعث والحساب والجزاء {لَآَتِيَةٌ} واقعةٌ وحاصُلة. الصفح الجميل {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} الحسن اللطيف من دون عتاب أو انتقام اصْفَحْ الصَّفْح الجميل، تعامل مع الناس بالخُلُق الحَسَن، اصْفَح الصَّفْح الجميل، هكذا أمره الله سبحانه وتعالى. القرآن أمر بالصَّفْح الجميل، والصَّبر الجميل: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5]، والهَجْر الجميل: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10]، والصَّفْح الجميل: الذي لا تشديد في العتاب معه، والصبر الجميل: الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل: الذي لا إيذاءَ معه، هكذا أمر الله سبحانه وتعالى رسوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}. القرآن يحثُّ على تذوق الجمال الحسِّي والمعنوي القرآن يَحُثُّنَا على تذوُّق الجمال في كلِّ شيءٍ، الجمال الحسِّيّ كما ذكر في سورة النحل: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:6]، حينما ترجعون بالأنعام بالإبل والبقر والغنم وهي ممتلئة البطون عند الرَّواح، وحين تَسْرَحون بها، منظرٌ جميلٌ، لوحة فنيَّة رائعة، لو رَسَمها فنَّان ما أجملها، كيف وأنت تراها في الطبيعة، خَلَقَتْهَا يدُ الله، التي أحسنت كلَّ شيء خلقه، وأبدعت كلَّ شيء صنعه، الجمال الحسِّي والجمال المعنويّ، في الأخلاق. دعوى نَسْخ آية الصَّفح الجميل بآية السيف بعض المفسرين قالوا هذه الآية كانت قبل آية السيف، آية السيف جاءت قطعت رقاب مئة وأربعين آية أو مئتين آية من القرآن الكريم، ولكن المفسِّرين المحقِّقين قالوا: هذا لا يُنْسَخ، هذا أمرٌ لحُسْن الخُلُق، وحُسْن الخُلُق هذا لا يمكن أن يُنْسَخ، إنما بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَتَمِمَ مكارم الأخلاق، كيف تُنْسَخ مكارم الأخلاق؟ وقد جاء في القرآن المدني: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:13]، والقرآن المكيُّ: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف:89]، فهذا ليس بمنسوخ.? إيناسُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتسليته {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} كلمة {إِنَّ رَبَّكَ}: فيها نوعٌ من الإيناس، لم يقل: إنّ الله هو الخلاَّق العليم، ولكن {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} فإنَّك تستوثق أنَّه معك، لأنَّه ربُّك، ليس غريبًا عنك، ولا بعيدًا منك، فهو يُربِّيك ويرعاك، وهو يُدبِّر أمرك فلا تحزن ممَّا يقابلك به المشركون، لأنَّ الله مُقدِّره وعالمٌ به، وسينالون جزاءه. قدرة الله تعالى على الخلق {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ} المُوجد لما يشاء من العدم، الخالق لجميع المخلوقات على الإطلاق {الْعَلِيمُ} المحيط بخفايا الأمور ودقائقها، وذلك لأنَّه خلاَّق عليم