د. إسماعيل: سوء إدارتنا لصراعنا مع الخصوم أخّر انتصاراتنا

alarab
قطر اليوم 27 يوليو 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
قال الشيخ الدكتور مدثر أحمد إسماعيل: إن القرآن فيه آيات كثيرة حدثتنا عن طبيعة الصراع الذي بيننا وبين خصومنا، وهو صراع بين أهل الحق والإيمان وبين أهل الباطل والطغيان. وأضاف الأمين العام للرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان في خطبته أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب: إذا تبصرنا في الآيات التي حدثتنا عن هذا الصراع سننظر إلى ذلك الصراع نظرة حقيقية وستستقر عندنا المسلمات التي على ضوئها سنحسن التصرف في إدارة الصراع مع خصومنا، مشيراً إلى أن الصراع الذي يدور الآن على أراضي المسلمين نسمع تفاصيله ونرى عبر وسائل الإعلام حلقاته وسناريوهاته، كله مرده من الذي سيحكم ويغلب هل هي شريعة الله وعباده المفلحون أم من يحاربون الله ولا يريدون تحكيم شريعته. وزاد الخطيب: اعلموا أن حقيقة هذا الصراع لن تقف وستظل دائرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بأن تكون الصراعات بين الحق والباطل مستمرة ولن يفتر دعاة الباطل ولن يهدأ لهم بال إلا إذا ارتددنا عن ديننا ونحينا شريعة ربنا جانباً وقبلنا بنظامهم الوضعي مستشهداً بقوله تعالى {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}. وبيّن أنه ليس صراعاً من أجل تغليب شخصية على شخصية أو تغليب حزب على حزب أو تقديم مصلحة على أخرى بل صراع من أجل أن تكون العبودية في الأرض لله أو ألا تكون عبودية في الأرض لله تعالى ولتعلوا كمسلمين أن رسالتكم يجب أن تعود وواجبكم يجب أن تكونوا ملمين به فقد شرحه لكم ربعي بن عامر حين قال رضي الله عنه: «نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن جور الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة». وشدد الدكتور مدثر إسماعيل أن الذي مكن خصومنا منا وأخّر انتصارنا عليهم هو سوء إدارتنا للصراع معهم، موضحاً أن سوء الإدارة للصراع مع الخصوم يرجع لعدم استلهام هدي الله عز وجل في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الخصوم، لأن القرآن الكريم حدثنا عن سيرة الباطل ومسيرته حيث حدثتنا الآيات في كتاب الله عن سيرة الطغيان والدعاة إلى الطغيان. وقال الخطيب: اعلموا أن البشرية منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام إلى نوح عليه السلام طوال 10 قرون من الزمن كانت البشرية على الإيمان وعلى التوحيد وعلى الانقياد لشريعة الله عز وجل، ولم تكن البشرية تعرف إلهاً غير الله تعبده ولا حكماً غير حكم الله تنزل عنده ولا شريعة غير شريعة الله تتحاكم إليها لقول الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. وأضاف أن هذا الذي بيّنه لنا نبينا المصطفى من أن البشرية كانت على الإيمان والتوحيد والنزول على حكم الله وشريعته ففي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أن ربي أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا مما جهلتم، كل عبد نحلته مالا حلالا.. ثم قال: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بي وحرمت عليهم ما أحللت لهم». فالخلل الذي حصل في البشرية كان بعد 10 قرون فانقسم الناس إلى فريقين فريق يريد أن يعيد البشرية إلى الجادة ليعيشوا في كنف ربهم تبارك وتعالى، وفريق آخر أبوا إلا أن يأسروا عباد الله ،فيعبدوهم لغيره ويحاكموهم إلى غير تشريعه ويجعلون البشرية في شقاء دائم وظلام دامس. وقال الخطيب معلقاً: وهكذا بدأ تاريخ الصراع حين جاء نوح عليه السلام فوجد البشرية قد أشركت بالله ما لم ينزل به سلطاناً وبدلت أحكام الله وشرائعه، عبر شرائع وضعت لأهل الباطل مكنتهم من ظلم ضعاف العباد، فجاء نوح ليأمرهم بعبادة الله وحده وليكفوا عن هذا الطرح الذي يسوسون به حياتهم فردوا عليه وقالوا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ}. فهل تريد يا نوح أن نكون في دين واحد مع الفقراء ونحن عليه القوم وسادتهم، فأمروه بطرد هؤلاء الضعفاء حتى يدخلوا في هذا الدين فقال لهم {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا}. وبيّن الدكتور مدثر أن القرآن يحكي لنا أيضاً عن شريحة أخرى من البشر أيضاً طغت وبغت وهم قوم عاد الذين قال عنهم: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ*إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ*إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}. وهم الذين طغوا وبغوا وأظهروا في الأرض الفساد وبنوا المدينة التي لم يخلق مثلها في البلاد فسياستهم كانت البطش بالضعفاء والمساكين ومصادرة حقوقهم {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} فوعظهم هو ليردهم إلى دينهم وأوصاهم بالرحمة والإشفاق وعدم الإفساد فقالوا: «هذا خلق الأولين لا علاقة لنا به». فقالوا: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ}. وزاد الإمام، هؤلاء هم قوم صالح الذين يحكي الله عنهم أنهم كانوا قوم فساد وترف وبغي وكان قادة أحزاب الطغيان والفساد إذ ذاك 9 رهط {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}. قاد هؤلاء التسعة تلك الأمة نحو الفساد والإفساد فجاء نبي الله صالح ليقول لهم: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ*الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}، مشيراً إلى أن هناك فئة أخرى من الأمم التي طغت وبغت في مسيرة أخرى من الطغيان وهم قوم لوط الذي تفشت فيهم الأخلاق السيئة وظهر فيهم الانحلال المقيت {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ*وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} و {وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ}. وقال الخطيب يتحدث القرآن عن الكثير مثل قوم شعيب الذين كانوا ينقصون الميزان وعندهم من الفساد المالي ما عندهم يقول لهم نبيهم {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}. وأكد أن هناك قواسم مشتركة بين كل الطغاة على مر العصور ألا وهو تعبيد الخلق لأهوائهم وشهواتهم لا لربهم وخالقهم، فكل الطغيان الذي نراه في العالم مقصده الرئيس إخراج الناس من عبادة الله إلى عبادة الأهواء والشهوات. وشدد الشيخ مدثر إسماعيل على أن الصراع الذي في الدنيا كلها بين أهل الحق وأهل الباطل صراع يتعلق بالعبودية فإما أن نكون لله عز وجل عبيداً وإما أن نكون لخلقه عبيداً، لقول الله تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}، وقوله عز وجل {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}، مؤكداً أن أتباع محمد لا يرضون أن يكونوا عبيداً لغير الله، لأننا أمة لا تعرف إلا الله الواحد الأحد إلهاً وسيداً ومعبوداً، ولا تعرف إلا شريعته سبحانه أمرة لنا وناهية وسيدة علينا.