شمولية أهداف وتكامل غايات التربية الإسلامية

alarab
باب الريان 27 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: مصطفى أمين محمد علي
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي ثانيا: الأهداف الاجتماعية إن من أهم ما يميز التربية الإسلامية هو شمولية أهدافها وتكامل غاياتها، فكما أولت الفرد العناية والرعاية في شتى نواحي الدين والدنيا باعتباره أحد لبنات المجتمع المسلم، فقد أولت المجتمع أيضًا اهتمامًا كبيرًا في كافة المجالات بغية بناء الأمة المسلمة الموحدة التي تتحقق فيها الخيرية التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه حيث قال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ), فلا بد أن يكون ثمَّ تكاملٌ بين الأهداف المنشود تحقيقها في الفرد والمجتمع، وإلا كانت عملية التربية فاشلة غير مثمرة. ومن أهم ما تؤمله التربية الإسلامية من أهدافها الاجتماعية العمل على وحدة الأمة في العقيدة والفكر واجتماع الكلمة، ثم العمل على نشر دعوة الإسلام في العالمين، ويمكن إبراز أهم الأهداف الاجتماعية للتربية الإسلامية فيما يلي: 1 - إعداد الأمة المسلمة الموحدة الداعية إلى الإسلام على بصيرة، المحققة للعبودية الخالصة لله جل وعلا، قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ)، وقال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). 2 - أمة ثابتة على الدين، لا تخاف في الله لومة لائم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ). 3 - أمة تتعاون على البر والتقوى، وتقيم العدل بين كافة أطياف مجتمعاتها، وتطبق حدود الله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلَائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وقال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). 4 - أمة مدركة لمتطلبات واقعها وتحديات عصرها، مقيمة للحضارة الإسلامية أخلاقيًا، واقتصاديًا، وإداريًا، وعمرانيًا، وغير ذلك مما يلزم لإقامة الحضارة الإسلامية. 5 - أمة فريدة في منهجها لا تتبع سنن المشركين، ولا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قال تعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)، والمتأمل في الآيتين السابقتين يرى أهم ما يتميز به أهل الإسلام عن غيرهم من الأمم، وهو اجتماع كلمة المسلمين في كل مجالات الحياة، فهم أصحاب عقيدة واحدة مستقيمة غير ذات عوج، وهم أيضا أصحاب ثقافة واحدة وفكر واحد، وذلك هو صراط الأولين السابقين أهل السنة والجماعة الذين أنعم الله عليهم بالهدى والإيمان. وقد أشار ابن تيمية إلى خطورة مشابهة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهو الأمر الذي ابتليت به الأمة الإسلامية في كافة المجالات، وكيف أن ذلك يؤدي إلى طمس هوية المجتمعات الإسلامية، إذ إن «المشابهة في الهَدْي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال مما يوجب رفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين، كما أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف إلى أهل الهُدى والرضوان». المطلب الثالث أصول الفكر التربوي في الأمة الإسلامية لا يعتمد الفكر التربوي في تحديد أسسه وأهدافه على أهواء البشر، وإنما يستمد كافة علومه من أصول عذبة معينة تتمثل في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وسيرة الصحب الكرام، وجهود العلماء المسلمين على مر العصور، وهذا هو سر تفرد وتميز الفكر التربوي في الأمة الإسلامية ومناسبته لكل زمان ومكان. ومن يتتبع الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وأخبار السلف الصالح، وكتب التراث، يجد فيها ما تقر به عينه، وما يفوق أحدث النظريات التربوية منهجًا ونظامًا، ولا غرو، فهذا هو المنهج الذي ارتضاه الله العليم الخبير، ذو الحكمة البالغة، والحجة الساطعة، فهو منهج أصلٌ أصيل لا يتبدل ولا يتغير، بخلاف ما نراه من مناهج تربوية اعتمدت على العقول وتوزعتها الأهواء، فظلت تتنقل من منهج لآخر، لأنها ضلت الطريق، وعميت عن المنهج القويم. وسأعرض إن شاء الله تعالى بشيء قليل من التفصيل لهذه الأصول الأربعة للفكر التربوي في الأمة الإسلامية فيما يلي: أولا: القرآن الكريم أنزل الله القرآن ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الشرك والجهل والضلال إلى نور التوحيد والعلم والهدى، فجاء هذا الكتاب الحكيم تتلألأ صفحاته بالدعوة إلى الدين الخالص، وتنير آياته الطريق إلى التربية القويمة والتفكير العلمي السليم، وتضيء كلماته بالحث على مكارم الأخلاق وتنمية الفرد والمجتمع المسلم في كل مجال يصلح شؤونهم ويحقق لهم سعادة الدارين. وقد جعل الله تعالى في القرآن الكريم منهجًا تربويًا ربانيًا متكامًلا، يشمل كل ما يحتاجه الفرد والمجتمع، في شتى مجالات التربية العلمية والعقدية، والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها، وحدّد الله عز وجل أهداف هذا المنهج وأصوله، ونعرض فيما يلي إن شاء الله بإيجاز شديد نماذج لبعض مجالات التربية ووسائلها في القرآن الكريم: 1 - مجالات التربية في القرآن الكريم كمنهج حياة شامل متكامل، أرسى القرآن مبادئ تربوية في شتى المجالات العلمية منها والأخلاقية، والنفسية والاجتماعية، والعسكرية، وغيرها، ونذكر من أمثلة ذلك، التربية الأخلاقية وتربية الحواس. • التربية الأخلاقية دعا القرآن الكريم إلى مكارم الأخلاق، وأرسى أصولها بين دفتيه، وأمر في آياته باختيار الحسن من الأقوال والأفعال، قال تعالي: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) وقال جل وعلا: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، فالله أمر عباده بما يصلح ما بينهم، ويؤلِّف قلوبهم، فقد فطرت القلوب على حب الكلام الحسن، وحذرهم من عداوة الشيطان الذي يتربص بهم الدوائر ليوقع بينهم العداوة والبغضاء، كما أمر في الآية الأخرى بفعل كل خير تزكو به نفوسُهم، ويزيد به إيمانُهم. وحذر القرآن من سوء الخُلُق، فنهى عن الكبر والخيلاء قال تعالى: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)، وفي مقابل ذلك أمر بالتواضع ولين الجانب، وخفض الصوت وعدم التشبه بالحيوانات، قال تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ). وأمر القرآن في آية هي من أجمع آيِهِ بكل معروف وحسن من الأخلاق، وغيرها، ونهى عن كل منكر وقبيح، فقال جلَّ شأنه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وقد أتانا جميعا أنه ما من آية في القرآن أجمع لحلال وحرام من هذه الآية، فهي تحث على كل حسن كالعفة، والكرم، وتنهى عن كل قبيح كالخنا والبخل، والأمثلة والشواهد من القرآن على ذلك كثيرة.