الأسس الإسلامية التي تساعد على التعايش
باب الريان
27 يوليو 2013 , 12:00ص
? د. علي محيي الدين القرة داغي
اعترف الإسلام بكرامة الإنسان باعتباره إنساناً مع قطع النظر عن فكره وعقيدته، فقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ).
كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار، فقال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بأن الإنسان أعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير.
وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة، فقال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وحرره من رق العبودية لغير الله، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه، وممتلكاته، وساوى بين جميع البشر إلّا من خلال العمل الصالح، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
وجعل المسؤولية شخصية، فقال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)، وقال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
والتحقيق أن الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج، وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والأخوة الإيمانية هي الأساس، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون، والدعوة، وتلك الدوائر، هي:
أ- دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بـ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ».
ب- دائرة القومية، حيث عبر القرآن « وكان أبوهما صالحا».
ج- دائرة من هم أهل الكتاب (سورة مريم).
د- وأخيراً دائرة الباحثين عن الحق (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ).
ثانياً: وحدة الأديان
يُرجع الإسلام الأديان السماوية كلها إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد، ولذلك يدعو الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين، والكتب السماوية، والكتب المنزلة السابقة، فقال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)، وقال تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها على بقية الأنبياء (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ).
وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).
بل إن القرآن الكريم يدعو أتباعه إلى اتباع سنن المرسلين فقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ).
وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسماً مشتركاً لجميع الأديان وعلى ألسنة أكثر الأنبياء، فيقول في شأن إبراهيم: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وقال في شأن يعقوب: (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، ويقول تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ).
ونتج عن ذلك:
1- الاعتراف بالأديان السماوية الحقة، وبجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم القرآن أو الذين لم يذكرهم، وفسح المجال لأصحاب الأديان أن يعيشوا في ظل الإسلام.
2- التعامل مع غير المسلمين بالتسامح دون الإكراه والاعتداء، فقال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وقال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)، وقال تعالى محدداً وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وقال تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، وقال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، وقد أكد الله تعالى هذه المعاني في الآيات التي نزلت بالمدينة مثل قوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
ومن الناحية العملية كانت وثيقة المدينة التي تعتبر بمثابة دستور يحكم أهل المدينة الذين كانوا مختلفين من حيث الدين (الإسلام والشرك واليهودية)، ومن حيث الجنس (القحطانيون والعدنانيون واليهود)، حيث سوّت بين الجميع في الحقوق العامة والواجبات من حسن الجوار والتناصر وما يسمى في عصرنا الحاضر بحقوق المواطنة.
ثالثاً: الأصل في الإسلام هو السلام لا الحرب
الحرب في الإسلام لا يلجأ إليها إلّا في حالة الضرورة، فهي ليست محبوبة من حيث المبدأ بل هي مكروهة في نفوس المؤمنين فقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ....).
وقد أكد القرآن الكريم ذلك حيث يقول: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وقد منّ الله على رسوله محمد وصحبه بأنه منعهم من الوقوع في الحرب، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ).
وتدل هذه الآية بوضوح على أن الإسلام دين سلام وعقيدة، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله أخوة متعارفين متحابين، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه، وهذا ما تحقق فعلاً حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة، ووقف الجميع تحت لواء واحد، وطويت الثارات والمواجد.
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ?
ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث