الموت بداية لمرحلة جديدة هي البعث للحشر والحساب والجزاء
باب الريان
27 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
المحطة الرابعة: الإنشار بعد الموت
{ثم إذا شاء أنشره}
هذه هي المحطة الرابعة، وهي المحطة النهائية، فليس الموت نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة تأتي بعد ذلك، حين ينشر الله الموتى، ويبعثهم للحشر والموقف والحساب والجزاء في يوم عظيم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6].
فهو يبقى في قبره إلى ما شاء الله في حياته البرزخيّة على ما ورد في أمر المقبورين، ثم ينفخ الملك الموكل بالصور النفخة الثانية، لينشر الله الموتى، ويحيي الجثث، ويخرج الناس من الأجداث إلى ربهم ينسلون.
إن هذا يوم ترجف فيه الأرض والجبال، وكانت الجبال كثيبا مهيلا، يوم يجعل الولدان شيبا، يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، طالما سأل الرسل والأنبياء ربهم أن ينجيهم من هول هذا اليوم كما قال إبراهيم خليل الله: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-89].
وفي سور جزء عم هذا وصف هائل لهذا اليوم، الذي نسأل الله تعالى أن يجعلنا في هذا اليوم من الآمنين الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويشملنا عز وجل بمغفرته ورحمته، ويعفو عنا بفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه.
{كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ}
(كلا): زجر وردع للإنسان الكافر المتطاول المدعي، كان الكافر إذا أخبر بالنشور، وقال: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: 50]. وربما يقول: قد قضيت ما أمرت به. فقال تعالى: ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله، فهو رد لما عسى أن يكون للكفار من اعتراضات في هذه الأقوال المسرودة، ونفي مؤكد لطاعة الإنسان لربه، وإثبات أنه ترك حق الله تعالى، ولم يقض أمره.
{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}
لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ومراحل وجوده، إلى أن أنشره الله وبعثه، ذكر عز وجل ما يسّر من رزقه، وما هيّأ له في الأرض من أسباب، وأن عليه أن ينظر في هذا التدبير الإلهي، وما فيه من نعم كبيرة تغمر الإنسان أبداً بفضل الله تعالى وإحسانه، فلينظر كيف خلق الله طعامه، وهذا النظر المطلوب ليس مجرد رؤية البصر، بل هو نظر القلب بالفكر، أي التدبر كيف خلق الله طعامه، الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد.
وهنا ينقلنا القرآن من النظر في خلق الإنسان وبدايته ووسطه وخاتمته، حتى انتهى بالبعث والنشور، إلى النظر فيما حول الإنسان، وإن لم يبتعد كثيراً عنه، ولكن ليكون أبداً بين آيات الله في الأنفس وآياته في الآفاق.
{أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
بين الله تعالى بصيغة الجمع (أنَّا) يعدد ما قام به سبحانه وتعالى من إحداثات وإجراءات كونية، يرتب عليها رزق الإنسان، الذي ينبع أساساً من الأرض، وما ينبت فيها من زروع وثمار وخضراوات وفواكه وحشائش.
قص الله سبحانه علينا في كتابه ما فعله في أرضه؛ ليتم علينا النعمة بالنبات والحب والزرع الذي نأكله، ونشبع منه ونتنعم به.
فأول ما يفعله ربنا: أنه يصب الماء علينا صبا. والمراد بالماء هنا: ماء الغيث والأمطار، فهو الذي يصب حين ينزل بقوة من فوق، وهذا لا يمنع من أن بعض الناس يسقون بالأنهار، كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32].
يقول الرازي: انظر كيف حدث الغيث المشتمل على هذه المياه العظيمة، وكيف يبقى معلقاً في جو السماء مع غاية ثقله، وتأمل في أسبابه القريبة والبعيدة، حتى يلوح لك شيء من آثار نور الله وعدله وحكمته، وفي تدبير خلقه هذا العالم.
{ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا } المراد: شق الأرض بالنبات، أي: أسكنا الماء فيها, فدخل في تخومها, وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها, فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض.
ثم ذكر عز وجل ثمانية أنواع من النبات مما يحتاج إليه الناس وأنعامهم.
الأول: الحب, قال تعالى: { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} مثل القمح والشعير والذرة والأرز والبقول، وغيره من كل ما يحصد ويدّخر, وإنما قدم ذلك, لأنه الأصل في الأغذية.
الثاني: { وَعِنَبًا} وإنما ذكر العنب بعد الحب, لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه, وقد ذكره تعالى من فاكهة الجنة, كما قال تعالى في سورة النبأ, وقد مر بنا: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا}.
الثالث: القضب { وَقَضْبًا} وهو: القتّ والعلف, قاله الحسن, وسمي بذلك لأنه ينضب, أي يقطع بعد ظهوره مرة بعد مرة, وأهل مكة يسمون القت: القضب.
وقال ابن عباس:هو الرطب, لأنه يقضب من النخل, ولأنه ذكر العنب قبله.
وقد قوى ابن عباس رأيه هنا بذكره مع العنب في آية واحدة, وأزيد أيضا: بأنه ذكر مع مجموعة المأكولات البشرية كلها من: الحب والعنب والقضب والزيتون والنخل.
وقال بعضهم: القضب: اسم يقع على ما يقضب من أغصان الشجرة, ليتخذ منه سهام أو قسيّ.
ويعني جميع ما يقضب, مثل: القتّ والكراث, وسائر البقول التي تقطع, فينبت أصلها.
{ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا }:
وهما الرابع والخامس من أسماء النباتات التي هيّأها الله لينتفع بها الناس.
الزيتون: مما يؤتدم به, وكذلك عصيره, ويستصبح به, ويدهن به، فهو طعام ودواء ووقود, وقد مدحه الله تعالى في القرآن, قال تعالى: { وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ } [المؤمنون: 20]، وأقسم به تعالى في كتابه مع التين فقال: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين: 1].
{ونخلا} وهو النخيل المبارك الذي ينتفع بكل شيء فيه حتى بجريده وخوصه ولحائه وجذوعه ونواه, ويؤكل بلحا وبسرا ورطبا وتمرا, ونيئا ومطبوخا, ويعتصر منه رُبّ وخل.
والسادس: ما عبر عنه بقوله:{وحدائق غلبا} أي: بساتين, واحدها: حديقة. قالوا: وكل شيء أحيط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة. وما لم يحط عليه فليس بحديقة.
ومعني(غلبا): أن شجرها عظام, يقال: شجرة غلباء ويقال للأسد الأغلب, لأنه مصمت العنق, لا يلتفت إلا جميعا. ورجل أغلب بيّن الغلب إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب, فاستعير.
وحديقة غلباء: ملتفة الشجر.
والمراد: أن هذه الحدائق التي تحيط بهذه الأرض المزروعة, ذات أشجار ملتفة, وفروع سامقة, وأوراق خضر, تعطي المنظر الجميل, والظل الظليل, والنعمة بما فيها من حبوب وزروع وأشجار، بما أنها تلطف الجو, وتحمي البلاد من التلوث البيئي الذي يشكو منه العالم في عصرنا.
والنبات السابع: نجده في قوله: {وَفَاكِهَةً } وهو كل ما يتفكه به من النباتات, مثل: الرمان والجوافة والكمثرى والتفاح والبرتقال والبطيخ والشمام والفراولة والكرز والمشمش والخوخ والبرقوق وغيرها مما أخرجه الله من الأرض وهو ألوان وأنواع.
والنبات الثامن والأخير: هو ما جاء في قوله تعالى: { وَأَبًّا } وقد اختلفوا في تحديد معناه. والأولى: أنه - كما قال ابن عباس والحسن- كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون هو الحصيدة.
وإنما سُمي أبًّا؛ لأنه يؤبّ, أي: يؤم وينتجع.
روي الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري بسنده عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب:{ عَبَسَ وَتَوَلَّى }، فلما جاء على هذه الآية: { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } قال: عرفنا ما الفاكهة فما الأبّ؟ فقال لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف، كما رواه ابن كثير، وقال: هذا إسناد صحيح. وقد رواه غير واحد عن أنس به. وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو – وكل من قرأ هذه الآية- يعلم أنه - أي الأبّ- من نبات الأرض, لقوله تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا} إلى قوله: { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } وقوله تعالى: { مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. أ هـ
{ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }
أي أن الله تعالى أخرج هذه النباتات الثمانية بأنواعها وأصنافها, وكلياتها وجزئياتها , ليجعلها متاعا ومنفعة لكم ولأنعامكم وجميع الحبوب التي تخدمكم وتنفعكم, وليس لله فيها أو منها شيء .
{ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ }:
بدأ القرآن الكريم يشرع في بيان أحوال المعاد وما فيه من أهوال, بعد أن ذكر مبدأ خلق الإنسان ومعاشه, والفاء في قوله{فإذا} للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها, من فنون النعم والنباتات التي وفرها الله سبحانه للناس وأنعامهم, ثم أخذ ينذر الناس بمجيء الصارخة, ليتزودوا لها بالأعمال الصالحة والإنفاق بما امتن عليهم.
والصاخة من الأسماء القرآنية التي سمى بها يوم القيامة, وقد جاء اسمها بهذه الألفاظ الضخمة القوية مثل الصاد والخاء, وبهذا الوزن القائم على المد الكلمي المثقل, كما مر في قوله تعالى: { الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) } [الحاقة:الآيات 1-3] ومثل الطامة. وكما يأتي في سورة (القارعة), حتى أن القرآن هنا غير في صيغ الآيات وخواتيمها للتنبيه على التمييز.
والصاخة هنا كالطامة الكبرى, التي حدثنا القرآن عنها في السورة السابقة(النازعات) وهو ما يحدث يوم القيامة, حين ينقلب النظام الكوني, وتتبدل الأشياء غير الأشياء, ويفاجأ الناس بما لم يكونوا يحتسبون, في الأرض والسماوات والنجوم والشمس والقمر, وكل شيء ومن ذلك هذه الصاخة, وهي: الداهية التي يصخ إليها الخلائق .
قالوا: هي الصيحة الهائلة التي تكون عنها القيامة, تصخ الأسماع, أي: تصمها فلا تسمع إلا ما يدعى به للإحياء. قال الخليل: الصاخة صيحة تصخ الآذان, أي تصمها لشدة وقعها.
وأصل الكلمة في اللغة: الصك الشديد, وقيل: هي مأخوذة من صخه بالحجر إذا صكه.
ومن هذا الباب قول العرب: صختهم الصاخة, وباقتهم البائقة، وهي الداهية.
وقال العلامة ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم, وإنها لمسمعة, وهذا من بديع الفصاحة, حتى لقد قال بعض حديثي الأسنان, حديثي الأزمان:
أصم بك الناعيوإن كان أسمعا!
وقال آخر:
أصمني سرهم أيام فرقتهم
فهل سمعتم بسر يورث الصمما؟
لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا وتسمع أمور الآخرة. أ هـ.
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)}.
يوم القيامة يوم ليس كسائر الأيام في كل شيء, في طوله, في زحامه, في عرقه, في أحواله, في انكشاف الناس فيه, في خوف الناس منه, في اشتغال كل امرئ بأمر نفسه, إنه يوم الأنانية ويوم الفردية المطلقة, كل الروابط الفطرية والطبيعية التي كانت تربط الناس بعضهم ببعض من الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة والزوجية, فضلا عن العمومة والخؤولة, لم يعد لها تأثير في ذلك اليوم.
الأم التي كانت تلقي بنفسها إلى التهلكة من أجل ولدها, والأب الذي كان يفدي أولاده بنفسه وماله, والأخ الذي كان يخوض المعارك من أجل إخوته, والزوج الذي كان يضحي بنفسه حماية لزوجته, والزوجة التي كانت تلاقي الأهوال لتحمي زوجها, كل هؤلاء لم يعودوا في يوم القيامة يذكرون أحدا إلا أنفسهم, فاليوم رهيب, والموقف عصيب, والمصير مجهول ولا يعرف أحد ماذا يكون في حسابه أو ماذا تحمل موازينه؟ ولا يدري أهو ناج أم هالك أم بين بين؟
لا يستطيع أحد أن يتنازل لأحد - أيا كان هذا الأحد- عن حسنة من حسناته, فهو لا يدري: لعل ميزانه قد يفتقر إلى هذه الحسنة, لا يمكنه في هذا اليوم أن يؤثر بهذه الحسنة ابنا أو بنتا, أو أبا أو أما, أو زوجة أو زوجا, أو أخا أو أختا.
لماذا هذا البخل وهذا الشح؟ لماذا لا يجود الناس بعضهم على بعض؟
لقد وضح القرآن عن ذلك حين قال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.
يفر منهم بعد أن كان يقبل عليهم, لأنه مشغول عنهم بأمر نفسه, وقد علم من كتاب ربه, وسنة نبيه أنهم مشغولون مثله, لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا, كما قال تعالى: { يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا } [الدخان: 41], { وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } [لقمان: 34].
يروي مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها, قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا(لم يختنوا) قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلي بعض.( )
ورواه الترمذي في جامعه عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أينظر بعضنا بعضا – أو يرى بعضنا- عورة بعض؟ قال: يا فلانة { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }, وقال: حديث حسن صحيح.( ).
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ }.
بعدما حدثنا القرآن عن أحوال الناس بعد الصاخة, وفرار كل امرئ بنفسه من أقرب الناس إليه, فهو لا يذكر إلا نفسه.
حدثنا: أن الوجوه في يوم القيامة نوعان, كما أن الناس نوعان: سعداء وأشقياء, فللسعداء وجوههم, وللأشقياء وجوههم, والمرء يعرف من وجهه فهو مرآته الناطقة.
وجوه السعداء في هذا اليوم مسفرة, أي: مشرقة مضيئة متهللة, من: أسفر الصبح إذا أضاء, وفي القرآن: {وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } [المدثر:34 ] فهي منيرة باد ضوؤها وسرورها.
تجد هذا الإسفار والنور والإشراق على تلك الوجوه, وليس هذا فحسب, بل هي وجوه ضاحكة, أي سرور فرحة، كأن الوجه كله يضحك, والضحك إنما يكون من الفرح والابتهاج, وهي كذلك مستبشرة, من سرور قلوبهم, قد ظهر البشر على وجوههم.
أي: تستشعر البشر في مستقبلها, لاتخافه ولا تتهيب منه فلا تحزن على ماض, ولا نجزع من حاضر, ولا تخاف من مستقبل{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } [يونس: 62-64].
{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ }.
{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} الغبرة: الغبار والدخان والسواد.
{ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } ترهق هذه الوجوه التي تعلوها وتغشاها قترة أي: كسوف وسواد.
وفسر ابن عباس القترة بالذلة والشدة, يريد أن العبرة ليست باللون فقط فبعض الناس قد يكون هو أسود اللون بحسب بيئته, ولكن والمهم هو الكآبة والمذلة التي تحيط بالإنسان وتغشاه في هذا اليوم.
وقال زيد بن أسلم: القترة: ما ارتفعت إلى السماء, والغبرة: ما انحطت إلى الأرض, والغبار والقترة واحد.
{ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ }
بين الله بصريح العبارة من هم هؤلاء أصحاب هذه الوجوه المنكرة, فأوجزهم في الآية القصيرة, وهذه العبارة الموجزة فوصفهم بهذين الوصفين الكبيرين: الكفر والفجور, والكفر أمر يتعلق بالقلوب والعقول والاعتقادات, والفجور يتعلق بالأبدان والأعمال, فإذا اجتمع الكفر والفجور فى فرد أو جماعة كان من شر الناس, كما قال تعالى في قوم نوح: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 27].
وفي الحديث وصف الرسول الكريم المنافق الخالص بأربع خصال منها: أنه « إذا خاصم فجر» أي غلا في الخصومة.
وقد يعبر القرآن عن الكفر بالفجور, كما قال في قوله تعالى{ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الانفطار: 13-14].