

احتفت السينما العربية بعدد من الأعمال التي تناولت الهجرة النبوية الشريفة، ذلك الحدث المفصلي في تاريخ الدعوة الإسلامية، والذي احتفى به المسلمون أمس الخميس. ورغم ندرة الإنتاج، فقد شكّلت هذه الأعمال علامات فارقة في مسيرة الفن الديني، وسعت إلى غرس قيم التضحية والصبر والتعايش، في ظل تحديات فنية وفقهية وإنتاجية مستمرة، وفي هذا الصدد عرضت منصة الجزيرة 360 مؤخرا الفيلم الوثائقي» هجرة غيرت التاريخ « من إنتاج الجزيرة الوثائقية عام 2011، في ثلاثة أجزاء.
الفيلم تم بالتعاون مع السلطات السعودية في تصوير الأماكن التي مر بها النبي في رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة حيث يوثق الآثار والشواهد التاريخية والسيرة المكانية لرحلة الهجرة النبوية على امتداد نحو 450 كيلو مترا.
وقد أعاد الفيلم إلى الأذهان السؤال عن السينما والهجرة النبوية، وكيف عالجت السينما هذا الحدث الذي غير مجرى التاريخ من خلال تأسيس دولة الإسلام.
ولم تكن الهجرة النبوية جرد انتقال جغرافي، بل كان تحولًا حضاريا، وانبعاثا لمجتمع قائم على الإيمان والعدل والحرية. وهو ما دفع السينما العربية وبل والعالمية على استحياء، إلى محاولة معالجة هذا الحدث المفصلي، عبر أعمال حملت في طياتها رسائل روحية وتربوية وقيمية تتجاوز حدود الشاشة.
بالرجوع إلى تاريخ السينما العربية نجد أنها تناولت الهجرة النبوية من خلال ثمانية أفلام رئيسية بين عامي 1951 و1976، ضمن مسار إنتاجي نادر لما يُعرف بـ”السينما الدينية”، والذي لم يتجاوز حتى الآن على اقصى تقدير 30 فيلما طوال تاريخ السينما العربية، ومع ذلك فقد سجلت بعض الأفلام سجلا من نور لهذه الرحلة المباركة، وتحولت بعض الأفلام إلى أيقونات سينمائية دينية لعل أهمها على الإطلاق فيلم الرسالة للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد.
التأريخ بالفن
ويرى النقاد أن أول فيلم عن الهجرة كان “ظهور الإسلام” (1951)، وهو عمل اقترب من السرد الديني عبر نص أدبي متين، مستوحى من “الوعد الحق” للدكتور طه حسين، حيث يروي التحولات التي سبقت البعثة، ويمهد لخروج الدعوة الإسلامية إلى النور. وحسب النقاد فإن الفيلم اعتمد على النمط المسرحي واللغة الخطابية، ليبني صورة رومانسية للمجتمع التوحيدي الوليد.
في العام 1953، جاء فيلم “بلال مؤذن الرسول”، الذي اختار أن يسرد الحدث من زاوية مختلفة، عبر سيرة الصحابي بلال بن رباح، والذي رافق النبي في الهجرة وكان أول مؤذن في الدولة الجديدة. فتظهر سيرة الصحابي بلال بن رباح مدخلا إلى فهم القيم الكبرى للهجرة: الحرية، الكرامة الإنسانية.
ورغم أن بعض الأفلام مثل “بيت الله الحرام” (1957) و“مولد الرسول” (1960) لم تتناول الهجرة بشكل مباشر، إلا أنها أرست السياق التاريخي والنفسي الذي يجعل من الهجرة نتيجة منطقية لكفاح طويل ضد الجهل والاضطهاد. ثم جاء فيلم “هجرة الرسول” (1964) للمخرج إبراهيم عمارة ليحمل الاسم والمضمون، ويتناول رحلة الهجرة كعلامة على انتقال الدعوة من ضيق الاستضعاف إلى رحابة التمكين ويعتبر واحدا من الأفلام التي تناولت الحدث فنيا بعمق من خلال شخصية الأمة حبيبة وهي واحدة من المستضعفين الذين آمنوا بالله ورسوله وتتحمل الأذى في سبيل الدفاع عن معتقدها وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصولا إلى الهجرة المباركة التي تفتح بابا جديدا نحو النور.
وجاء من بعده فيلم يظل علامة فارقة في السينما العربية هو فيلم الشيماء اخت الرسول عام 1972م، للمخرج المصري حسام الدين مصطفى، عن شخصية الشيماء أخت الرسول صلى الله عليه وسلم في الرضاعة، وتؤمن مع أسرتها بدعوة محمد، إلا بجاد زوج الشيماء العنيد الذي يكره محمد صلى الله عليه وسلم كرهًا وحقدًا دفينًا، تنتشر أخبار الدعوة الإسلامية، ويتحالف بجاد مع أعداء النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل القضاء على دعوته سواء في مكة أو في المدينة. فيظهر الفيلم التحديات التي واجهت المجتمع المؤمن وكيف خرج منها في هجرات متتالية وصولا إلى الهجرة الكبرى إلى المدينة المنورة.
«الرسالة» والذروة الفنية
لكن الذروة الفنية الحقيقية كانت في فيلم “الرسالة” (1976)، للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد، والذي يُعد بحق الملحمة السينمائية الأضخم في تاريخ السيرة النبوية. تعامل العقاد مع الهجرة باعتبارها حدثًا يتجاوز الزمان والمكان، واختار أن يُجسدها دون أن يُجسد صاحبها فنجح في تسجيلها كذاكرة حية لدى المشاهدين حتى اليوم..
وكان بنسختين، واحدة باللغة الإنجليزية، لعب الدور الرئيس فيها الممثل العالمي أنتوني كوين، وثانية باللغة العربية مثل فيها نجوم عرب على رأسهم الفنان المصري الكبير عبد الله غيث.
الرسالة القيمية
ولم تكن هذه الأفلام مجرد تسجيل لحادثة تاريخية، بل حملت في طياتها رسائل قيمية رفيعة، حاولت أن تُترجم روحية الهجرة إلى دروس بصرية وإنسانية. فقد جسّدت قيمة التضحية من خلال مشاهد التخلي عن الديار والمال، وقيمة الصبر والثبات عبر رصد ملامح المعاناة اليومية للمسلمين في مكة، وقيمة التوكل المقترن بالتخطيط، كما رأينا في تفصيلات الرحلة.
وأبرزت الأعمال كذلك قيمة الأخوة المؤسِّسة للدولة الإسلامية، حيث صوّرت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كلبنة أولى لبناء مجتمع متكافل، يتجاوز القبيلة والدم. كما حملت مشاهد إقامة وثيقة المدينة - التي أُشير إليها في بعض الأفلام والوثائقيات - دعوة ضمنية إلى قيم التعدد والعيش المشترك والتسامح الديني.
الهجرة في الوثائقيات
بينما ظل الخيال الدرامي السينمائي مكبلًا بقيود فقهية وإنتاجية، فتحت الأفلام الوثائقية العربية، خصوصًا تلك التي أنتجتها قنوات كـ”الجزيرة الوثائقية”، الباب واسعًا لتناول الهجرة النبوية بحرية أكبر، عبر سرد تحليلي معزز بالخرائط والمخطوطات والآراء التاريخية. ومن أبرز الأمثلة على المعالجة الغربية للحدث، الفيلم الوثائقي الأمريكي “الإسلام: إمبراطورية الإيمان” (2000)، الذي سعى لتقديم السيرة النبوية، بما فيها الهجرة، بلغة سردية معاصرة، تستهدف المتلقي الغربي وتضع الإسلام في سياقه الحضاري والإنساني.
الهجرة النبوية ليست مجرد حدث، بل علامة فارقة في الوعي الإسلامي. ولذلك، فإن الأعمال السينمائية التي تناولتها حاولت – بدرجات متفاوتة – أن تزرع في وجدان المتلقي مجموعة من القيم من أهمها التضحية والوفاء والشراكة والتخطيط الاستراتيجي وأن بناء المجتمع يقوم على المؤاخاة والحب والتعاون.
ورغم أهمية الموضوع وقيمته التربوية والدرامية، فإن السينما العربية لم تُنتج عملًا جديدًا عن الهجرة منذ عقود. لا تزال “الرسالة” تُعرض عامًا بعد عام، وكأن الزمن توقّف عند تلك المحاولة الجبارة. لقد خسرنا فرصة توظيف أدوات العصر، من الرسوم المتحركة إلى الواقع الافتراضي، في تقديم سيرة الهجرة للأجيال الجديدة بلغة يفهمونها.