راغب مصطفى غلوش أصغر قارئ بالإذاعة المصرية بعصرها الذهبي
الصفحات المتخصصة
27 يونيو 2016 , 12:00ص
عبد الله سعد
يعتبر الشيخ راغب مصطفى غلوش من أبرز قراء إذاعة القرآن الكريم المصرية، التي اعتمدته عام 1962م وعمره لا يتعدى وقتها اثنين وعشرين عاما، ليكون أصغر قارئ بالإذاعة في عصرها الذهبي، فقد حباه الله صوتا رخيما عذبا، جعل مستمعيه يصفونه بأنه «يحلق بهم بعيدا إلى السماء»، لذا لم يكن غريبا أن يتبعه محبوه أينما حلَّ، طالبين منه أن يقرأ ويرتقِ بهم بنبرة صوته، لتهتف حناجرهم بلفظ الجلالة في تلقائية من روعة ما يسمعون من آيات كتاب الله، لذلك لقبه محبوه بـ «عملاق القراء.. ومعلم الأجيال.. وقارئ العصر».
وُلد القارئ الشيخ راغب مصطفى غلوش، قارئ مسجد إبراهيم الدسوقي بدسوق، يوم 5 يوليو 1938 بقرية التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، ولكنها إرادة الله، وقد كانت الكتاتيب كثيرة بالقرية، والإقبال عليها ملحوظ وملموس، وكان الناس في ذلك الوقت يهتمون بتحفيظ أبنائهم القرآن ليكونوا علماء بالأزهر الشريف، لأن كلمة (عالم) في نظرهم كانت لا تطلق في إلا على رجل الدين، وخاصة إمام المسجد الذي يلقي خطبة الجمعة. فأشار أحد أقاربه على والده بأن يأخذ ولده راغب لأحد المشايخ المحفظين لكي يحفظه القرآن، فوافق والده على هذه الفكرة، وصرَّح لابنه راغب بالذهاب إلى الكُتاب بعد انتهاء اليوم الدراسي، وكان لجمال صوته الأثر الواضح في شدة اهتمام شيخ الكتاب به وإسداء النصح والمراقبة الدائمة له لأنه توسم فيه الخير، وتوقع له مستقبلا زاهرا بين مشاهير القراء، وكان ذلك سببا في تفوق الطفل راغب في حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة. وبعد حفظه التام للقرآن جوَّده بالأحكام على يد الشيخ عبدالغني الشرقاوي بقريته برما.
بداية اشتهاره بالقرآن
في الرابعة عشرة من عمره ذاع صيته بالقرى المجاورة حتى وصلت مدينة طنطا معقل العلماء، وتوالت إليه الدعوات من القرى والمدن القريبة من قريته للتلاوة بها في الأمسيات والاحتفالات الدينية، وقد كانت المهمة في غاية الصعوبة عليه في البداية، فكيف يحتل مكانة مرموقة وسط هذا الجو الذي يموج بمنافسات ضارية بين جهابذة تربعوا على عرش التلاوة في هذه البقعة بوسط الدلتا والوجه البحري، وخاصة محافظة الغربية، التي نشأ فيها الشيخ راغب في ظل وجود عملاقين هما: الشيخ مصطفى إسماعيل وهو من هو، والشيخ محمود خليل الحصري أستاذ القرآن والقراءات، وكل منهما نشأ في إحدى قرى طنطا، والتي إحدى قراها قرية برما، منشأ الشيخ راغب.
ولكن لم يعبأ القارئ الشاب والفتى الطموح الشيخ راغب بما يسمع وما يرى من احتدام المنافسة، فكان لزاما عليه أن يبحث عن العوامل التي تساعده على أن يجعل لنفسه مكانا بين هؤلاء الجهابذة، وللوقوف على أرض صلبة وقواعد متينة، يستطيع من خلالها أن يلبي دعوة ربما يصادفه فيها واحد من هؤلاء، ففطن إلى أن المجد لا يُقبل من تلقاء نفسه، وإنما يجب على طالبه أن يسعى إليه بالجهد والعرق والمثابرة والإتقان، فبحث الشيخ راغب عن شيخ متين في علوم القرآن ليتلقى عليه التجويد والقراءات، فاتجه إلى قبلة العلم القرآني بمدينة طنطا، والتحق بمعهد القراءات بالمسجد الأحمدي، وتوّلاه بالرعاية المرحوم الشيخ إبراهيم الطبليهي.
يقول الشيخ راغب: ووفقت لأن أجعل من وجود الشيخ مصطفى إسماعيل بمنطقتنا دافعا ومثلا لي، فحاولت تقليده، واتجهت إلى مدينة طنطا باحثا عن عالم قراءات فوجهني أحد المعارف إلى رجل بالمعهد الأحمدي اسمه المرحوم الشيخ إبراهيم الطبليهي، الذي علمني التجويد والأحكام السليمة، وقرأت عليه برواية ورش، وأهَّلني لأن أكون قارئا للقرآن كل يوم بالمقام الأحمدي، وخاصة بين أذان العصر والإقامة، فالتف الكثيرون من حولي، وبفضل الله دخلت قلوب الكثير من الناس، خاصة لأنني كنت أقلد الشيخ مصطفى في أدائه الرائع المحبب لدى الناس جميعا، ودُعيت للسهر بمعظم قرى محافظة الغربية، وعرفت بالمحافظات المجاورة، مما جعلني أثق بنفسي تمام الثقة بالجهد والعرق والصبر والحرص الشديد على القرآن وتلاوته بالتزام وتقوى.
وعندما بلغ العشرين من عمره جاء دوره لأداء الخدمة العسكرية، فتم توزيعه على مركز تدريب بلوكات الأمن المركزي بالدراسة القريب من مسجد الحسين، فكانت الفرصة متاحة له للصلاة والاستماع لأكبر المشايخ والقراء بالمسجد، وكان سببا قويا في كثير من الدعوات التي وجهت له لإحياء مآتم كثيرة بالقاهرة، زامل فيها مشاهير القراء بالإذاعة أمثال الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ محمود خليل الحصري وغيرهم من مشاهير القراء.
يحكي الشيخ راغب عن ذلك فيقول: نظرا لالتحاقي بقوات الأمن المركزي بالدراسة كنت أتردد دائما على مسجد الإمام الحسين عليه السلام عنه لأصلي، وأتطلع لأن أقرأ ولو آية واحدة بأكبر مساجد مصر والقاهرة، وأشهرها، وكنت حريصا على تقديم نفسي للمسؤولين عن المسجد حتى تتاح لي الفرصة لأقرأ عشرا، أو أرفع الأذان في هذا المسجد الكبير، فتعرفت على شيخ المسجد الحسيني المرحوم الشيخ حلمي عرفه وقرأت أمامه ما تيسر من القرآن فأعجب بي جدا.
وذات يوم أفصحت له عما أتمناه وطلبت منه أن يسمح لي بالأذان وقراءة عشر قبل إقامة الصلاة، فقال لي يا راغب إذا تأخر الشيخ طه الفشني فسيكون لك نصيب وتؤذن العصر وتقرأ العشر، فدعوت الله من كل قلبي أن يتأخر الشيخ طه الفشني، وكأن أبواب السماء كلها كانت مفتحة، فاستجاب الله لي وتأخر الشيخ الفشني واقترب موعد الأذان، فقال لي الشيخ حلمي جهِّز نفسك واستعد، وقال لملاحظ المسجد «خذ راغب من أجل أن يؤذن» فأخذني وأوقفني بجوار الشيخ محمد الغزالي رحمه الله حتى انتهى من إلقاء الدرس بحلول موعد أذان العصر. وكان هذا في رمضان، وقرأت وبدأت بسورة الحاقة فانقلب جو المسجد إلى ما يشبه سرادقا في ميدان، واندمجت في التلاوة بتشجيع الناس لي، ووصل وقت التلاوة إلى أكثر من نصف ساعة.
اعتماده بالإذاعة
ثم كان اعتماده بإذاعة القرآن الكريم نقطة فاصله في تاريخه، حيث تخطت شهرته مصر، حيث سافر الشيخ راغب إلى معظم دول العالم في شهر رمضان لأكثر من ثلاثين عاما متتالية قارئا لكتاب الله عز وجل حاملا على عاتقه أمانة نشر القرآن الكريم من خلال صوته العذب.
ذهب الشيخ راغب إلى الإذاعة ليتم اختباره أمام اللجنة من بين 160 قارئا، وكانت اللجنة مقسمة لقسمين قسم للقرآن، والثاني للصوت فامتحن أمامهما ووفقه الله تعالى، وأثنى عليه أعضاء اللجنة ونصحوه بالمحافظة على صوته، وبعد عشرين يوما جاءه خطاب من الإذاعة بما حدث أثناء اختباره كقارئ بالإذاعة، يخبره أنه من بين السبعة الناجحين من بين الـ160 المتقدمين، وأنه بقي له امتحان التصفية للاختبار في الصوت، ولم يمر شهر حتى دخل الشيخ راغب امتحان التصفية وأبلى فيه بلاء حسنا، ونال إعجاب اللجنة. يقول الشيخ راغب: بعد ذلك انشغلت بإنهاء إجراءات تسليم مهماتي وإخلاء طرفي من الخدمة العسكرية، ولم أكن أنسى النتيجة النهائية لاعتمادي قارئا بالإذاعة، ولم أتوقع ظهور النتيجة قبل شهرين أو ثلاثة على الأقل، ولكنها ظهرت أثناء إنهائي إجراءات الخروج من الخدمة الوطنية بالأمن المركزي.
حصلت على شهادة إنهاء الخدمة وذهبت إلى بلدتي (برما) فوجدت ما لم أتوقع قابلني أهل القرية مقابلة غريبة عليّ.. الفرحة والسعادة تعمرهم ويقولون لي ألف مبروك يا راغب، واحتضنوني وكادوا يحملونني على أعناقهم، كل هذا وأنا غير مصدق لما يحدث فقالوا «هو أنت ما سمعتش الخبر السعيد؟» فقلت لهم: وما الخبر السعيد؟ قالوا: صورتك واسمك في كل الجرائد بالخط العريض.
وسبحان الله الذي ثبت فؤادي وألهمني الصبر على تحمل هذا الخبر السعيد جدا جدا، الذي جاء في وقته، وكأنه كان مكافأة إنهاء خدمتي الوطنية عام 1962م، ولم لا تكون فرحة كبرى وأنا في هذه السن التي لا تتعدى اثنين وعشرين عاما وسأكون أصغر قارئ بالإذاعة في عصرها الذهبي، وذلك عام 1962م.
أسفاره إلى دول العالم
سافر الشيخ راغب إلى معظم دول العالم، وخاصة في شهر رمضان؛ حيث سافر لأكثر من ثلاثين عاما متتالية قارئا لكتاب الله عز وجل، لا يرجو إلا مرضاة الله، إيمانا منه بأنها رسالة جليلة يجب تأديتها بما يليق وجلالها. فللشيخ راغب في منطقة الخليج العربي جمهور يقدر بالآلاف، وهو ما جعلهم يوجهون إليه الكثير من الدعوات لإحياء المناسبات الرسمية، وخاصة في الكويت والإمارات والسعودية.
تسجيلاته
للشيخ راغب مصحف مرتل يذاع بإذاعات دول الخليج العربي صباح مساء، وظل يتلو قرآن الفجر مرة كل شهر بأشهر مساجد مصر على الهواء مباشرة، بالإضافة إلى تلاوته يوم الجمعة، والمناسبات الدينية عبر موجات الإذاعة وشاشات التليفزيون.
وفاته
توفي الشيخ راغب مصطفى غلوش يوم الخميس الموافق 4 فبراير 2016 عن عمر يناهز 77 سنة، بعد مرض نقل في إثره إلى أحد المستشفيات منعه عن تلاوة القرآن عدة شهور.