قل اللهم مالك الملك

alarab
باب الريان 27 يونيو 2015 , 06:44ص
حسن فوزي الصعيدي
يمتلك بعض الناس في هذه الحياة من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث، فيظن بذلك أنه قد أصبح مالكا، له المُلك.
والمُلك بالضم: هو القدرة والسلطان والسيطرة، وهي لا تجتمع إلا لله سبحانه وتعالى «الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ». أما من ملك شيئا يزول عنه فهو في الحقيقة مستخلف في هذا المال وليس مالكا له: «وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ».
لذلك فإن المؤمن يردد صباحا ومساء: «أصبحنا وأصبح الملك لله، أمسينا وأمسى الملك لله».
والله سبحانه يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه ممن يشاء: «قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ».
قد يؤتي ملكه بعض الصالحين، كما آتى يوسف عليه السلام: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ». وكما آتى داود عليه السلام: «وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ».
وقد يؤتي الله تعالى الملك لبعض المفسدين، كالنمرود: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ». وكفرعون الذي قال: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي». وذلك الملك الذي قص الله علينا من نبئه: «وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً».
ومع هذا لابد أن نوقن أنه لا يملك أحد في الحياة شيئاً إلا بإذن الله: «لِلَّهِ الأمر مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ».
الرسول صلى الله عليه وسلم، مع قربه من الله، وعظيم منزلته عنده، يخاطب بقوله: «قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ».
ولهذا سئل أعرابي: لمن هذه الغنم؟ قال: هي لله في يدي. ما أصدق هذه الكلمة وأروعها! عندما تستشعر أن ما في يدك عارية، لابد أن تنتقل من الأيدي، لتعود في النهاية إلى مالكها الحقيقي، فالمال مال الله، وأنت ومالك لله.
وأما ملك الدنيا فملك ظاهري: يزول عنك أو تزول عنه.
فالقوي يضعف، والحسناء تذبل، وصاحب المنصب يعزل.
فلو كان ملكك حقيقي، فلا تمرض، ولا تهرم، ولا تفتقر.
نحن نرى ملكات جمال العالم ونجمات الإعلام، بعد فترة من الزمن، وقد ذهب الجمال وظهرت التجاعيد، وإنك لتفزع من رؤيتها بلا مساحيق.
ونشاهد الأقوياء والمصارعين وقد ذهبت قوتهم، ومنهم من أصابه الرعاش، ومنهم من هو طريح الفراش، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه بعوضة أو ذبابة.
ونتأمل الأذكياء والعباقرة: منهم من ذهب عقله، وأصبح كالطفل الصغير، ومن ذهب إلى المستشفيات والعيادات النفسية، وجد المثال الحي الناطق.
لقد أدرك مؤمن آل فرعون أن ملك أهل الدنيا ليس ملكا تاما فقال: «يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا».
وهذا ما أخبر الله به «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ»، «يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ».
لذا عندما يحشر الله الأولين والآخرين، وينادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا ينبس مخلوق ببنت شفه، فيجيب الملك نفسه: «لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ».
قال الله تعالى ذلك، ليعلم المظلومون والذين صودرت أموالهم، وسلبت حرياتهم، وسفكت دماؤهم، وحرقت أجسامهم، وأزهقت أرواحهم، أن هناك يوما تزول فيه طواغيت الأرض، يوما تكون الدولة للمظلوم على الظالم، ينتقم الملك ممن ظلمهم، ويقتص ممن حربهم، ألا إلى الله تصير الأمور. أين من ملؤوا الدنيا ظلما وعدوانا؟! أين من سرقوا الأموال وهتكوا الأعراض؟ لقد صاروا إلى الله الملك الحق المبين ليحاسبهم ويجازيهم.