لا مُنقذ من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه

alarab
باب الريان 27 يونيو 2015 , 06:38ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام.
ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}














{أَرَأَيْتُمْ}: أي: انظروا وتدبروا وأخبروني {إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ} أي: من المؤمنين، بعذابه الذي تطلبون وتتمنون، {أَوْ رَحِمَنَا} أي: أحسن إلينا وأكرمنا بالخير والنصر. {فَمَنْ يُجِيرُ} يحمي ويحفظ {الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}؟!
أي: إننا- مع إيماننا- بين الخوف والرجاء، فمَنْ يُجيركم من العذاب مع كفركم هذا؟
قال ابن كثير في بيان هذه الآيات: (يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: خلِّصُوا أنفسكم، فإنه لا مُنقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة، والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنَّكال، فسواء عذَّبَنا اللهُ أو رحِمنا، فلا مناصَ لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم.
ثم قال تعالى: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} أي: آمنَّا بربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، كما قال تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123]. ولهذا قال: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: منَّا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة؟!!.
ثم قال تعالى إظهارًا للرحمة في خلقه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل، فلا ينال بالفؤوس الحداد، ولا السواعد الشِّداد.
والغائر: عكس النابع؛ ولهذا قال: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} أي: نابع سائح جارٍ على وجه الأرض. أي: لا يقدر على ذلك إلا الله، تبارك وتعالى، فمن فضله وكرمه أن أنْبَعَ لكم المياه، وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسَب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة، فلله الحمد والمنَّة).
وقال الرازي في تفسيره الكبير: (اعلم أن هذا الجواب هو من النوع الثاني، مما قاله الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم حين خوَّفهم بعذاب الله.
يُرْوَى أن كفار مكة كانوا يَدْعُون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك، كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]. وقال عز وجل: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} [الفتح:12]. ثم إنه تعالى أجاب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول: هو هذه الآية، والمعنى: قُلْ لهم: إن الله تعالى سواء أهلكني بالإماتة، أو رحمني بتأخير الأجل، فأي راحة لكم في ذلك؟ وأي منفعة لكم فيه؟ ومن الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم؟ أتظنون أن الأصنام تُجِيركم أو غيرها؟ فإذا علمتم أن لا مجير لكم، فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب، وهو العلم بالتوحيد والنبوة والبعث؟
الوجه الثاني: في الجواب قوله تعالى:{قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} والمعنى: أنه الرحمن، آمنَّا به، وعليه توكلنا، فيعلم أنه لا يقبل دعاءكم، وأنتم أهل الكفر والعناد في حقِّنا، مع أنَّا آمنا به، وعليه توكلنا، ولم نكفر به كما كفرتم، ثم قال: {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} لا على غيره، كما فعلتم أنتم، حيث توكلتم على رجالكم وأموالكم.
وقرئ {فَسَتَعْلَمُونَ} على المخاطبة، وقرئ بـ(الياء)؛ ليكون على وفق قوله: {فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ}.
واعلم أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره، ذكر الدليل عليه، فقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}.
والمقصود أن يجعلهم مُقرِّين ببعض نعمه؛ ليريَهم قُبح ما هم عليه من الكفر، أي: أخبروني إن صار ماؤكم ذاهبًا في الأرض، فمن يأتيكم بماء معين؟ فلا بد وأن يقولوا: لا أحد إلَّا الله. فيُقال لهم حينئذ: فلِمَ تجعلون من لا يقدر على شيء أصلًا شريكًا له في المعبودية؟
وهو كقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة:68-69].
وقوله: {غَوْرًا} أي: غائرًا ذاهبًا في الأرض، يُقال: غار الماءُ يغور غورًا، إذا نضَبَ وذهب في الأرض، والغَوْر ههنا بمعنى: الغائر، سُمِّيَ بالمصدر، كما يقال: رجل عَدْل ورِضًا.
والمَعين: الظاهر الذي تراه العيون، فهو (مفعول) من العين كـ(مبيع). وقيل: المعين: الجاري من العيون، من الإمعان في الجري، كأنه قيل: مُمْعِن في الجري.

تفسير سورة القلم
ملامح حول السورة:
سورة القلم، هي سورة مكيَّة بالإجماع، وموضوعها وأسلوبها يشهدان بذلك، وآيُها ثنتان وخمسون، بل كل سور هذا الجزء (التاسع والعشرين) مكية، ولا يُستثنى منه شيء، وقد استثنى بعضهم آيات من بعض سوره، ولكن استثناء الآيات من السور قضية قلَّما تثبت. ومن المعروف- أيضًا- أن الجزء الثامن والعشرين (جزء قد سمع) كل سُوره مدنية.
وقد كنا نقرأ في المصاحف القديمة: أن سورة القلم نزلت بعد سورة العلق، وهذا يعني أنها السورة الثانية في ترتيب النزول، بعد {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].
ومن يقرأ السورة لا يمكن أن ينشرح لهذا أبدًا؛ لأن السورة تتحدث عن معركة دائرة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المجتمع الوثني، الذي رفض دعوته، وأعلن الحرب عليه وعليها، فلا يمكن أن تكون نزلت بعد الآيات الخمس الأولى من القرآن: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].
والذي يظهر لمن يقرأ سورة القلم: أنها سورة تخوض معركة ضد الوثنيَّة الجاهليَّة العربية، وممثليها ودعاتها والمدافعين عنها، وهم كثير من أصحاب المال والجاه، وهم الذين واجهتهم السورة بمثل قوله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ *وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ* إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [القلم 8- 15]، وقوله تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} يدل على أن هناك سورًا ذكر فيها آيات تتحدث عن قصص من قصص الأولين، حتى يقولوا قولهم هذا.

سورة تدافع عن محمد ﷺ:
سورة القلم فيها دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواجهة لأعدائه، وتهديد لهم، كما في آخر السورة: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. وكلمة (ذَرنِي) تعني: دعني لهؤلاء، وهذه العبارة تكررت في هذا الجزء أكثر من مرة، ففي سورة المزمل يقول الله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل: 11-13]. وفي سورة المدثر يقول تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} [المدثر: 11-16].
فهذه السورة التي تُبرِق وتُرعِد، وتُرغي وتُزبِد، تدلُّ على أن المعركة كانت حامية الوطيس، وأن المشركين كانوا وقت نزولها قد بدؤوا يواجهون الدعوة في حَمْلة ظالمة من الأكاذيب والاتِّهامات الباطلة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ولذلك دعاه الله تعالى إلى الصبر في أكثر من سورة من هذا الجزء، فقال تعالى في سورة المزمل: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]. وقال في سورة المعارج: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 5-7]. وقال في سورة الإنسان: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوكَفُورًا} [الإنسان: 24].
وهنا في سورة القلم يقول الله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]. أي: اصبر على قومك، ولا تستعجل لهم، لا تكن كصاحب الحوت يونس عليه السلام، وهذا يدل على أن المعركة شديدة الاشتعال، وأن عليه أن يصبر ويثبت على دعوته، ولا يبالي بهؤلاء، وسيدافع الله عنه، لذا قال له: ذرني وهؤلاء، شأني وشأنهم.