متعاف يروي لـ «العرب» رحلة 8 سنوات مع المخدرات
محليات
27 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
افتتح مركز «أرشدني» أمس المعرض الفني لرسومات المتعافين من الإدمان بمشاركة لوحات لفنانين قطريين ومقيمين، وذلك ضمن فعاليات التجمع الخليجي الأول للمتعافين من الإدمان الذي يعقد حاليا بقاعات أكاديمية التفوق الرياضي «أسباير» ويحضره حوالي 200 شخصية من المتعافين والمهتمين والمختصين بدول مجلس التعاون الخليجي.
«العرب» التقت أحد المواطنين المتعافين واستمعت لرحلته مع الإدمان طوال سنوات، وكيف تعافى وصار مواطنا سليما.
«محمد» أحد المدمنين المتعافين المنتسبين لمركز «أرشدني» فتح قلبه لـ «العرب» وعبر عن تجربته في الوقوع بهوة الإدمان، ورحلته الطويلة لمدة 8 سنوات من الإدمان.. ومن ثم توبته وعودته إلى الحياة وهي التي تعد أنها ما زالت قصيرة ولكنها تحمل رسالة مهمة أحب أن يوصلها للمدمنين؛ يقول محمد إنه قد بدأ بسيجارة وتدرج في الإدمان حتى استخدم الهروين وكافة أنواع المخدرات..، والحكاية أصدقاء السوء والشعور بالفراغ والشباب المغامر الذي يحب أن يجرب كل شيء.. كنت أريد أن يدور رأسي.. هكذا بدأت بسيجارة.. ثم جربت الحشيش ليدور رأسي أكثر.. ثم فرطت المسبحة وأخذت أجرب كل شيء.. الهروين وكافة أنواع المخدر.. وهكذا وقعت في براثن الإدمان.. وغرقت ولم أجد من ينتشلني.
ويضيف محمد ابتعدت وانعزلت عن الناس.. وأدركت أن لا فكاك من هذا البحر الطام الهدار.. وظننت أنني سأقضي بقية عمري في هذا العالم.. هذا الضياع.. وقد تمكنت مرة من التوقف عن المخدرات لمدة 8 أشهر.. كان لدي رغبة في العودة إلى حياتي.. كنت مساعد طيار.. ثم وجدت نفسي لا شيء.. لدي رغبة عارمة بالعودة ولكني لا أجد أحدا يقف إلى جانبي.. أنا وحيد في بحر لجي.. رجعت إلى المخدرات بسرعة.. وبقيت سنوات وأنا تائه لا أعرف دربا..
وذات ليلة دعاني أحد أصدقائي المنتسبين لمركز «أرشدني» إلى المركز للسلام على الشيخ «أبوزقم» كنا نحب طريقته في الحديث وأسلوبه في التواصل مع الشباب.. وصلنا المركز وجلسنا مع الشباب المتعافين وأكلنا طعام العشاء.. وتحدثت مع الشيخ سلطان الدغيلبي «أبوزقم» وجدت اهتماما كبيرا بحالتي وقربا من الشباب الموجودين.. سحرتني أجواؤهم الرائعة.. وجرأتهم وصراحتهم.. فقررت الانتساب إلى المركز.. بل وأقمت به وما زلت مقيما به.. إنه الآن بيتي.. والشباب هناك أخوة أعزاء.. لقد احتضنوني يوم أن ابتعد عني الناس.. أحبوني وصبروا علي وساعدوني.. وتحملوا معي نزواتي ومشاكلي.. لقد كنت ميتا وعدت إلى الحياة.. هؤلاء أنقذوني.. ومهما شكرتهم فلن أوفيهم حقهم.
والشيخ سلطان يقف إلى جانب الجميع، كل ما نطلبه يوفره.. وله روح مرحة وقدرة على التواصل مع الجميع، علمنا بأننا لسنا مجرمين.. نحن مرضنا لأسباب كثيرة.. وها نحن نتحسن ونعود إلى جادة الصواب، نحن بشر وأعضاء بالمجتمع ونتمنى أن نسهم بالحياة الاجتماعية.. أتعرف عدت إلى أهل بيتي فوجدتهم قد تغيروا كثيرا.. وجدت والدتي قد كبرت بالعمر.. كنت خلال السنوات الماضية وكأن على عيني غشاوة.. وقد انكشفت.. ها أنا ذا أعود مولودا جديدا..
ورسالتي إلى كل الشباب الذين وقعوا في الإدمان أن يعودوا.. أقول لهم تعالوا إلى مركز «أرشدني» ولن تجدوا إلا الخير.. تعالوا واكتشفوا الحياة.. المنتسبون هنا أكثر من إخوة.. تعالوا.. تعالوا.. ولا تخافوا.. لستم مجرمين.. أنتم ضحايا.. والله يغفر الذنب ويقبل التوبة.. تعالوا والمجتمع سيقبلكم.. تعالوا ولن تندموا.
رسومات المتعافين
وقال علي السويدي المدير العام لمؤسسة الشيخ عيد الخيرية إن معرض رسومات المتعافين من الإدمان بمركز «أرشدني» دليل عملي على أن المدمنين هم جزء من المجتمع وأنهم قادرون على الإبداع والمساهمة في عملية البناء والتنمية، وهم وإن كانوا أخطأوا أو انحرفوا عن الجادة فإنهم قادرون على تصحيح المسار والتوبة والعودة إلى الصف، مشيراً إلى أن اللوحات الفنية التي رسمها المتعافون تعبر في بعض جوانبها عن الحالة النفسية للمتعافي وهو الأمر الذي قد يسهم في فهم حالته وبالتالي الإسهام في تعافيه.
ونوه السويدي بأن مؤسسات المجتمع المدني لها دور إيجابي في توعية المجتمع بمخاطر المخدرات والإسهام في تأهيل المتعافين من الإدمان، مشيراً إلى أن التجمع الخليجي الأول للمتعافين من الإدمان قدم نماذج من المتعافين من دول الخليج امتلكوا الجرأة وتحدثوا عن تجاربهم وحذروا من الوقوع تحت الإدمان، ورغبوا المدمنين بسرعة العودة والتوبة، والمتعافون أنفسهم هم الذين نظموا هذا التجمع الذي يعد الأول من نوعه بدول الخليج، وهم بشهادة المختصين قدموا تجربة رائعة تستحق الدراسة والاهتمام.
الدكتور نبيل عبدالعظيم القط المتخصص في معالجة الإدمان من جمهورية مصر العربية قال إن معرض رسومات المتعافين من الإدمان والتجمع الخليجي للمتعافين أبرزا أهمية العمل الشامل في عملية التعافي من الإدمان، ولم يكن التركيز على نقطة واحدة بل تم التوجه لتناول المشكلة والعلاج بكل مستوياته الاجتماعية والدينية والنفسية والفنية والطبية، وهذا المعرض الفني يمس جانبا مهما بحياة المتعافي، مشيراً إلى أن رسومات المتعافين عبرت بشكل مبدع عن مشاكلهم ومشاعرهم المرتبكة وشعورهم بالفرح والخوف والارتباك أحيانا.
الدكتورة ألفت علام اختصاصية علاج نفسي وإدمان واستشارية بالأمم المتحدة أوضحت أن العلاج بالفن هو وسيلة للتغيير يفرج عن الطاقات الإبداعية وهو عامل مساعد في العلاج، مبينة أن الإنسان يحتاج للتعبير عن نفسه بالطريقة التي تناسبه، ويعد الفن إحدى أهم الوسائل لترك المدمن يعبر عما يجول بخاطره وبالتالي تفريغ شحناته العاطفية وأفكاره وإبداعاته، واللوحة تشعر المتعافي بأنه قادر على الإبداع والعمل والإسهام في بناء المجتمع.
رسالة صامتة
الداعية سلطان الدغيلبي مدير مركز «أرشدني» قال إن معرض رسومات المتعافين من الإبداع بمشاركة الفنانين المحترفين رسالة صامتة يقولها المتعافون يقولون فيها: نحن مبدعون.. نحن قادرون على البناء.. نحن إنسانيون.. أعطونا فرصة للتعبير.. للتغيير.. موضحا أن العلاج بالعمل يعد اليوم من أهم وسائل علاج المدمنين.
وأكد الدغيلبي أن المتعافي من الإدمان عندما يرسم لوحة فنية فإنه يفرغ طاقاته المكبوتة ويعبر عن دواخله النفسية، وكأنه يقول أنا لم أعد منزويا عن الناس أنا هنا موجود وقادر على المشاركة.
ودعا الدغيلبي رجال الأعمال والمحسنين من أهل قطر المعروفين بحب الخير إلى الإقبال على المعرض وشراء لوحات المتعافين من الإدمان.. وذلك لإشعارهم بفائدة عملهم وثمرة العمل الحلال وجدواه.. متمنيا أن يعود المتعافون الذين رسموا لوحات فنية وهم يحملون مشاعر علو الهمة بأن المجتمع يتقبلهم ويشاركهم ويقدر أعمالهم.. حتى يشعروا بلذة المال الحلال والعودة إلى الأسرة والمجتمع، مشيراً إلى أن الكثير من المتعافين أبدوا رغبتهم في تطوير مهاراتهم الفنية وتطوير قدراتهم العملية الأمر الذي سيسهم بعون الله في تحسين تعافيهم.