السادة: الابتعاد عن الوحي سبب فيما نشاهد من قتل وإفساد في الأرض

alarab
محليات 27 مايو 2016 , 06:53م
الدوحة - العرب
تناول فضيلة الداعية الشيخ عبدالله السادة في خطبة الجمعة اليوم موضوع "القتل" وما يترتب عليه من مفاسد عظيمة، محذرا من مخاطره، ومبينا أن خطورة القتل وسفك الدم الحرام هو الذي جعل الملائكة عليهم السلام يذكرون بأن استخلاف الإنسان في الأرض يترتب عليه الإفساد فيها وسفك الدماء.

وقال فضيلته: القتل بغير حق يدخل في الإفساد في الأرض، لكن خصه الملائكة -عليهم السلام- بالذكر لعلمهم بعظيم أمره عند الله تعالى، وقد قص الله تعالى علينا في القرآن الكريم نبأ أول دم بشري سفك على الأرض ظلما وعدوانا بسبب حسد ابن آدم لأخيه: {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} فنفذ بعد وعيده: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. 

إن في القرآن الكريم تعدادا لأنواع من الذنوب والموبقات؛ كالشرك والربا والزنا والخمر والعقوق والقطيعة وغيرها، لكني لا أعلم أنه ذكر في القرآن قصة بداية ذنب عمله ابن آدم، ولا بيان أول من باشره سوى القتل، فإن الله تعالى ذكره في قصة مؤثرة، ليردع عنه من قرأها وسمعها.

ثم ذيلت هذه القصة العظيمة بحكم خطير يفيد أن من استحل قتل نفس واحدة بغير حق فإنما هو مستحل لقتل البشر كلهم: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}، فسن ابن آدم الأول القتل حين قتل أخاه ظلما وعدوانا، فكان عليه كفل كل نفس تقتل ظلما وعدوانا؛ لأنه أول من سن القتل في البشر، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. إن استحلال قتل الناس، والاستهانة بأرواحهم، والولوغ في دمائهم، ينشأ عن الجهل بعاقبة ذلك عند الله تعالى، وعن ظلم في النفس وكبر وعلو على الناس، يرى القاتل فيها نفسه فوق المقتول، وحينئذ فإنه لو استحل دماء شعوب بأكملها؛ فإن قلبه لا يتحرك، ولا تطرف عينه، ولا تلومه نفسه، كأنه يرى أن هؤلاء البشر ما خلقوا إلا ليستعبدهم أو يحقق مراده منهم أو يقتلهم، ولأجل ما في النفس البشرية من الظلم والعدوان، والتعطش لسفك الدماء عند القدرة على ذلك.

جاءت نصوص الكتاب والسنة حاسمة قوية مرهبة من القتل تعد من استحل الدماء المعصومة فسفكها أو استهان بها فأعان على قتلها، تعده بأشد الوعيد وأعنفه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.

وعدّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل نفس بغير حق من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات التي توبق صاحبها، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما"، قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "المعنى: أنه في أي ذنب وقع كان له في الدين والشرع مخرج إلا القتل؛ فإن أمره صعب، ويؤيده حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا} وكثير من المفسدين في الأرض، المستعلين على الخلق، يعدون الناس بالقتل، ويفاخرون بسفكهم لدمائهم ظلما وعدوانا، فويل لـهم على اغتباطهم بذلك، وسفك دم مسلم أعظم عند الله تعالى من الدنيا كلها؛ لـمكانة المؤمن عند ربه عز وجل، ولـهوان الدنيا عليه سبحانه، قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"، فويل لمن استهان بدم امرئ مسلم فسفكه بغير حق، ويل له من يوم عبوس قمطرير يقف فيه بين يدي الله تعالى حين يقضي في أمر الدماء وهي أعظم المظالم بين الناس، ويبدأ بها في الفصل بينهم يوم القيامة، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء".

وأشار في خطبته الثانية إلى أن الابتعاد عن الوحي والجهل بالدين من الأمور التي تبعد الناس عن الحق مهما فتح عليهم من علوم الدنيا، وأردف: كلما تباعد الناس عن زمن الوحي كانوا أكثر جهلا بالدين وإن فتح لـهم في علوم الدنيا، وكانوا أقسى قلوبا وإن تظاهروا بالشعارات البراقة المخادعة من نحو الإنسانية والحرية والمساواة والإخاء؛ فإنه لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه كما ثبت في الحديث الصحيح، حتى يكون قتل الناس عدوانا وظلما منهجا لبعضهم ينتهجونه، وشريعة يطبقونها.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يكثر الهرج، قالوا: "وما الهرج يا رسول الله؟! قال: القتل القتل" إن الحديث عن القيم الإنسانية، وعن السلم العالمي الذي يخيم على الأرض ليس سوى أحلام وأوهام ممن يعتقدها ويقول بها، أو مخادعة من الأقوياء ليخدروا بها الضعفاء، وإلا فإن حقيقة القيم الإنسانية هي قيم القتل والفساد في الأرض منذ أن قال الملائكة عليهم السلام: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، وكان التاريخ البشري شاهدا على هذه الحقيقة القرآنية، إن النفوس البشرية الجامحة إلى الظلم والطغيان، الجاهلة بحقيقتها، المستعلية بقوتها، المغرورة بنجاحها، المخدوعة بمن يزين لها عملها، لا تأبه بأرواح الناس، ولا ترق لآلامهم، ولا تكف عن عذابهم؛ لاعتقادها بصواب فعلها، كم قتل من البشر في الحروب الصليبية؟! وكم قتل منهم في محاكم التفتيش الأوروبية في القرون الوسطى؟! وكم قتل منهم أيام الغزو التتري؟! وكم قتل من إنسان أيام الاستعمار البغيض؟! وكم أبيد من إنسان في الحربين الكونيتين، ثم في الحروب التي تلتها إلى يومنا هذا؟! وكم قتل من إنسان أيام المد الشيوعي؟! وقد قيل: إن ستالين أباد ستين مليون إنسان، حتى قال صديقه وشريكه بيريا: "لقد ارتكب ستالين أفعالا لا تغفر لأي إنسان". إنه عدوان الأقوياء على الضعفاء، عدوان الدول القوية على الدول الضعيفة، وعدوان أقوياء السلطة على عامة أفراد الدولة؛ حتى صار سفك الدماء.

وما نراه اليوم في أحداث دول الثورات العربية ،من استباحة لدماء الناس على أيدي الطغاة بضربهم بالنار، وقصفهم بالطائرات، وإحراقهم بالأسلحة الثقيلة، ودعسهم بالسيارات، لا يخرج عن سياق الاستهانة بالدماء.

وسحق الأقوياء للضعفاء، وسيجازى كل من سفك دما حراما بغير حق، أو أعان على سفكه، فإن نجا في الدنيا فلن ينجو من عدل الله تعالى يوم القيامة في ساحة القصاص: {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ 

[040 017] الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. 
وصلوا وسلموا على نبيكم...

أ.س