د. حمد الكواري يستدعي ذكريات عقود.. ويمزج الجمال بالحزن

alarab
محليات 27 أبريل 2021 , 01:56ص
يوسف بوزية

د. الكواري يكشف كواليس «الحلم المجهض» في معركة «اليونسكو»

تكريم صاحب السمو مسح الغيمة الحالكة التي غطت منافذ النور إلى نفسي

سموه أصلح ما طالني من حزن وخيبة.. بمبادرة كانت قمة في النبل والفروسية
 

بداعي الخوف على ذكرياته الثمينة وصونها من سطوة قانون النسيان، عمدَ سعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الدولة، رئيس مكتبة قطر الوطنية، إلى استدعاء بعضاً من ذاكرته الرقمية الغنية بالأحداث، وسكبها بين دفتي هذا الكتاب، ليس فقط للحفاظ عليها بشكل آمن.. بل لأنها تختصر قراءاته الخاصة لمن عرفهم من شخصيات عامة، أو شخصيات مهمة، صنعت جزءاً من تاريخ أوطانها.
من هؤلاء الشخصيات من ربطته بهم صداقة وطيدة، وعلاقات تعاون، ومنهم من قاده إليه القدر من باب إنساني «يستحيل أن يُنسى»، بحيث تكونت لديه حصيلة غنية من التجارب والعلاقات الإنسانية، والتي كونت «موزاييك يزين جدران مدينة بأكملها نهضت في داخلي، مدينة يسكنها أناس بسطاء كما يسكنها أمراء ورؤساء ووزراء وفنانون مثقفون ورياضيون.. كما لو أنها كوكب صغير، فيه كل أشكال الحياة».
وقد أراد الدكتور حمد الكواري أن يروي قصصاً قصيرة جداً عمن عرفهم، على هيئة ذكريات لا مذكرات، وتمثل هذه القطع الصغيرة والأنيقة في مبناها ومعناها، نافذة يمكن الإطلال منها على محطات إنسانية وفكرية وسياسية شكلت مسيرة أحد رجالات قطر، والتي شغل فيها مواقع فعالة في صناعة القرار، وكان له دور وبصمات في العديد من المواقع والمؤسسات.

صور تختصر الكلام
الدبلوماسي الفطن، والمحاور الدمث في عالم الدبلوماسية، ورجل الدولة الذي يُغريك اطلاعه، ويستهويك انفتاحه على قضايا العصر وانتماؤه الحميم لقضايا وطنه وأمته.. يستحضر في فصول كتابه العديد من المدن والأحداث والشخصيات في هيئة ومضات خاطفة، أو شذرات قصيرة، فالقصص الطويلة -كما يرى- مرهقة، إن لم يكن للقارئ فللكاتب، من حيث ما تتطلبه من استحضار الكثير من التفاصيل، وهو ما يفقدها جانباً من صدقيتها حين تعالج المخيلة فراغات الذاكرة، أو تصطدم بصعوبة الوصف الدقيق لما حدث! لهذا وجد المؤلف في الصورة ما يختصر الكثير من الكلام، مسنودة بتعليق دقيق «يوقظ بذرة الدهشة في عيني من يتأملها».

نماذج مضيئة
هكذا «اعتقل» المؤلف «لحظات هاربة من حياته» ووضعها بين دفتي هذا الكتاب، تاركاً للصورة القول الفصل، وجاعلاً كتابته حاشية على متن الصورة.. «قد يجد المهتم بالتاريخ في هذه الصفحات بعضاً من تاريخي الذي تماهى مع تاريخ وطني، حيث تشرفت بخدمته وتمثيله في مواقع متعددة، وقد يجد المولع بسير الرجال نماذج مضيئة تعرفت عليها وصادقتها وأحببت أن أهدي لها باقة وفاء في زمن الجحود.. كما يجد فيها المولع بالأسفار مثلي سياحة فكرية جهدت أن أجمع فيها بين المعلومة والمتعة، آملاً أن تكون استراحة لقارئ من مسافر زادُه الجمال».
شخصيات وأحداث
ومن بين الشخصيات التي يتوقف عندها الدكتور الكواري على التوالي: أحمد بن بلة، فرانسوا ميتران، جاك شيراك، البطريرك ميشيل الراعي، عبد الرحمن سوار الذهب، الشيخ جاسم بن ثاني بن جاسم آل ثاني، الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، فيصل الحسيني، ياسين الشريف، الشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، سمير الشهابي، عصمت كتاني، عبد الله الأشطل، طاهر المصري، عبد الله بن حمد العطية، خوسيه مارتي، مهاتير محمد، ناصر عبد الله النصر، أحمد صدقي الدجاني، خليفة بن عبد العزيز المبارك، عيسى الحمد، سميح القاسم، كلوفيس مقصود، الشيخ أحمد بن سيف آل ثاني، الدكتور أيمن طه الرفاعي، نسيب لحود، حسن الغانم، فاروق شوشة، عبد العزيز ناصر، الهادي المبروك.
أما المدن التي تربطه بها أواصر الذكريات البعيدة والقريبة، فتشمل جهات العالم الأربع، كما تقدم صورة عن ارتباطه بالسفر خلال عمله سفيراً لمدة 20 عاماً، ثم كوزير بعد ذلك، حيث قل أن يمر وقت دون أن يسافر في عمل أو سفر خاص.
الحلم المجهض.. والتكريم الأميري
يروي الفصل الأخير حكاية «الحلم المجهض»، وهزيمة العرب في معركة اليونسكو، حيث قرر البعض ليس فقط مقاطعة المرشح القطري لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية، وإنما محاربة فوزه، مستعيداً أبرز اللحظات الحاسمة في تلك التجربة الغنية بالمشاعر والأحداث، ولم يمض وقت طويل على ذلك «الموقف الصعب» كما يصفه الدكتور، «حتى شعرت ببلسم النفس يمسح الجراح برداً وسلاماً على قلبي، عندما اتصل بي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أطال الله عمره، ليعبّر لي عند تقديره بقوله: «لقد قمت بكل ما في مقدورك واستطاعتك، ونحن في قطر نعتبرك منتصراً، عد إلى بلدك لتلقى منه ومن قيادته كل التكريم».
وهكذا مسح التكريم الأميري «الغيمة الحالكة التي غطت منافذ النور إلى نفسي، وأصلح ما طالني من حزن وخيبة بمبادرة كانت قمة في النبل والفروسية، لا تأتي إلا من رجل عظيم في مواقف بهذه الصعوبة».

جدار «إنستجرام»
الإنستجرام هو جداره المفضل لتحرير التعليقات وتعليق الذكريات، وتبادل الأفكار مع الشباب وفئات المجتمع المختلفة، ويمثل هذا الكتاب استجابة لرغبة متابعيه على التطبيق، بتوثيق هذه الخواطر والومضات في كتاب، ولم يفعل د. الكواري أكثر من «التجاوب مع ما وجهتموني لفعله».
وفي تعليقه المرفق على «إنستجرام» يشرح د. الكواري علاقته مع التطبيق، والتي بدأت منذ خمس سنوات.. قائلاً:
- لم يتح لي فقط نشر صور بل تخطى ذلك أيضاً إلى الحديث عن ذكريات عشتها وأحداث مرت بي وشخصيات عرفتها ومدن وأماكن زرتها وخواطر جالت بخاطري خلال حياتي الشخصية والعامة.
- وكتبت سلسلة عن شخصيات كبيرة عايشتها عن قرب وتعلمت منها خلال هذه الحياة، عبر سلسلة أطلقت عليها «رجال جاد الزمان بهم» وحازت السلسلة على رضاء المتابعين وكان لها صدى طيب.
- وبعد فترة بدأ المتابعون الكرام يحثونني أن أكتب كتاباً عن ذكرياتي وأسرد مثل هذه القصص بتفاصيل أكثر، وكان هذا أحد الحوافز الرئيسية لكتابتي لمذكراتي الثقافية في كتاب «على قدر أهل العزم»، وكان أفضل تقديم لي إلى العالم في حملة اليونسكو، وترجم حتى الآن إلى «الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والفارسية والتركية».
- ثم تطور الإنستجرام وأصبحت مساحة الكتابة أكبر، كما سمح بتصحيح الأخطاء المطبعية ونشر أكثر من صورة للموضوع.
- كل هذا دفعني إلى كتابة «مسافر زادُه الجمال» الجزء الأول، حيث سيليه الجزء الثاني.. ويشمل بعض إنستجراماتي المنشورة مع إضافة وتعديل ونشر صور متعددة لكل حدث، وسيكون فيه الكثير مما لم يكن في الإنستجرام.
- أما الاسم فقد استوحيته من عنوان إنستجرامة كتبتها حين زرت «منابع النيل» في أوغندا، وتذكرت حياتي الجميلة في القاهرة أيام الدراسة الجامعية، وتنزهي على ضفاف نهر النيل الخالد شاباً يافعاً مفعماً بالأحلام مع الرفاق والأحبة.
- وإني من عشاق أحمد شوقي وأعشق قصيدة «النهر الخالد» التي تغنى بها الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، الذي أسعفني حظي أن أعرفه عن قرب في «بلودان» في سوريا وفي باريس:

مسافرٌ زاده الخيالُ والسحر والعطر والظلالُ
ظمآن والكأس فى يديه والحب والفن والجمالُ
آهٍ على سرّك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ
يا نيل يا ساحر الغيوب
يا واهب الخلدِ للزمانِ يا ساقي الحبِ والأغاني.