خطاط مصري يحول الحروف الإنجليزية لتقرأ بالعربية
منوعات
27 مارس 2014 , 12:00ص
القاهرة - داليا عاصم
«ما عليكم إلا اختيار اسمين».. هكذا يجذب الخطاط القاهري عبدالوهاب محمود سالم (45) عاماً زوار المهرجانات الثقافية والفنية في مصر، ثم لا يلبث أن يثيرهم «أنا ممكن أخليك تقرأ اسمك واسم من تحب بأي لغة كانت» ووسط ذهول الناس يختار أحدهم اسمين بالعربية وبالإنجليزية متصوراً أنه يتحدى عبدالوهاب إلا أنه في غضون لحظات يصبح مذهولاً غير مصدق لما قام به هذا الفنان من تحويل اسمين ليكونا وجهين لعملة واحدة!
هذا الفنان الذي تخط أنامله ما يشبه بالسحر فهو يفكك أسرار وألغاز الخطوط، ويطوعها بين أصابعه كطفل أدمن اللعب بالتشابه والتكرار بين الفراغات والنسب والأشكال.. فهذه الكلمة الإنجليزية، سرعان ما تتحول بحروفها نفسها إلى أخرى عربية والعكس أيضا، وبسرعة بديهة لا تخلو من تناغم وجمال، يمكنه تحويل أي اسمين معا إلى لوحة فنية يمكنك قراءة أحدهما بالعربي والآخر بالإنجليزي، وكأنك تشاهد خدعة بصرية لأحد الحواة المهرة!
هكذا يعمل الخطاط الموهوب مستخدماً أوراقه الشفافة وقلمه البوص وأحباره، وسط جموع من الجماهير يتفنن كل منهم في تحديه واختيار اسمين متباعدين في أبجديتهما عن بعض فمثلاً: يختار أحدهم «حسام الدين ونجلاء» لكي يكتب اسم حسام الدين بالعربية أو بالإنجليزية ليُقرأ نجلاء بالعربية أو بالإنجليزية في ظهر الورقة. فلا تقف أمامه أي أسماء ورغم أنه يمتلك يداً من ذهب وكما يقال «تتلف في حرير» وصال وجال في مدن العالم، فإنه لا يسعى إلى الشهرة ولا يتوق لعمل المعارض الفنية، بل يقتات على أجر زهيد مقابل كل ابتكار، فهو يحصل على 5 جنيهات مقابل تحويله لاسمك واسم حبيبتك لاسم واحد!!
يقول الخطاط عبدالوهاب: «الفكرة نبعت من عشقي لفن الخط العربي لشكله وتكوينه، اكتشفت هذه الموهبة لدي منذ 25 عاماً، لقد كنت دوما محباً للخط وأفكر فيه كثيراً وأسرح في تكوينات الحروف والكلمات، وأحاول تطويعها وكتابتها بشكل غير تقليدي. اكتشفت الموهبة وأنا في المرحلة الثانوية، وشجعني مدرس اللغة العربية، وكنت أرسم بعض الكلمات فقال لي: إنني أستخدم الخط الكوفي ومن هنا تعمقت فيه وبدأت أطور فيه، وكان أول معرض لي في الإسكندرية عام 1986 في معسكر أبوقير للشباب، بعدها فاجأني اللواء المسؤول عن المعسكر بأنني أستخدم الكوفي الأندلسي، ومن هنا بدأت آفاقي عن الخط العربي تتوسع وتتفتح، وقمت بتعليم نفسي بنفسي وتعرفت على أنواع الخطوط، وبدأت أعبر عن أفكاري بالخط الثلث، لكني لم أدرس بمدرسة للخط».
وحول فكرة كتابة الأسماء وتحويلها من الإنجليزية للعربية، يروي عبدالوهاب «جاءت الحكاية بالمصادفة، عندما جاءني صديق عزيز يود تقديم هدية لخطيبته، وأراد مساعدتي في أن تكون هدية غير تقليدية، فكانت فكرتي في أن أرسم له لوحة بها أسماهما وفكرت في تحويل حرف «A» إلى «ع» ومن هنا كانت البداية». بعد الثانوية العامة دخلت معهداً صناعياً، وكنت أذهب لزملائي يومياً في جامعة القاهرة وجامعة عين شمس، ووجدت متعة في العمل مع الشبان والشابات الذين يرغبون في كتابة أسماء أصدقائهم أو أحبائهم، مما منحني خبرة الممارسة، ومع الصعوبات الكثيرة التي واجهتها في كتابة الأسماء، نجحت في تحويل الـ26 حرفاً الإنجليزية وتطويعها في كتابة الـ28 حرفا التي تشكل الأبجدية العربية.
يضحك عبدالوهاب وهو يتذكر الأسماء التي كانت صعبة الترويض، ويقول: هي الأسماء القليلة الحروف مثل «مي» فهي تكتب بالإنجليزية May فإذا كان الاسم المقابل لها مثلا «إسماعيل» فإنه أمر كان يؤرقني كثيرا لكن الحمد لله تغلبت على كل الصعوبات وذللتها.
وفي رحلة محبة الخطوط سافر عبدالوهاب فترة إلى فرنسا: «كان الخط خير رفيق ومعين لي في بلاد الغربة، وقمت بتنفيذ نفس الفكرة هناك، ووجدت إقبالاً من الفرنسيين على أعمالي، إلا أنهم لا يفهمون الخط العربي، فقررت أن أرسم الأسماء بالأرقام، فأطلب من الزبون اسمه لأكتبه حسب تاريخ اليوم فيقرأ اسمه متطابقاً مع الأرقام، وكان إقبالهم على الفكرة لا يوصف، وكنت أنتقل في أرجاء فرنسا وأجلس بجوار اللوفر أو في ميدان الكونكورد، وألهمتني المسلة الفرعونية الموجودة في الكونكورد وعشق العالم للغة المصرية القديمة، بأن أتجه لاستخدام الرموز الهيروغليفية أيضا مع الأبجدية العربية والإنجليزية، واستعنت بكتب للدكتور عالم الآثار، عبدالحليم نور الدين، وبالفعل نجحت الفكرة جداً، فكثير من الناس يرغبون في كتابة اسمهم بالهيروغليفية».
لم يستكمل عبدالوهاب رحلته في أوروبا لظروف عائلية وعاد إلى مصر، ليصقل موهبته ويطورها بمزيد من الممارسة والخبرة.. يصف عبدالوهاب عمله بأنه عملية تحد وأشبه بمباراة ذهنية، تحتاج إلى خيال واسع فلا يمكن أن يقف أمامه اسم أو رقم أو رمز. حتى الرموز لم تفلت من يدي الخطاط المصري الموهوب؛ فقد حول الرموز الهيروغليفية إلى لاتينية ونجح في تطويع 28 رمزاً خلال ستة أشهر. وهي الفكرة التي أعجبت مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، فطلب منه أن يسعى لتحويل كل الرموز الهيروغليفية، إلا أنه توقف عن ذلك لأنها فكرة تحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد والدعم. يقول عبدالوهاب: «من الأعمال التي أفخر بها حقا كتابة أسماء الله الحسنى كلها من خلال لفظ الجلالة «الله»، حيث تتجسد كلها فيه، فمثلاً «الغفور» أو «الملك» ممكن قراءتها «الله»، وهكذا. وتراودني فكرة كتابة أسماء العظماء حسب تواريخ ميلادهم، مثل: نجيب محفوظ، وطه حسين وغيرهم، إلا أنني لم أجد الفكرة تحظى باهتمام في مصر. ونظراً لموهبته الخاصة جداً استعانت به كبرى شركات إنتاج شرائط الكاسيت في التسعينيات لتصميم أغلفة الشرائط، وأهمها «عودوني» لعمرو دياب، و«غزالي» لحميد الشاعري و«قلبي وروحي وعمري» لمحمد فؤاد، كما عمل أخيراً في مجال تصميم تترات الفيديو كليب، وآخر أعماله كان تصميم اسم فيلم «الشبح» لأحمد عز.
وحول عدم إقامته معارض فنية خاصة به، قال: «أكتفي بالمشاركة في المهرجانات الثقافية ومعارض الكتب والكرنفالات وحالياً أعمل مصمم دعاية في قسم لتنمية الأفكار الجديدة في شركة. أنا لست خطاطاً ولكني هاو وأعشق الخط ولا أتخذه سبيلاً للشهرة أو للحصول على ثروة، وأكتفي برؤية علامات الاندهاش والتعجب في أعين زبائني، حينما يفاجؤون بما يرون، وهذا الأمر هو ما يدفعني إلى الاستمرار والتفكير والتجديد فيما أخط من أعمال، وربما ذات يوم أفكر في افتتاح مقر خاص بي أستطيع فيه استقبال الناس والزبائن في أي وقت».