«وآمنهم من خوف» يناقش تحديات تحصين الأسرة المسلمة

alarab
الملاحق 27 فبراير 2026 , 01:25ص
حامد سليمان

تناولت الجلسة الثالثة من جلسات برنامج «وآمنهم من خوف» والذي تنظمه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية «الأسرة المسلمة في زمن التغيرات المتسارعة – التحديات وسبل التحصين».
شارك في الجلسة التي قدمها الشيخ معاذ يوسف القاسمي، فضيلة الشيخ الدكتور محمد المحمود- خبير شرعي وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفضيلة الدكتور البشير عصام المراكشي- كاتب ومدير مركز إرشاد للدراسات والتكوين (المغرب)، وفضيلة الشيخ الدكتور أحمد الفودعي- باحث شرعي ومفتي بموقع إسلام ويب التابع لوزارة الأوقاف، وفضيلة الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف- أكاديمي وداعية إسلامي، وفضيلة الشيخ الدكتور أحمد الفرجابي- مستشار شرعي وتربوي بموقع إسلام ويب التابع لوزارة الأوقاف.

وأكد فضيلة الدكتور محمد المحمود أن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات، مشددًا على أن قوة المجتمع واستقراره مرهونان بمدى تماسك الأسرة وصلابة بنيانها القيمي والأخلاقي. ولفت إلى أن الأسرة كانت ولا تزال اللبنة الأولى التي يقوم عليها أي مجتمع صالح ونافع.
وأوضح أن الإسلام أولى الأسرة عناية واضحة في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، حتى وإن لم يرد مصطلح «الأسرة» بمفهومه الاصطلاحي في القرآن، إلا أن حضورها في التشريع الإسلامي ظاهر من خلال منظومة الأحكام التي تنظم العلاقة بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء. ولفت إلى أن بداية الخلق نفسها جاءت في صورة أسرة، حين أنزل الله تعالى آدم وحواء عليهما السلام إلى الأرض زوجًا وزوجة، في دلالة على مركزية هذا الكيان في عمارة الحياة.

القيم الأسرية 
أكد الدكتور البشير المراكشي، المدير العلمي لمركز إرشاد للدراسات والتكوين في المغرب، أن التحولات الاجتماعية الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الماضية ألقت بظلالها على المجتمعات الإسلامية، وأثرت بعمق في بنية الأسرة ومنظومة القيم داخلها.
وأوضح المراكشي أن المسلمين لم يكونوا بمنأى عن هذه التحولات، التي لم تأتِ في إطار تبعية مباشرة بقدر ما كانت اندماجاً في حضارة حديثة فرضها الغرب، مشيراً إلى أن هذه العلاقة بين الغالب والمغلوب سبق أن نبه إليها ابن خلدون قبل قرون.
وبين أن من أبرز مظاهر التحول الاجتماعي الانتقال من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، لافتاً إلى أن الأسرة الممتدة كانت تمثل شبكة قيم متكاملة يشارك فيها الجد والأعمام والأخوال والوالدان في نقل الخبرات والتجارب والقيم بين الأجيال، بينما أدى تقلص حجم الأسرة إلى تركز عبء التربية على الوالدين فقط، بل على أحدهما في حالات الانفصال والطلاق.
وأضاف أن من المحاور المؤثرة كذلك التبدل في الأدوار داخل الأسرة نتيجة خروج المرأة إلى سوق العمل، معتبراً أن هذا التحول ارتبط تاريخياً بحاجات اقتصادية في أوروبا إلى اليد العاملة، أكثر من ارتباطه بشعارات تحرير المرأة. 
وأشار إلى أن هذا الواقع أفضى إلى انتقال العلاقة الأسرية من منطق التكامل في الأدوار إلى منطق الشراكة المتشابهة، الأمر الذي قد يفضي إلى احتكاكات وصراعات داخل الأسرة، فضلاً عن إسناد جانب من مهام التربية إلى جهات خارج إطار الأسرة كالحضانات والخادمات.

الدين المُبدل 
وقال الدكتور عبد الحي يوسف – عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: نعيش في زمان «الدين المُبدل»، الذي يراد له أن يحل محل الدين المُنزل، الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكثير من المفاهيم الأصيلة التي أكد عليها القرآن والسنة في زماننا هذا تتعرض لرياح عاتية وزلزلة وخلخلة، حيث إن المرء يأخذه العجب حين يرى ناساً ينشؤون في بيئات مسلمة، وبعد ذلك ينادون بأمور تصادم أساسيات الدين وقطعيات الوحي. وأضاف: والحياة باتت قائمة على مبدأ المشاكسة والمنافسة والمنازعة، لا على مبدأ المعاونة والمشاركة والتعاون على البر والتقوى، ولذلك صوروا الحياة الزوجية على أنها معركة بين الرجل والمرأة لا بد أن يكون فيها غالب ومغلوب، لذلك تجد كثيرا من الشباب والفتيات يدخلون من الليلة الأولى على هذا الأساس.

دور الأسرة 
أكد الدكتور أحمد الفودعي – وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – قطر أن الأسرة مطالبة بأن تستعيد دورها، وأن تأخذ حقها في تنشئة الطفل في هذه الفترة المبكرة من العمر، وذلك لأن الطفل يقضي عمرًا طويلًا في حضانة هذه الأسرة، وأنها أكثر المؤسسات مشاركةً في تنمية الإنسان، وأكثرها حنانًا وحباً ورأفة به، وهو ما يؤكد دور الأسرة، وألا تُعفي نفسها، وألا تُلقي بالتبعة على غيرها من المؤثرات الأخرى، سواء كانت مناهج تعليم، أو مؤسسات تربوية، أو وسائل تواصل، أو غير ذلك.
وشرح الدكتور الفودعي المراد من قول الله سبحانة وتعالى:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وما عُطفت عليه قبلها، وهو قولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
وقال: هاتان الآيتان، هذه الآية والتي عُطفَت عليها فيهما ثلاثةُ أوامر: اتقوا الله، واعتصموا بحبل الله، واذكروا نعمة الله، وكأنَّ الأمر الذي نحن بصدده وهو تحصين الاعتصام – محفوف بالترغيب والترهيب، فالله تعالى يعظ هذه الأسرة، ويعظ المجتمع، ويعظ القائمين على التربية في مواقف عديدة بمنهج الوعظ. ونحن نريد أن نُحيي دور الأسرة، وأن نذكر الأسرة بهذه النعمة الكبيرة التي أنعم الله تعالى بها عليها، وأن هذه النعمة ما لم تُستثمر الاستثمار الصحيح، وتُؤدّ حقوقها، فإنها تنقلب إلى العكس». 
وأوضح الدكتور الفودعي أن هناك كثيرا من الآيات الصريحة الواضحة تدل على أن التدين الصحيح هو الذي يصنع الإنسان الصالح السوي، والنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية أكثر من أن تُحصى أو تُعد، ولكننا نحتاج إلى أن نُذكر أنفسنا بمفردات هذا التحصين، وكيفية تحققه.

الأسرار العجيبة 
قال الدكتور أحمد الفرجابي الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إن تحصين الأسرة وحمايتها من تقلبات الزمان وتحولاته يقتضي أن نعود بهذه الأسرة إلى ثوابت الوحي التي حددت الطريق القويم والقواعد الأساسية التي تضمن أسرة سليمة معافاة.
وقال د. الفرجابي إن مما سماها بـ «الأسرار العجيبة» المنظمة للأسرة والسبب في استقرارها أن الله سبحانه وتعالى لم يترك الأسرة لاجتهاد عقول العقلاء أو حكمة الحكماء وإنما قامت الأسرة وفقا لنصوص ثابتة حكمتها وحددت مسارها في الحياة.
ولفت في هذه الأثناء إلى الآيات التي تشير إلى الأسرة في القرآن الكريم قد وردت في وسط الآيات التي تتحدث عن العبادة وهو ما يشير إلى إرتباط الأسرة بالعبادة. وتناول الدكتور الفرجابي ما أسماه بـ «المناعة النفسية» مبينا أن هذه المناعة لا تتكون لدى الأطفال إلا من خلال الأسرة التي تجمع بين الأب والأم. ومضى إلى القول: إن الطفل لا يرضع من ثدي أمه لبنا فقط وإنما يرضع خلقا وأدبا وقيما ودينا.
وأوضح أن العالم لن يصل إلى المناعة النفسية إلا من خلال الأسرة والتواصل الجسدي والتربية.