

لم يعد شهر رمضان في ألمانيا مناسبة دينية تقتصر على أداء الشعائر داخل المساجد أو في نطاق العائلة الضيق، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية واضحة المعالم في الفضاء العام. ومع وجود أكثر من 5.5 مليون مسلم يعيشون في البلاد «وفقا لإحصائيات حديثة»، بات الشهر الفضيل جزءاً من المشهد الألماني، خصوصاً في المدن الكبرى.
وينتمي المسلمون في ألمانيا إلى خلفيات قومية وثقافية متعددة؛ وتتصدر الجالية التركية المشهد العددي، تليها الجاليات العربية بمختلف أطيافها (السورية، العراقية، الفلسطينية، المغربية، الجزائرية، التونسية، اليمنية وغيرها)، إضافة إلى مسلمين من البوسنة وأفغانستان وباكستان ودول أفريقية وآسيوية أخرى.
هذا التنوع ينعكس بوضوح على طريقة الاحتفال برمضان، حيث تتداخل العادات وتتجاور النكهات وتتعدد أشكال التعبير عن الروحانية.
وفي مشهد تتجاور فيه المآذن مع الأبراج الحديثة الشاهقة، وتلتقي روائح الكباب والكنافة مع نسائم الشتاء الأوروبي، يرسم رمضان في ألمانيا صورة مجتمع متعدد الثقافات يحتفي بالتنوع.
وتحافظ الجاليات العربية على دفء تقاليدها وحنينها إلى الشرق، والجالية التركية تضفي بعداً تنظيمياً مؤسسياً واضحاً، بينما يفتح الإفطار المفتوح أبواب الحوار مع المجتمع الأوسع.
وهكذا يتحول الشهر الفضيل من عبادة فردية إلى مساحة لقاء إنساني، تتقاطع فيها الهوية الدينية مع المواطنة، وتترسخ فيها قيم المشاركة والتعايش في قلب أوروبا.
تنظيم الشعائر
ويُعلن دخول رمضان في ألمانيا عادة عبر مجلس التنسيق للمسلمين في ألمانيا أو من خلال منظمات إسلامية كبرى مثل المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا والاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية، وذلك اعتماداً على الرؤية الشرعية أو الحسابات الفلكية.
وهذا العام تمتد ساعات الصيام في تلك الفترة من أواخر الشتاء إلى بداية الربيع ما بين 11 و14 ساعة تقريباً، من نحو الخامسة والنصف صباحاً حتى ما بين الخامسة والنصف والسابعة مساءً، وهي مدة معتدلة مقارنة بأيام الصيف الطويلة في أوروبا الشمالية.
وتشهد المساجد الكبرى في مدن مثل برلين وكولونيا وفرانكفورت وهامبورغ وميونيخ، حضوراً مكثفاً خلال صلاة التراويح، حيث تمتلئ القاعات بالمصلين من مختلف الجنسيات. ويُعد المسجد المركزي في كولونيا أحد أبرز المعالم الإسلامية في البلاد، ويستقطب آلاف المصلين في الليالي الأولى من الشهر. كما يشهد مسجد الشهيدليك ومسجد محمودية في برلين حضوراً لافتاً، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع.
مائدة متعددة الثقافات
تعكس موائد الإفطار في ألمانيا خريطة مصغّرة للعالم الإسلامي. يبدأ الإفطار عادة بالتمر والماء أو اللبن، ثم شوربة العدس التي تكاد تكون طبقاً جامعاً بين العرب والأتراك، قبل أن تتنوع الأطباق بحسب الخلفية الثقافية، وتحرص العائلات العربية على أطباق مثل المنسف والكبسة والمندي والمحاشي والسمبوسك والكبة، إلى جانب الحريرة المغربية في بيوت الجالية المغاربية. أما الحلويات فتتصدرها الكنافة والقطايف والبقلاوة والمعمول. في المقابل، تميل الأسر التركية إلى أطباق مثل الكباب والدولما والبوريك والكفتة، إضافة إلى طبق «غولاچ» الرمضاني الشهير، وهو حلوى تقليدية تُحضر خصيصاً لهذا الشهر.
أما السحور بدوره يحمل طابعاً خاصاً؛ ففي البيوت العربية غالباً ما يكون خفيفاً، يضم الفول أو الأجبان أو الفطائر، بينما يميل في البيوت التركية إلى وجبات أكثر دسامة تشمل البيض والزيتون والجبن والشاي.

مهرجان الطعام الحلال
شكَّلت فعالية مهرجان الطعام الحلال في برلين في نسختها الخاصة «إصدار رمضان على السطح 2026» محطة بارزة هذا العام.
ويقام المهرجان يومي 6 و7 مارس على سطح مركز غيزوندبرونن في حي فيدينغ، مع إطلالة مباشرة على برج التلفزيون في برلين، أحد أشهر معالم العاصمة.
والمهرجان، الذي ينظمه مختبرات ابن بطوطة، يجمع عشرات الأكشاك التي تقدم أطباقاً حلالاً من مطابخ شرق أوسطية وآسيوية وأفريقية وأوروبية، إضافة إلى سوق رمضاني ومنطقة أنشطة عائلية وعروض فنية. ويجذب الحدث جمهوراً واسعاً من المسلمين وغير المسلمين، مما يعكس تداخل البعد الديني بالثقافي والترفيهي.

أجواء رمضانية في الفضاء العام وإفطار مفتوح
منذ عام 2024 بدأت بعض المدن الألمانية تشهد إضاءات رمضانية في الشوارع الرئيسية، خصوصاً في أحياء ذات كثافة مسلمة في فرانكفورت وكولونيا. وتنتشر فوانيس رمضان في واجهات المطاعم العربية والتركية، كما تتزين البيوت بشعارات وهلال مضيء وعبارات تهنئة.
ويعكس هذا الحضور البصري تحوّلاً تدريجياً في نظرة المجتمع الألماني إلى رمضان، من مناسبة تخص أقلية دينية إلى حدث ثقافي معروف لدى الجمهور الأوسع.
ومن أبرز الظواهر المتنامية في السنوات الأخيرة ما يُعرف بـ «الإفطار المفتوح»، حيث تُنظم فعاليات يُدعى إليها الجيران غير المسلمين، إلى جانب شخصيات سياسية وأكاديمية وصحفيين.
وفي برلين، شهد رمضان هذا العام عدداً من المبادرات المجتمعية المتنوعة، من بينها إفطار شبابي أقيم في مطعم تافتان بمنطقة موابيت، جمع مهنيين وشباباً مسلمين في أجواء تعارف وتواصل اجتماعي.
كما استضافت كازا كوا في حي فريدريشهاين-كرويتسبيرغ إفطاراً مجتمعياً يركز على توفير مساحة مرحبة وآمنة لفئات متنوعة من المسلمين وأصدقائهم.
وتزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، نظمت شبكة النساء المسلمات في برلين سلسلة إفطارات نسائية تحت شعار «نساء قويات، مجتمع قوي»، تضمنت نقاشات ومحاضرات وبرامج ثقافية.

التحديات تعزز الشعور بالتضامن والانتماء
رغم الأجواء الإيجابية، لا يخلو رمضان في ألمانيا من تحديات، فبيئة العمل أو الدراسة لا تمنح عادة استراحة رسمية للإفطار، ما يدفع الصائمين إلى كسر صيامهم أحياناً في وسائل النقل أو خلال استراحات قصيرة، كما يشكل اختلاف مواعيد الصيام بين ألمانيا وبلدان الأصل تحدياً إضافياً للعائلات المرتبطة بأقاربها في الخارج.
ومع ذلك، يشير كثيرون إلى أن هذه التحديات تعزز الشعور بالتضامن والانتماء، إذ يتحول المسجد إلى مساحة لقاء يومية، وتصبح الدعوات المنزلية وسيلة لتقوية الروابط الاجتماعية.
وسائل الإعلام الألمانية باتت تخصص تقارير موسعة عن رمضان، وتستضيف مسلمين للحديث عن تجربتهم. كما تشارك بلديات محلية في بعض فعاليات الإفطار المفتوح، في خطوة تعكس رغبة في دعم التعايش والتفاهم.
ويؤكد مراقبون أن رمضان في ألمانيا أصبح مناسبة تتيح للمجتمع التعرف عن قرب على قيم الصيام والتكافل والرحمة، بعيداً عن الصور النمطية.