د. علي عفيفي علي غازي يرصد مسيرته.. صالح الكواري الشاعر الخطاط

alarab
ثقافة وفنون 26 نوفمبر 2022 , 12:35ص
الدوحة - العرب

تزين الخطوط العربية في قطر الكثير من المباني، وبعض المساجد، ومداخل بعض البنايات، إما مخطوطة أو مجسمة، وذلك اعترافاً بأهمية الخط العربي كتراث إسلامي أصيل، وكفن برع فيه العرب والمسلمون، فقد كانت قطر، ولا تزال، أرضاً خصبة لهذا الفن الرفيع، وعرف تاريخها عدداً من الخطاطين، الذين لم يتم تسليط الضوء عليهم بشكلٍ كافٍ، ومنهم الشاعر المبدع صالح بن سلطان الكواري (1910-1980)، الملقب بشاعر سميسمة، الذي يحتل مكانة بارزة بين الشعراء المتميزين، بل إنه أحد رموز الشعر الشعبي القطري في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ امتلك قدرة شعرية وآفاقاً فنية رحبة، كما امتلك ناصية البلاغة والقول السديد، وترك ثروة من الأدب الشعبي الرفيع. 
ولد ونشأ وترعرع في بيئة قطرية أصيلة، تعبق جنباتها وساحاتها ومجالسها العامرة بشذا الدين الحنيف والشريعة الإسلامية، فنشأ نشأة دينية، وتعلّم في الكتاتيب، وحفظ ما تيسر له أن يحفظ من القرآن الكريم، وكان صاحب وعي وذاكرة وحصافة، وتكونت لديه ثروة من العلوم والمعلومات والمعارف، نتيجة القراءة والاطلاع والاستماع والمناقشة، كما أن حياته في قرية سميسمة اللصيقة بالبحر، جعلت هويته وبيئته وثقافته ترتبط بالبحر، كذلك اكتسب في رحلة عمره العديد من المعارف والعلوم والتجارب والخبرات، فكان سعيه الدؤوب للبحث عن المعرفة والحياة الكريمة، والخبرات الحياتية.
ويبدو من شعره أنه كان على اطلاع بكتب التراث العربي الإسلامي، فتعرّف على مآثر السالفين وقصصهم وأخبارهم، وسير الأبطال العرب الفلكلوريين، وتفاصيل بطولاتهم، وأورد بعضهم في أشعاره، وكان ممن صحبوا القلم منذ سنوات ربيع العمر، وأصبح مُلازماً له في رحلته مع الحياة، فخط به أشعاره وقصائده، التي عبّرت عن مشاعره، وخلّد علاقته به في دفاتر أشعاره، ويقول واصفاً علاقته الوطيدة بالقلم، الذي يخط به شعره، مشبهاً تلك العلاقة بإتقان صانع الذهب صنعة القطعة الذهبية النادرة: 
إلى من طرى لي ساعة دون ساعة
أصوغ المعاني صار عوني ومسعادي
أقول المثايل وأرسم القاف وأنثني
إلى صار للمعنى فهيم ونقادي
جاني من الغالي كتاب وطارش
على كور مامون زهي كامل أجوادي
قريته وجاوبته على الفور يا فتى
وفكيت من خزان جوفي له أزنادي
ونقرأ له في قصيدة أخرى يتوجه فيها إلى محدثه «لزيمه» بأن يُحضر له القلم، الذي تعود على الكتابة به، وأن يكون حبره جيداً، صافياً، شديد السواد، لأن هذا القلم يكتب وفق ما يرغب ويبغي، فهو مطيع ولا يعصي أمره، ولا يُخالفه القول، وبه يرسم القوافي العذبة، فيقول:
لزيمي كفيت العون بالله هات لي
نحيف على معناي فيه الحبر صافي
نحيل الجسم مازال يمشي بشوفتي
مطيع فلا يعصي لما أقول وينافي
أقول المعاني وأرسم القاف بالقلم
إلى صار للمعنى فحول وعرافي
إلي نقيته وانتقيته وازن لي
طويته وبقشته على سري الخافي
وفي قصيدة أخرى يرد فيها على أحد شعراء الإحساء، نراه يصف القلم وحُسن الخط، الذي كتبت به القصيدة المرسلة إليه فيقول:
محرباً حي قاف بالقلم راسمينه
كل حبره وشام بالعذاري زهني
مرحباً يا هلا به والذي حاملينه
عد ما هب نود والذواري ذرني
وأعجب العين كتبه والذي ناقشينه
يوم شفت المعاني ياملا شوفني
وقد كتب وخط قصائده بيده، كما خط خُطبه، التي كان يلقيها في المسجد الجامع بقرية سميسمة، وعلّم به طلابه في المدرسة، بالإضافة إلى أنه كتب به ما كان يطرأ له من شؤون حياته اليومية المختلفة، كما جمع ما أعجبه من قصائد شعر ومقطوعات في دفتر. وقد كتب بخط جميل مؤنق، وقد اطلعت على مخطوطات لأشعاره وخطبه؛ تؤكد تمكنه من الخط والكتابة، وإجادته لخطوط الرقعة والنسخ، وعلى اهتمامه بالكتابة بطريقة سليمة صحيحة.