القرة داغي: أمراض القلوب أشد من أمراض النفوس

alarab
قطر اليوم 26 أكتوبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
حمّل فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدول والحكومات ما يحدث لأمتنا، واعتبر مسؤوليتهم في ذلك مسؤولية عظمى، ولفت إلى أهمية التغيير في حياة الأمم والأفراد، مشيراً إلى أن دور مصر في التغيير كبير على مر التاريخ الإسلامي. واعتبر فضيلته في خطبة الجمعة أمس بجامع السيدة عائشة رضي الله عنها بفريق كليب أن مصر وتركيا ودول الخليج بمثابة مثلث التغيير للأمة العربية والإسلامية. وقال فضيلته:الله سبحانه وتعالى أعطى المسؤولية كاملة للإنسان، فأنت تختار الطريق نحو الأحسن، والله يهديك ويأخذ بيدك، وأنت الذي -لا سمح الله- تختار طريق الضلال وأنت أخذت هذا القرار والله يحاسبك عليه. وأضاف: أقسم الله أكثر من عشر مرات في سورة الشمس، وقال بعد القسم (فألهمها فجورها وتقواها)، فالله بين لنا طريق الخير وطريق الفجور (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)، أي فاز في الدنيا والآخرة من زكاها، أي أنت الذي تزكي والله أعطاك هذه الإرادة. وعلماء التربية يقولون: إن العادات السيئة تأتي من ثلاثة أشياء: من الوراثة أي من المجتمع، ومن البيئة، ومن التربية، ويقولون أيضا إن الجانب الوراثي ليس من الجانب الجيني، فالجين لا ينقل العادات والسيئات، بل يولد الإنسان على الفطرة، فلن يلام غيرك، ومن ثم تأتي بيئة الوالدين، والمجتمع والدولة ، وكل هذه الأشياء قابلة للتغيير. وأشار إلى أن الدول والحكومات تتحمل المسؤولية الثانية الكبرى أمام الله، وأمام المجتمع عما يحدث لأمتنا، هؤلاء لهم دور كبير نحو تغيير الأمة، فعلى سبيل المثال: تحول الشعب المصري بعد 25 يناير إلى إخوة، وكان ميدان التحرير مدرسة في الإيثار والأخوة والتعاون على البر، وجاءت الحالة الأخيرة، ومزقت الأمة المصرية إلى فريقين، إلى فسطاطين، حتى في الحج، وخرجت مصر من المعادلة الدولية. وأضاف فضيلته أن مصر لها دور عظيم على مر التاريخ، ومثلث مشروعنا الإسلامي أو العربي -سمه ما شئت، أو أي مشروع ناجح، لن يتم إلا من خلال تركيا ومصر والدول الخليجية، مصر هي التي أنقذت الكويت مرتين مرة في زمن عبدالكريم قاسم، ومرة في حرب الخليج، فلذلك الأعداء يريدون التحكم في «الأقانيم» كما يسمون مصر وتركيا وبغداد ودمشق والدول الخليجية، الغرب يعرف الطريق، ويعرف متى يستغلنا، فيستغلنا عندما يحكمنا الظلمة المستبدون، والاستبداد لن يأتي بخير، ويعرفون متى نكون ضعفاء، حينما نكون مختلفين. فالذين أضروا بمصر يعرفون اليوم نتيجة ما فعلوا، ولذلك ليس أمام العرب لكي تكون لهم قوة في الأمم المتحدة، إلا أن يصلحوا ما أفسدوا في مصر، والمفسد لن تقبل توبته إلا إذا أصلح. وكان القرة داغي قد بدأ خطبته بقوله: إذا نظرنا إلى عالمنا الإسلامي، وإلى واقعنا الإسلامي، لوجدنا بفضل الله سبحانه وتعالى أن المسلمين اليوم هم أكثر الأمم تقربا إلى الله سبحانه وتعالى، وأكثر الناس عبودية بحق، ونجد أن الصحوة المباركة تزداد يوما بعد يوم، وأن عدد المصلين والمزكين والصائمين والحجاج والمعتمرين يزدادا يوما بعد يوم، ولو كانت الأماكن المقدسة تسع لأكثر من ذلك لوصل عدد الراغبين في الحج إلى عشرات الملايين من المسلمين، والناس في شوق كبير إلى هذه الديار المقدسة، بل قلوبهم تغلي شوقا لله سبحانه وتعالى وأداء لهذا الواجب.. وهكذا نشاهد وشاهدنا في شهر رمضان المبارك، كيف أقبل الناس على ليالي القدر، وكيف وصلت الصفوف في العالم أجمع بين المسلمين إلى الشوارع والأزقة. وأضاف: لكن إذا نظرنا إلى الجانب الآخر، الجانب النقدي، الجانب الذي ينظر إلى المسلمين نظرة دقيقة، نظرة انتقادية، بل نظرة واقعية، لوجدنا أن نسبة التغيير نحو الأحسن في العادات والسلوك والأخلاق والقيم، التي بعث الله سبحانه وتعالى هذا الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل إكمالها (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، بل إن الله أرسله رحمة للعالمين، ولوجدنا أن هذا الجانب لا يزال قليلا جدا، بل إنه ضعيف جدا، حتى داخل الديار المقدسة، وحتى أثناء الطواف والرمي، ونجد آثار العدوان، وعدم احترام الإنسان لأخيه الإنسان ما زالت شائعة وغالبة في أمتنا الإسلامية. وأكد التغيير وأهميته بقوله: نحن نحتاج إلى هذا التغيير، وأن يسأل كل واحد منا بعدما يجلس مع نفسه: هل أنا راض عن نفسي حسب معايير ومقاييس القرآن؟ وأن نبحث عن عيوبنا في خلواتنا، ولهذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى بهذه الخلوة الدائمة (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى)، فيمكن أن نخلو بأنفسنا، ويمكن أن نجلس مع شخص صالح نسأله، ما عدا ذلك فلن يتحقق شيء. ونحن نحتاج أن يكون لدينا مثل هذه الحساسية، كما لدينا حساسية من المضرات والأمراض البدنية، وأمراض القلوب أشد من أمراض النفوس، وحر جهنم أشد من حر الدنيا، وزمهريرها أبرد وأخطر بكثير من زمهرير الدنيا. وبداية الطريق التغيير، حتى ولو بدأنا بخطوة في أخلاقنا وسلوكياتنا، وبدون هذه البداية سنظل نعبد الله عادات، وليس عبادات، وهناك فرق بين العبادة المؤثرة حينما تكون لله، وبين العادات التي تعودنا عليها.ولفت إلى أن العبودية هي منتهى الخضوع، ومنتهى الهدوء لله تعالى، فكيف تؤدي العبودية بالعدوان والضرب والإيذاء، فهنا تحتاج الأمة كلها إلى إعادة النظر في نفسها، لماذا لم تؤثر فينا كل هذه العبادات التي نحن نؤديها رغم أنها من دون استثناء مرتبطة بالأخلاق وبالآثار؟ فكل شعائر الله، وكل أركان الإسلام مرتبطة بها، فالإيمان الذي هو الأمن والأمان لك ولغيرك، والصلاة التي نص عليها القرآن الكريم بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، أي قولا وفعلا، والزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) تطهرهم وتزكيهم من الداخل والخارج، والحج (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، والصيام مدرسة شهرية للتقوى، فأين آثار كل هذه العبادات؟ لا بد أن نعود ونوجه هذا السؤال إلى أنفسنا. وذكر أن الله سبحانه وتعالى لم يفرض هذه العبادات شكلية (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا) فلا تتصور لو ذبحت 20 أضحية أو أكثر من الذبائح أو من الهدي أنك نلت رضا الله تعالى، إنك لن تنال رضا الله بهذا وحده، وإنما (يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)، والتقوى: هذا التغيير الداخلي، هذه الخشية، وهذا الإحساس بأن الله يحاسبك في كل عملك، الله يريد هذا الإحساس، فالحيوانات ملك لله، أنت تذبح مخلوقات الله، فكيف تؤجر على شيء هو لله سبحانه وتعالى، وإنما تؤجر عليه بنيتك الصادقة المؤثرة في نفسك. لذلك أكد القرآن أن الشكليات والطقوس جزء بسيط، أما الأساس (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى)، فالبر مرتان، مرة بسبب مناسك الحج، ومرة بالنسبة للقبلة، حينما نتوجه للقبلة، فيبين الله أن البر ليس محصورا في توجهك للقبلة، ولا تناقشوا في هذه المسألة كثيرا (أَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، ولا تناقشوا كثيرا في الأوقات (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) فقضية المواقيت والوقوف والرمي كلها جزء بسيط من الظاهر، وإنما الحقيقة أنها توصلك للتقوى والعمل الصالح، والتغيير، وهو الأساس (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ولا بد أن تتغير هذه الأمور داخل أنفسنا، أن نسيطر ونهيمن ونغلب على عاداتنا وتقاليدنا وعلى عاداتنا غير الإسلامية، أما أن تدعي الطاعة ولكن عندما يتعارض شيء مع تقاليدي القبلية أو القومية أو العشائرية أو النفسية أو المصالح الشخصية فحينئذ أقول لا! هنا تكون التجربة، التجربة حينما تعبد الله حق عبوديته، وتخضع له فعلا، خضوعا حقيقيا لله، من دون أي تأثر من الخارج، سواء اتفق مع عاداتك وقيمك أم لا، فهذا ليس مهماً، وإنما المهم أن تعبد الله حق العبودية كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأعتقد أن هذه أكبر مشكلة في الأمة الإسلامية، نزداد عبودية ظاهرية لله سبحانه وتعالى، وتأثير هذه العبودية إلى يومنا هذا قليل جدا، ولا أقول معدوما، ولاسيَّما عند المحك، وعند المصلحة، وعندما تتعارض المصالح أو المحبة أو العاطفة. وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم، وحث ربُّ العالمين رسولَه الكريم صلى الله عليه وسلم على ذلك، فالرسول كان يريد أن يركز في الدعوة على صناديد قريش وكبرائهم، باعتباره في مصلحة الدعوة، ولكن الله يريد أن يكون الاندفاع لله فقط، دون تفرقة بين هذا وذاك، فيأتي العتب من الله سبحانه وتعالى (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى)، رغم أن الرسول لم يكن مشغولا بقضيته الشخصية، فالمبدأ أنك تدعو إلى الله، والمبدأ أنك تؤثر من يتقرب إلى الله أكثر وهو يسعى، هذا الذي يجب عليك أن تجلس معه وتهتم به، دون أن تؤثر الوجهاء والكبار على هؤلاء. وذات مرة أتّهم أحد اليهود بالسرقة، وكان اليهود في ذلك الوقت من بقايا اليهود الذين عملوا مشكلات كبيرة في المدينة، منها التآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، كما تآمروا مع الأعداء ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هناك حالة تشنجية كبيرة بين المسلمين واليهود، وأثناء أو بعد ذلك اتهم يهودي بأنه سرق درعا، ثم بعد ذلك أخذ الدرع من بيته، ولكن القضية كانت مدبرة من بعض المسلمين، هم سرقوا وأرادوا أن يتهموا بها اليهودي، فجاءت الآية من فوق سبع سماوات: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)، وشدد الله على رسوله : كيف تكون للخائن صاحب الحجة، وتدافع عنه! فآزر الله الحق وأن هذا اليهودي بريء. هنا تأتي عواطف الإنسان وتصطدم مع حقائق الإيمان، وهنا يأتي الامتحان للإنسان، ولذلك حينما يسلم بعض الناس يجدون هذه الحقائق، ولو كان القرار من الرسول لتبين أثر الرسول كإنسان، وعاطفة، ولكن القرار حق واضح مجرد عن كل عواطف الإنسان، لذلك نجد الله يعاتب رسوله ويبين بعض الأشياء ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أن يظهر كما في قضية زيد وقضية زوجاته وقضايا أخرى.