أتباع الديانات يؤكدون على أهمية تفعيل الحوار بالتواصل الاجتماعي
محليات
26 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
ركزت جلسات مؤتمر الدوحة التاسع لحوار الأديان في يومه الثاني على أهمية وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت وكيفية الاستفادة منها في تفعيل الحوار بين أتباع الأديان.
ورأست د. عائشة المناعي عميد كلية الشريعة بجامعة قطر الجلسة الصباحية في اليوم الثاني للمؤتمر. وشهدت الجلسة عرض أوراق عمل ومناقشات حول (أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في خلق تواصل وتعاون بين مراكز حوار الأديان والمهتمين والعاملين في هذا المجال).
وتحدث في الجلسة القس جيسي جاكسون من أميركا، والدكتور أختر واسع من الهند والدكتور ويليام فيندلي من أميركا والحاخام مارك جوبين.
واستعرضت الجلسة التي رأستها د. المناعي أوراق عمل حول استفادة مراكز حوار الأديان من وسائل التواصل الاجتماعي في خلق بيئة مناسبة للتعايش بين أتباع الأديان. وتقدم بأوراق العمل كل من: الأسقف أندرو تومسون من بريطانيا والدكتور حسين منصور من إسبانيا وكمال الدين عبدالله ظفري من بنغلاديش.
ونافش المؤتمر في جلسة موسعة كيفية مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف العادات والتقاليد وتقليص العلاقات الاجتماعية. ورأس الجلسة بولص مطر رئيس أساقفة لبنان وتحدث فيها: د. موسى آدم عبدالجليل من السودان والحاخام سيمخا وينتروب من أميركا والأب فيتاريو يناري من إيطاليا.
واستعرضت الجلسة ورقتي عمل حول إساءة استخدام مواقع الإنترنت في التباعد بين المجتمعات تقدم بهما د. سكوت ألكسندر من أميركا وأحمد مصطفى من مصر.
كما استعرضت أخلاقيات استخدام التكنولوجيا الحديثة في ورقتي عمل من الدكتورة بريجيت باهيل من ألمانيا والحاخام إلين درايفوس من أميركا.
دور مراكز الحوار
وتحدث د. حسين منصور -مدرس الأدب العربي في المدرسة الإنجليزية الدولية في مدريد، ومترجم بالبيت العربي بمدريد التابع لوزارة الخارجية الإسبانية ولبلدية مدريد، ومسؤول الشؤون العربية بوكالة ميديا لونا للخدمات الإعلامية والعلاقات العامة- عن قضية (دور مراكز الحوار في عصر الثورة المعلوماتية).
ذكر في ورقة عمل ناقشها المؤتمر أمس أن (عصر المعلوماتية) يعد ثمرة للتقدم المذهل في سبل ووسائل الاتصالات التي استطاع الإنسان من خلالها تجاوز أكبر تحديين كانا يواجهانه منذ بدايات مشروعه التأسيسي لحضارته على سطح هذا الكوكب وهما الزمن والمسافة. فمن خلال الطفرة الفائقة في مجال وسائل المواصلات أولاً استطاع تجاوز عائق المسافة محققاً ما كان يعد معجزة في أزمان سابقة ليكون أمراً معتاداً في عصرنا الراهن. فها نحن نرى الآن أناساً يتناولون الوجبات الثلاث في اليوم في بلدان مختلفة.
مليار مستخدم للإنترنت
وقال إن التكنولوجيا الحديثة التي يسرت على الإنسان مهمة التواصل السريع مع أبناء جنسه، نتج عنها غزارة هائلة في الإنتاج الفكري الإنساني على كافة الأصعدة المعرفية.
ونقل عن شركة «كومسكور» المتخصصة أن عدد مستخدمي شبكة الإنترنت في العالم تجاوز المليار، ومن المرجح أن يكون العدد أكبر من هذا المذكور بكثير، لأن الشركة لم تأخذ في الاعتبار سوى الرواد الذين تزيد أعمارهم عن 15 عاما ويستخدمون الشبكة من مقر عملهم أو منزلهم، ولم تأخذ بعين الاعتبار مقاهي الإنترنت ولا مستخدمي الإنترنت عبر الهواتف النقالة.
وأورد أن عدد الرواد سيصل إلى مليارين أو ثلاثة مليارات بسرعة فائقة. وكشف عن تقرير للإحصاءات العالمية يفيد بأن إجمالي عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي بلغ 38 مليونا.
وقال إن مفهوم الشبكية المعرفية لن يسمح لأي فرد من المشكلين لها بالانعزال والتقوقع داخل بوتقة التخصص المحدود، وإنما سيلقي به إلى قلب التيار المعرفي ذي المنابع المتعددة، وبالتالي سيظهر مفهوم جديد للمثقف ورجل الدين ورجل السياسة.
وأقر بأن صورة رجل الدين التقليدي وخطابه ينبغي أن تختلف، حيث إنه ينبغي أن يكون متعدد الروافد المعرفية سواء الفلسفية أو الاجتماعية أو السياسية وربما العلمية والرياضية، ولا بد أن يضاف إلى تكوينه المعرفي الثقافة المعلوماتية.
الحوار في عصر المعلوماتية
وأفاد د. منصور بأن العقلية المعلوماتية المعاصرة لا ترى في الحوار أمرا إيجابيا فحسب، وإنما تراه أمرا حيويا لا يستقيم وجودها من دونه لأنه أحد أهم عناصر هويتها، حيث إن وجودها المرتكز على فكرة الغزارة المعرفية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعدد روافد الإمداد المعرفي وكذلك تشابك هذه الروافد من خلال حوار دائم ومتصل.
وقال إن الأمر المثير للانتباه والاستغراب، بل والنفور كذلك هو أن بعض مروجي هذه الموجة من الكراهية بين الثقافات من خلال أحكام انطباعية سلبية تجاه الحضارة الأخرى بنزع سمات الأخلاقية كافة عنها والهبوط بها لأدنى درجات الإنسانية، لا يزالون يمارسون الدور الإفسادي نفسه لصالح أجندات سياسية، ويتخذون من موضوع الخلاف الديني ورقة في لعبة سياسية رخيصة، ولم يلتفتوا إلى ما تسببت فيه هذه الدعوات التحريضية في الماضي من إراقة دماء الأبرياء وإشاعة الخراب والدمار، وها نحن نرى كل يوم الدعوات المؤكدة على أنه لا أمل في التعايش بين الحضارات في ظل الاختلاف وأن الصراع قدر محتوم.
وأبدى د. حسين منصور أسفه لأن بعض المستشرقين المعاصرين لا يزالون يعتبرون أن التحذير من الخطر الإسلامي القادم والقضاء على هذه الثقافة الداعمة للإرهاب -من وجهة نظرهم- هو الضمانة التي ستحفظ للعالم أمنه واستقراره، مستخدمين في ذلك خطاباً محرضاً على الكراهية ومتجاوزاً في حق المقدسات والرموز الإسلامية كافة.
واعتبر أن الأمر أنتج ما يسمى في عالم اليوم بظاهرة (الإسلاموفوبيا) التي انتشرت بشكل منذر بالخطر في عدد من المجتمعات الغربية. وولدت مفاهيم في معظمها مغلوطة حول هذه الثقافة والمنتمين إليها في عقلية المواطن الغربي الذي اتخذ من هذه الصفوة وسيطا يرى من خلاله هذه البقاع البعيدة عنه. ونما داخل الطرف الآخر شعور بالرفض والحقد على العالم الغربي المتجبر والطامع في مقدراته وثرواته. وزاد من هذه المشاعر العدائية الشعور بالانحياز الغربي الجلي للمشروع الإسرائيلي الاستعماري في منطقة الشرق الأوسط.
الآثار السلبية وكيفية معالجتها
وناقش المؤتمر في جلسته الثالثة «الاستخدام السلبي لوسائل التواصل وتأثيره على المجتمعات»، وقدم د. موسى آدم عبدالجليل (أستاذ مشارك) بقسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاجتماعية، جامعة الخرطوم ورقة عن كيفية مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في إضعاف العادات والتقاليد وتقليص الخلافات الاجتماعية.
وانطلقت الورقة من مسلمة مفادها أن الإنسان كائن اجتماعي، لأنه لا يستطيع العيش إلا في جماعة، لذا يحتاج دوما إلى تطوير أدوات التواصل لديه حتى يتمكن من رفع كفاءة التفاعل الاجتماعي بينه والآخرين من حوله.
وأشارت إلى أن نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين قد شهدت قفزات كبيرة في مجال تقنية الاتصالات مما فتحت فرصا كبيرة لتطوير وسائل التواصل الاجتماعي من خلال الهاتف المحمول والإنترنت على وجه الخصوص.
ولفتت إلى أن تلك التطورات أدت إلى سرعة انخراط ملايين الناس في عالمنا العربي والإسلامي في التعاطي مع هذه الوسائل بمعدلات غير صحية في بعض الأحيان، الأمر الذي أدى إلى ظهور تغيرات واسعة في سلوكهم وتدهور علاقاتهم الاجتماعية بمن حولهم في أحيان كثيرة.
وحاولت الورقة تسليط الضوء على الآثار الإيجابية وكذا السلبية لهذه التغيرات، سواء كان على الصعيد الاجتماعي العام والذي يتم التعبير عنه من خلال عادات الناس وتقاليدهم التي تشكل جزءا من ثقافتهم الموروثة وكذلك في شكل العلاقات الاجتماعية مع الأفراد والجماعات بداء بالأسرة والجيران في الحي السكني وانتهاء بذوي الأرحام ومجموعات العمل.
وخلصت الورقة إلى أن أي تقنية جديدة لها آثارها الإيجابية والسلبية، ولكن تحتاج المجتمعات إلى معالجة هذه السلبيات، ليس بمعارضة الجديد ولكن بتسهيل التكيف معه، وهذا يحتاج إلى استخدام المنهج العلمي في فهم الظاهرة والتعاطف مع الأجيال الجديدة دون تطرف. وتنتهي الورقة بتقديم بعض المقترحات حول أسس التعامل مع هذه الظاهرة.
سوء الاستخدام
واستعرضت إحدى جلسات المؤتمر أمس ورقة عمل قدمها أحمد مصطفى عضو المجلس الإفريقي لدراسات بحوث التنمية (www.codesria.org). مدير صفحة معا ضد الفساد على الفيس بوك حول (إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي بين المجتمعات الدينية)،
قال مقدم الورقة: إنه أعدها من واقع مشاركته في عدد كبير من حوارات الثقافات والأديان كنشط ومدرب في هذا المجال وعمله لتحليلات ومقارنات لهذه المؤتمرات وجدواها، وتنظيمه لعدد من هذه الحوارات ما بين الشباب المصري والغربي، وقراءته للعديد من المقالات والكتب والأبحاث في هذا المجال، ومشاهدته وتدوينه ملاحظات على العديد من الأفلام التسجيلية والحوارات التلفزيونية، ومنها عن هذا المنتدى في السنين السابقة في هذا المجال والتعليق عليه.
وقدم خلفية عن مواقع التواصل الاجتماعي من حيث النشأة والبداية، موضحا أن السمة الغالبة الخاصة بهذه المواقع هو أن تركيزها الأكبر كان مبنيا على العلاقات الرومانسية والإباحية التي تستحوذ بموجب الإحصاءات على حوالى %50 من اهتمام مستخدمي الإنترنت على وجه العموم ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص أكثر من التواصل الاجتماعي المعتدل ونشر الثقافة والحوارات البناءة.
?
فعاليات وإيجابيات
وعن فعاليات وإيجابيات مواقع التواصل الاجتماعي قال إن لها إيجابيات كبيرة وأهمها حرية التعبير عن الأفكار بعيدا عن أي رقابة أو أخلاقيات أو تعقيدات، وكذلك استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للتعريف بالأديان والرسل والأنبياء ونشر رسالتهم بين البشر بشكل أكبر يقوم على قيم التسامح وقبول واحترام الآخر والإيمان بالله الواحد وقبول الاختلاف والتعددية والسلام والعدالة والمساواة ما بين البشر فيما اتفقت عليه كل الرسالات السماوية والقيم الإنسانية المشتركة حتى مع الديانات غير السماوية، فإن لها سلبيات أيضاً.
وعلق على سوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في المجتمعات الدينية، وأرجعها إلى أسباب خارجية تتمثل في ظهور نظرية «صراع الحضارات» التي تبناها وكتب عنها عدد من الأكاديميين اليمينيين ومنهم (فوكوياما، وهنتنجتن، وكونداليزا رايس وغيرهم) والذين أشاروا في كتبهم -وإن كانت بنسب متفاوتة- إلى أنه بعد انقشاع الشيوعية من العالم أصبح هناك خطر جديد يهدد الغرب الليبرالي وقيمه ألا وهو «الإسلام» واستغل الإعلام الأمريكي الأقوى عالمياً ذلك ليركز على (الإسلاموفوبيا) ليظهر غالبية المسلمين على أنهم من البربر الذين يقتصر الدين عندهم على المظهر وتعدد الزيجات وعدم احترام المرأة وتنميط هذه الصورة على كل الدول الإسلامية.
كما أرجعها إلى أسباب داخلية تتمثل في عدم استقلال السلطات الدينية في غالبية الدول الإسلامية، ومشاكل التعليم الديني الذي يخرج حفظة وأشخاصا منمطين في المجتمعات بعيدين تماما عن فكرة تخريج مجموعة الباحثين أو المفكرين خصوصا مع غياب فكرة الحريات الأكاديمية في غالبية جامعات العالم الإسلامي ومراكز الأبحاث المستقلة المحترمة ومراكز استطلاع الرأي، والذي انعكس بدوره على البحث العلمي والمنتج الفكري الثقافي العربي والذي يمثل حاليا %0.5 من الحصة العالمية، ونشعر بالخزي عندما نذهب لمعارض الكتاب العربية ونجد أن معظم الكتب الموجودة كتب دينية وترفيهية أو غالبيتها قصص سطحية للاستهلاك المحلي.
وأشار إلى البعد عن التمكين السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل العديد من الشباب يلجأ للدين دون أدنى فكرة، ولسوء حظه تحت تأثير بعض التيارات المتشددة كتعويض للإحباط السياسي والاجتماعي الذي يلاقيه بمجتمعه رغم أن الفئة الأكبر في المجتمع هي من الشباب، وكذلك عدم وجود مجتمع مدني فعال يمكن أن يستوعب هؤلاء الشباب ونشاطهم الزائد ويوجههم التوجه السليم.
ورصد غياب الإعلام الموضوعي الذي يمكن أن يخاطب المستويين الدولي والعالمي ويظهر له روح الإسلام وخصوصية الإسلام ويخاطب الغرب باللغات التي يفهمها وبالطروحات الموضوعية المبنية على أساس علمي «كلمة بكلمة، وجملة بجملة، ومقال بمقال، وبحث ببحث» وعليه يخسر المسلمون الكثير في الخارج في قضاياهم وحواراتهم لغياب هذا الجانب وتغليب المشاعر على النظرة العلمية والموضوعية ومحاولة إقناع الغرب باللغة والمنهج الذي يفهمه رغم أنه قد يكون لهم كل الحق.